دراسات وبحوث       

 تطور كتب التفسير انتهاء بكتاب التبيان

محمد حسن آل ياسين

كان لا بد للمسلمين وهم يؤمنون بالقرآن وقدسيته وحاجتهم الحياتية والروحية إليه أن يتعلموا معانيه ويتفقهوا فيه، ليستطيعوا العمل على ضوئه والسير على هداه، كما كان لا بد للنبي ـ صلى الله عليه وآله ـ أن يتولى مسؤولية التفسير والشروح - خلال أيام حياته - بحكم قيامه بمهمة تلاوة ما يوحى إليه من آيات الذكر على المسلمين، فيذكر أسباب النزول ويوضح ما يحتاج إلى الإيضاح من المجمل والمتشابه والناسخ والمنسوخ ويقوم بالشرح العملي لما تضمنته تلك الآيات من أحكام عبادية وواجبات شرعية. وبفضل ذلك كله كان القرآن في عصر الرسالة قريباً إلى عقول الناس وإفهامهم وإن تفاوتت تلك الأفهام في درجة المعرفة والإدراك.

وعندما فجمع المسلمون بوفاة المفسر الأول ـ صلى الله عليه وآله ـ وسد في وجوههم باب السماع المباشر من صاحب الوحي لجأوا إلى الصحابة الذين عاشروا النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ ورافقوه وسمعوا منه وتفقهوا على يديه يسألونهم تفسير ما يستغلق فهمه عليهم من مفردات القرآن وآياته فيروي لهم الصحابة ما سمعوه من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ في ذلك، ولا يتحاشى بعضهم من الاعتراف بجهله بمعاني بعض الكلمات تنزيهاً للقرآن من التفسير بالرأي والظن(1).

وهكذا بدأ تفسير القرآن معتمداً على الرواية والنقل عن الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ مع كل التحرج والتأكد والالتزام بدقة النقل وعدم التصرف وليس ذلك غريباً ما دام «التفسير هو إيضاح مراد اللّه تعالى من كتابه العزيز، فلا يجوز الاعتماد فيه على الظنون والاستحسان، ولا على شيء لم يثبت أنه حجة من طريق العقل أو من طريق الشرع، للنهي عن اتباع الظن».

حيث أن المقصود بتفسير القرآن في المصطلح الإسلامي هو «علم معانيه وفنون أغراضه»(2) أو أنه العلم الباحث «عن معنى نظم القرآن بحسب الطاقة البشرية وبحسب ما تقتضيه القواعد العربية»(3) أخذا له من المعنى اللغوي للتفسير وهو البيان و«كشف المراد عن اللفظ المشكل»(4) فإن من الصحابة من لم يكتف بالرواية والنقل في تفسير القرآن فأضاف إليهما الشعر المأثور عن العرب يستهدي به في معرفة معنى اللفظ القرآني انطلاقاً من كون القرآن عربياً واردا

بهذه اللغة ومستعملاً كلماتها ومفرداتها.

إن أول ما يخطر في أذهاننا ونحن نخزن في المخيلة عصر الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ وتلك القوائم الكبيرة من أسماء الصحابة أن جل الصحابة - إن لم نقل كلهم - كانوا من مفسري القرآن وشارحيه، باعتبارهم قد سمعوا ذلك من النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأدركوا معنى كل ما سمعوه، ولكن الواقع الخارجي كان على خلاف ذلك فما أقل من وعى معاني القرآن وأرهف سمعه وقلبه وعقله للنبي وهو يشرح تلك المعاني ويوضح أهدافها ومراميها ويقول السيوطي في ذلك :

«اشتهر بالتفسير من الصحابة عشرة : الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس واُبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير».

«أما الخلفاء فأكثر من روي عنه منهم علي بن أبي طالب. والرواية عن الثلاثة نزرة جداً، وكان السبب في ذلك تقدم وفاتهم. كما أن ذلك هو السبب في قلة رواية أبي بكر (رض) للحديث ولا أحفظ عن أبي بكر (رض) في التفسير إلا آثاراً قليلة جداً لا تكاد تجاوز العشرة».

وهكذا يغدو علي ـ عليه السلام ـ أشهر الصحابة جميعاً - من استخلف منهم ومن لم يستخلف - في تفسير القرآن وروي عنه الكثير في هذا الباب.

واشتهر عبد الله بن مسعود المتوفى سنة 32هجري بالتفسير أيضاً - كما روى السيوطي وغيره - وروى عنه الكثير في ذلك و«روى عنه كثيرون لكن تتبعهم العلماء بالنقد والتجريح»(5).

ثم يأتي بعد ذلك في التسلسل عبد الله بن عباس المتوفى سنة 68هجري. الذي ورد عنه في التفسير «ما لا يحصى كثرة وفيه روايات وطرق مختلفة»(6). وقد كثر النقل عنه في مصادر التفسير إلى حد الإغراق الملفت للنظر والمثير للاستفهام وأصبح - بكثرة أقواله المروية، ورواته المتعددين ومؤلفه المنسوب - أبرز المفسرين الأوائل في تاريخ الإسلام.

وبالنظر إلى هذه الهالة المشعة التي أحاطت بالرجل والقدسية التي حفته حتى منح لقب (ترجمان القرآن) يلزمنا أن نقف عند جانبين من جوانبه نستوضح أمرهما ونستطلع واقعهما هما : منهجه في التفسير والبحث في رواته وطرقه .

أما منهجه فقد روي عنه أنه قسّم وجوه التفسير على أربعة أقسام :

تفسير لا يعذر أحد بجهالته.

وتفسير تعرفه العرب بكلامها.

وتفسير يعلمه العلماء.

وتفسير لا يعرفه إلا اللّه عز وجل.

فأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافة من الشرائع التي في القرآن وجمل دلائل التوحيد. وأما الذي تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللغة وموضوع كلامهم. وأما الذي يعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه وفروع الأحكام. وأما الذي لا يعلمه إلا اللّه فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة(7).

ومن هذا المنهج يظهر أنه قد اعتمد الأثر والرواية دون غيرهما طريقاً لمعرفة معاني القرآن، وليس ذكره لحقائق اللغة تطويراً في التفسير أو إضافة مصدر آخر له غير النقل والرواية، لأن القرآن قد نزل بلغة العرب ومن البديهي أن نجعل اللغة أساساً لفهم المفردات ومعرفة المقصود منها.

وإذن فمنهجه في التفسير هو التفسير بالمأثور والمأثور فقط.

أما طرقه ورواته فقد حامت حولها الشبهات وكثر فيها التشكيك حتى أصبح الاطمئنان إلى ما يروى عنه غير متحقق لدى الباحثين، بل أصبح أكثر ما يروى عنه مقطوعاً بكذبه وتلفيقه، ويقول الإمام الشافعي : إنه «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث»(8) ولذلك فلا بد لنا من أن نقول مع الشيخ الزرقاني بوجوب «الحيطة فيما عزي إلى ابن عباس من التفسير، فقد كثر عليه في الدس والوضع»(9) ومع الدكتور الصالح في كون الناس قد «تزيدوا في الرواية عن ابن عباس وتجرأ بعضهم على الوضع عليه والدس في كلامه»(10).

وتكون خلاصة الرأي في الروايات عن ابن عباس في التفسير أنها «غير مرضية ورواتها مجاهيل»(11).

ولزيادة الاطمئنان بهذه الخلاصة القاسية نستعرض في أدناه طرق الرواية عنه وما تناقله العلماء من رأي فيها وتمحيص ليتجلى لنا النبأ اليقين.

فمن طرقه : طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه، ومع أن السيوطي يعتبره من جيد طرقه فإنه يروي عن قوم من الناس قولهم : لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير، كما يروي عن الحفاظ اجماعهم على أن ابن أبي طلحة لم يسمعه من ابن عباس(12) أي أن رواياته عن ابن عباس مراسيل لم تؤيد بالسماع منه.

ومن طرقه : طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس : وهؤلاء - عن السيوطي - من المجاهيل «وجويبر شديد الضعف متروك»(13).

«وطريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس منقطعة، فإن الضحاك لم يلقه»(14) وروى الطبري عن مشاش أنه قال : «قلت للضحاك : سمعت من ابن عباس شيئاً؟ قال : لا»(15).

ومن طرق ابن عباس، ما رواه المفسرون عن ابن جريج، وأطول طرق ابن جريج ما يرويه بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الغني بن سعيد عن موسى بن محمد عن ابن جريج، ويقول السيوطي : «وفيه نظر»(16) ، كما يقول أيضاً عنه أنه «لم يقصد الصحة وإنما روى ما ذكر في كل آية من الصحيح والسقيم»(17).

ومن تلك الطرق - طريق العوفي عن ابن عباس وقد «أخرج منها ابن جرير وابن أبي حاتم كثيراً والعوفي ضعيف ليس بواه»(18).

وأوهى طرق ابن عباس «طريق الكلبي عن ابن صالح عن ابن عباس، فإن انضم إلى ذلك رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب. وكثيراً ما يخرج منها الثعلبي والواحدي»(19).

وأبو صالح هذا الذي يروي عن ابن عباس كان يمر به الشعبي «فيأخذ بإذنه فيعركها ويقول : تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن»(20).

وأما الكلبي الذي يروي عن أبي صالح فهو صاحب تفسير لم يكتب أطول منه ولا أشبع، ومع ذلك فقد قال فيه الأعلام إنه قد : «أجمعوا على ترك حديثه، وليس بثقة، ولا يكتب حديثه، واتهمه جماعة بالوضع»(21).

وأما طريق بشر بن عمارة عن أبي روق «فضعيفة لضعف بشر(22)، وقد أخرج من هذه النسخة كثيراً ابن جرير وابن أبي حاتم»(23).

وأما السدي فقد روى عنه الكثيرون «ولكن التفسير الذي جمعه رواة أسباط بن نصر، وأسباط لم يتفقوا عليه». وعلى الرغم من رواية ابن جرير عنه كثيراً فإن ابن أبي حاتم لم يورد منه شيئاً «لأنه التزم أن يخرج أصح ما ورد»(24).

«ولقد قيل في السدي إنه «ضعيف وكذاب وشتام»(25) وقال النسائي في أسباط إنه «ليس بالقوي»(26) وروى الطبري عن الشعبي إنه مر يوماً على السدي وهو يفسر فقال : لأن يضرب على أستك بالطبل خير لك من مجلسك هذا(27).

ومن طرق ابن عباس أيضاً - طريق مولاه عكرمة، وعكرمة غير مقبول لدى العلماء، وقد اشتهر عندهم بالكذب على مولاه وأنه «كان يرى رأي الخوارج ويميل إلى استماع الغناء»(28). وروي عن علي بن عبد الله بن عباس أنه كان يوثق عكرمة على باب الكنيف لأنه يكذب على أبيه(29) ومثل ذلك كان يصنع به علي بن عبد الله بن مسعود لأنه يكذب(30) ويروي ابن سعد عن طاووس قوله : «لو أن مولى ابن عباس هذا اتقى اللّه وكفَّ من حديثه لشدت إليه المطايا»(31). ويظهر مما روي في كتب التاريخ أن عكرمة قد أصبح مضرب المثل في كذبه على ابن عباس، فقد روى ابن سعد : «إن سعيد بن المسيب قال يوماً لمولى له : اتق. لا تكذب عليّ كما كذب مولى ابن عباس على ابن عباس»(32) ومثل ذلك روى ياقوت عن عبد الله بن عمر إنه قال لغلامه نافع : «واتق اللّه ويحك يا نافع ولا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس»(33).

أما مقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150هجري. فقد ضعفه العلماء وقالوا : «إنه يروي عن مجاهد ولم يسمع من مجاهد شيئاً، ويروي عن الضحاك ولم يسمع منه شيئاً، فقد مات الضحاك قبل أن يولد مقاتل بأربع سنين.

ويكذبونه. ويضعفه من يستحسن تفسيره ويقول : ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وينقلون إنه كان يأخذ من اليهود علم الكتاب»(34).

وهكذا يظهر مما سلف أن أكثر الروايات المتعلقة بالتفسير مما اعتمدها المفسرون المشهورون لم تسلم من الطعن والتضعيف بل الرد والتزييف وقد أجمل ذلك الشيخ ابن تيمية عندما قال : «وفي التفسير من هذه الموضوعات قطعة كبيرة»(35).

ويعلل ابن خلدون أسباب الوضع والتلفيق في النقل التفسيري فيقول : «والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء مما تشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدون منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم ولا يعرفون من ذلك إلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تعلق له بالأحكام الشرعية. وهؤلاء مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم»(36).

أحيط المسلمون الأوائل الذين تصدوا للكتابة في تفسير القرآن باهتمام كبير في كتب التاريخ ومع ذلك فما زال المؤرخون مختلفين في تعيين الأول بالخصوص.

وقد ذكر ابن النديم إن أول كتاب ألف في تفسير القرآن هو «كتاب ابن عباس» الذي رواه مجاهد عنه(37).

ولدينا الآن بين كتب التفسير المطبوعة كتاب «تنوير المقباس من تفسير ابن عباس» الذي استخرجه الفيروزآبادي صاحب القاموس المحيط، وكتاب «سؤالات نافع بن الأزرق في التفسير وجوابات ابن عباس عليها» وقد نشره الدكتور ابراهيم السامرائي.

وأن النظرة الموضوعية الفاحصة في هذين الكتابين تثير لدينا من الشكوك ما يسقط اعتبار نسبة هذين النصين لابن عباس.

أما التفسير «تنوير المقباس» فهو من رواية محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وقد مر علينا أن السيوطي قد أطلق على هذا السند اسم «سلسلة الكذب» كما مر علينا أيضاً أن الرواة عن ابن عباس - جلهم إن لم نقل كلهم - لم يسلموا من الطعن أو التضعيف، حتى قال الإمام الشافعي كلمته المأثورة السالفة الذكر : «لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث».

وإذن فليس لنا أي طريق من طرق الاعتماد والتوثيق نحو هذا الكتاب ولن نستطيع الرضوخ ل«سلسلة الكذب» في تفسير كتاب اللّه المجيد.

وأما سؤالات نافع بن الأزرق فآثار الصناعة عليها ظاهرة. وحسبنا أن نعلم أن رواتها يدعون إنها دارت بين ابن الأزرق وابن عباس في جلسة واحدة في المسجد الحرام ليحصل لنا الشك فيها، ثم كيف استطاع من حضر هذا الحوار أن يحفظ بهذه الدقة وهذا الاستيعاب نص الأسئلة والأجوبة وشواهدها الشعرية ليرويها للأجيال من بعده؟! ولعل خير ما يقال في حق هذه المسائل وأجوبتها أنها كانت «أسطورة مدرسية عظيمة الفائدة»(38) - على حد تعبير كولد زيهر -.

وهكذا يبدو أن ابن عباس لم يكن أول مؤلف في التفسير لأنه لم يثبت له أي كتاب في التفسير، بل لم يثبت له في تفسير كل القرآن إلا شبيه بمائة حديث فقط ويصبح نص ابن النديم رواية من الروايات المرسلة التي لم نجد لها ما يصححها من الشواهد المعتمد عليها في هذا الباب.

أما جرجي زيدان فيذهب إلى أن مجاهداً المتوفى سنة 104 هجري هو أول من «دون التفسير في الصحف» (39).

والظاهر أنه قد اعتمد على كلام ابن النديم عن كتاب ابن عباس، حيث ذكر أنه قد رواه مجاهد، ولعل مجاهداً جمع ما صح لديه من روايات ابن عباس وبوبها ونظمها وألف بينها في كتاب واحد، وبهذا يكون هو المؤلف لا ابن عباس.

وكان من حق البحث على جرجي زيدان أن يدقق النظر أكثر في فهرست ابن النديم ليرى فيه «كتاب تفسير سعيد بن جبير» (40) وسعيد أقدم تاريخاً من مجاهد لأنه توفي عام 94 هجري. أي قبل مجاهد بعشر سنوات، وكان من المشهورين بالتفسير، بل روي عن قتادة أن سعيداً كان أعلم معاصريه بالتفسير (41) فلا غرو لو ألف كتاباً في التفسير ولم يؤثر عن القدماء أي طعن أو شك أو كلام بشأنه.

وهكذا يصبح سعيد بن جبير أول مؤلف في تفسير القرآن.

وتتابعت السنون بالمسلمين وتتابعت معها دراسة القرآن الكريم. وعندما كثرت العلوم وتعددت فروع المعرفة وظهرت فكرة الاختصاص بين العلماء سار كل فريق من هؤلاء لتفسير القرآن على ضوء اختصاصه ومعرفته الخاصة أو للبحث في جانب من جوانب القرآن يلتقي مع الجانب العلمي الذي يعنى به.

فكان النحوي «ليس له هم إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه ونقل قواعد النحو ومسائله وفروعه كالزجاج والواحدي».

وكان الإخباري «ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والإخبار عمن سلف سواءً كانت صحيحة أو باطلة، كالثعلبي».

«والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه من باب الطهارة إلى أمهات الأولاد وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية».

وحتى «صاحب العلوم العقلية قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وشبهها ويخرج من شيء إلى شيء (42) بمناسبة وبلا مناسبة في كثير من الأحيان».

ونتيجة لتعدد الاختصاص والمنحى الفكري لدى المؤلفين في القرآن حفلت المكتبة العربية القرآنية بمجموعة قيمة من المؤلفات في معاني القرآن ومشكله ومجازه، وغريبه وقراءاته، ولاماته ووقفه وابتدائه ومتشابهه وأجزائه، وفضائله وعدد آيه، وأحكامه وناسخه ومنسوخه وأسباب نزوله، وإلى ما شابه ذلك مما تكلفت ببيانه مصادر التراجم والتاريخ وفهارس الكتب والمؤلفين (43).

وفي غمرة هذه المؤلفات الاختصاصية قام عدد من علماء المسلمين البارزين بالكتابة في تفسير القرآن على الشكل العام المعتمد على النقل والرواية عن الصحابة والتابعين من دون الاهتمام بجانب خاص وبعيداً عن التفلسف واعتماد الذوق الشخصي في التأويل والشرح.

وكان من طلائع هؤلاء سعيد بن جبير - المار الذكر - ومجاهد وأبو حمزة الثمالي وأبان بن تغلب وأضرابهم ممن ضاعت آثارهم فلم نطلع عليها، ثم من سار على هذا المنهج من بعدهم.

ومر القرن الثاني والثالث والمنهج في كتب التفسير العام ما زال نفس المنهج: تفسير بالمأثور، ورجوع إلى اللغة والشواهد في معاني المفردات وقصص إسرائيلية أقحمت في التفسير بواسطة اليهود المتظاهرين بالإسلام وليس شيء غير ذلك.

وبرز إلى عالم التفسير في أواخر القرن الثالث مفسر كبير اتسم منهجه بشيء من التطوير هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنه 310 هجري.

وقد تميز هذا الرجل بمنهجه التجديدي الذي لم يسبقه إليه سابقوه ولم يعرفه معاصروه بل كانت التفاسير المعاصرة له محافظة كل الحفاظ على منهجها السابق المعتمد على الرواية فقط كما يرشدنا إلى ذلك ما هو موجود منها كتفسير علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، الذي كان حياً إلى سنة 307 هجري. ويعتمد منهجه على الرواية مع ذكر السند، واختص بالروايات التي رويت له عن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام. وجلها مما رواه والده إبراهيم بن هاشم عن مشايخه، ويتضمن كثيراً من الروايات الضعيفة التي لم ينظر لها العلماء بالقبول (44).

وكذلك تفسير فرأت بن إبراهيم بن فرأت الكوفي أحد رجال الحديث في أواخر القرن الثالث الهجري الذي يعتمد منهجه - كسابقه - على الرواية فقط مع ذكر السند واقتصر فيه على خصوص الآيات التي لها علاقة بالأئمة وأهل البيت، وعلى الرغم من أنه يروي في التفسير عن نيف ومائة من الشيوخ إلا أنه «ليس لأكثرهم ذكر ولا ترجمة في أصولنا الرجالية» (45) ولذلك فلا يمكن الركون إلى تلك الروايات.

وإذن فالمنهج الوحيد المتطور في التفسير إنما هو منهج ابن جرير الطبري، وقد جمع تفسيره المسمى «جامع البيان عن تأويل آي القران» (46) توجيه الأقوال وعرضها... مع الاهتمام باللغة والإعراب غير أنه على أهميته «قد يسوق أخباراً بالأسانيد غير صحيحة ثم لا ينبه على عدم صحتها» (47) وقد يعتذر له عن ذلك بأنه يذكر السند ولا يحتمل - من ثم - مسؤولية عدم الصحة. ولكن هذا العذر - مع معرفتنا ومعرفته بكثرة عدد الوضاعين والكذابين - غير كاف في نفي المسؤولية عنه.

وقد تحدث كولد زيهر عن تفسير الطبري كثيراً وعده «ذروة التفسير بالمأثور... ونقطة البدء وحجر الأساس لأدب التفسير القرآني»، وذكر أن الطبري مع تصويبه المطلق للعلم القائم على الرواية يستخدم حق النقد المعمول به في الإسلام تجاه رجال السند. ولكنه «يتوسع في استخدام المصادر اليهودية الأصل - كعب الأحبار ووهب بن منبه - فيما يتصل بقصص الإسرائيليات... بل أن كتابه أغزر الكنوز بالنصوص المنتشرة في الأوساط الإسلامية من مواد الإسرائيليات كذلك الأساطير النصرانية، يرويها راجعاً إلى وهب بن منبه «ورأيي أن الطبري يحارب في تفسيره كل فكرة ترمي إلى إضعاف مذهب أهل السنة المحافظين ويسوق الجدل مع المتكلمين، ويحارب منهج المعتزلة في التفسير» (48).

وبالنظر إلى أهمية هذه المرحلة التي يمثلها الطبري فلا بد لنا من تلمس منهجه في تفسيره.

قسم الطبري القرآن إلى ثلاثة أقسام:

الأول - «ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ، وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره - واجبه وندبه وإرشاده - ، وصنوف نهيه، ووظائف حقوقه وحدوده، ومبالغ فرائضه ومقادير اللازم... وما أشبه ذلك من أحكام آيه التي لم يدرك علمها إلا ببيان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله ـ بتأويله بنص منه عليه، أو بدلالة قد نصبها دالة أمته على تأويله».

الثاني - «ما لا يعلم تأويله إلا اللّه الواحد القهار، وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة وأوقات آتية كوقت قيام الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى بن مريم وما أشبه ذلك».

الثالث - «ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان الذي نزل به القرآن، وذلك إقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون سواها، فإن ذلك لا يجهله أحد منهم» (49).

وهذا التقسيم هو الأساس الذي أقام الطبري تفسيره عليه وهو مقتبس من المنهج المروي عن ابن عباس.

وأهم هذه الأقسام الثلاثة هو القسم الأول: تفسير النقل والرواية، وهو يعتمد لدى الطبري على بيان رسول اللّه ـ صلى الله عليه وآله ـ وأصحابه وهذا البيان لن يصل إلى الطبري إلا بواسطة الرواة. ولقد سبق منا التعرض لرواة التفسير الأوائل وأشرنا إلى الشكوك والطعون الموجهة إلى أكثرهم كابن أبي طلحة الهاشمي وجويبر والضحاك وابن جريج والعوفي والكلبي وأبي صالح وبشر بن عمار وأسباط بن نصر والسدي وعكرمة ومقاتل وإضرابهم.

والنقل لديه مقدم على كل شيء بل يخشى رد كل نقل وإن ظهر لديه بطلانه، ويقول في هذه الحالة: «أخشى أن يكون غلطاً من المحدث» (50) وفي مقام آخر يناقش مضمون الخبر على ضوء ما لديه من استنتاجات ثم يقول: «لكن الواجب على قياس ما جاء به الخبر» (51). أو يقول : «وهذا مذهب مما يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي ذكرته عن النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ»، ثم يرد أي تفسير لا يلائم النقل - سواءاً كان النقل قوي الإسناد أو ضعيفه - ويقول مثلاً: «وقد زعم بعض من ضعفت بتأويل أهل التأويل وقلت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير... الخ» (52).

أما القصص القرآني فالطبري نقلي فيه أيضاً، ويروي القصص الإسرائيلية كما وردت، ويعتمد وهب بن منبه مصدراً لبيان هذه القصص، بل «يترجح قصص وهب على قصص غيره في بعض الأحيان» (53) ولكنه إذا تضارب النقل واختلف اختلافاً كبيراً فظنه يقف من ذلك موقف الحياد فلا يرجح بعضاً على بعض ويقول: «وذلك أمر لا يدرك علمه من جهة الاستخراج ولا اللغة ولا يدرك علم ذلك إلا بخبر يوجب عنه العلم، ولا خبر عند أهل الإسلام في ذلك. وإذا كان كذلك فغير جائز فيه تصويب قول وتضعيف آخر» (54)، ويعني بقوله: «ولا خبر عند أهل الإسلام» إنه لم يجمع المسلمون على روايته أو لم ينسبوا ما رووه إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ بالذات.

ثم كان القسم الثاني من أقسام القرآن في تفسير الطبري ما هو موكول إلى علم اللّه تعالى.

أما الثالث فهو العلم المعتمد على اللغة والنحو، وقد عني بهذا الجانب في كل مناسبة تقتضيه عناية كبيرة، وتحدث كثيراً عن القراءات واختلافها وعن المعاني اللغوية والاشتقاقية وأقوال النحويين في ذلك ونص في النحو على ذكر أقوال الكوفيين (55) والبصريين (56) وذهب في التفسير اللغوي إلى ضرورة أخد المعنى الذي كانت تعرفه العرب يوم نزول القرآن ويقول: «وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب اللّه الذي أنزله على محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ من الكلام إلى ما كان موجوداً مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجوداً في كلامها» (57).

ومع ذلك كله فإذا اصطدام التفسير اللغوي بالنقل كان النقل مقدماً لديه، ويقول في مناسبة من هذا القبيل: «وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها. لذلك لم يستنجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها» (58).

منهج التبيان

ومن أشهر التفاسير التي ألفها الشيعة: كتاب (التبيان) للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي المتوفى سنة 460 هجري.

وإننا لنعود الآن بعد هذه الجولة السريعة في مناهج التفسير لنتعرف بالخطوط الأساسية للمنهج الذي سار عليه في كتابه الضخم الكبير «التبيان في تفسير القرآن» (59)، ولنعرف - ومن ثم - مدعى تأثره بالمناهج التي سبقته، ومدى ما حفل به منهجه المختار من معالم التجديد والتطوير والإبداع.

وتفسير «التبيان» تفسير قيم من تفاسير المسلمين، وقد تضمن من كنوز العلم والمعرفة ما يجعله إحدى القمم الشامخة بين الكتب المعنية بالقرآن. وليس ذلك غريباً أو محتاجاً للاستدلال ما دام مؤلفه - كما نعرف - علماً من أعلام الدين وشيخاً من شيوخ الإسلام وقيماً من قوام الشريعة وحفظتها الأمناء المخلصين.

ولعلَّ الشيخ أبا علي الفضل بن الحسن الطبرسي المتوفى سنة 538 هجري مؤلف كتاب «مجمع البيان في تفسير القرآن» خير من عرف حق هذا الرجل، وأول من اعترف بفضله وأهمية كتابه، فقال فيه في جملة ما قال:

«إنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق قد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من ألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا تنميقها دون تحقيقها. وهو القدوة استضيء بأنواره وأطأ مواقع آثاره» (60). وقبل الدخول في صلب الحديث عن منهج الطوسي يجدر بنا أن نستعرض النصوص التالية المقتبسة من مقدمة «التبيان» لنستعين بها على وضوح الرؤية وتحديد النتائج.

يقول الطوسي في بيان الأسباب التي حملته على تأليف الكتاب:

«فوجدت من شرع في تفسير القرآن من علماء الأمة، بين مطيل في جميع معانيه واستيعاب ما قيل فيه من فنونه كالطبري وغيره، وبين مقصر اقتصر على ذكر غريبه ومعاني ألفاظه. وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيه منتهم وتركوا ما لا معرفة لهم به، فإن الزجاج والفراء ومن أشبههما من النحويين أفرغوا وسعهم فيما يتعلق بالإعراب والتصريف، ومفضل بن سلمة وغيره استكثروا من علم اللغة واشتقاق الألفاظ، والمتكلمين كأبي علي الجبائي وغيره صرفوا همتهم إلى ما يتعلق بالمعاني الكلامية، ومنهم من أضاف إلى ذلك، الكلام في فنون علمه، فأدخل فيه ما لا يليق به من بسط فروع الفقه واختلاف الفقهاء كالبلخي وغيره. وأصلح من سلك في ذلك مسلكاً جميلاً مقتصداً محمد بن بحر أبو مسلم الأصفهاني وعلي بن عيسى الرماني، فإن كتابيهما أصلح ما صنف في هذا المعنى، غير أنهما أطالا الخطب فيه وأوردا فيه كثيراً مما لا يحتاج إليه».

«وسمعت جماعة من أصحابنا قديماً وحديثاً يرغبون في كتاب مقتصد يجتمع على جميع فنون علم القران، من القراءة والمعاني والإعراب والكلام على التشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه وأنواع المبطلين كالمجبرة والمشبهة والمجسمة وغيرهم، وذكر ما يختص به أصحابنا من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في أصول الديانات وفروعها» (61).

ويقول بعد ذلك:

«إن معاني القرآن على أربعة أقسام:

أحدها - ما اختص اللّه تعالى بالعلم به، فلا يجوز لأحد تكلفة القول فيه ولا تعاطي معرفته وذلك مثل قوله تعالى: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي)... الخ.

وثانيها - ما كان ظاهره مطابقاً معناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها عرف معناها مثل قوله تعالى: ( ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق) ومثل قوله تعالى: (قل هو اللّه أحد...) الخ.

وثالثها- ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلاً، مثل قوله تعالى: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ومثل قوله: (وللّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) وقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده) وقوله: (وفي أموالهم حق معلوم) وما أشبه ذلك. فإن تفصيل اعداد الصلاة وعدد ركعاتها وتفصيل مناسك الحج وشروطه ومقادير النصاب في الزكاة، لا يمكن استخراجه إلا ببيان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ... الخ.

ورابعاً - ما كان اللفظ مشتركاً بين معنيين فما زاد عنهما ويمكن أن يكون كل واحد منهما مراداً، فإنه لا ينبغي أن يقدم أحد به فيقول: إن مراد اللّه بعض ما يحتمل، إلا بقول نبي أو إمام معصوم، بل ينبغي أن يقول: إن الظاهر يحتمل الأمور، وكل واحد يجوز أن يكون مراداً على التفصيل، واللّه أعلم بما أراد.

ومتى كان اللفظ مشتركاً بين شيئين أو ما زاد عليهما، ودل الدليل على إنه لا يجوز أن يريد إلا وجهاً واحداً جاز أن يقال: إنه هو المراد» (62).

ثم يقول في توضيح منهجه:

«ولا ينبغي لأحد أن ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد تفصيلاً أو يقلد أحداً من المفسرين، إلا أن يكون التأويل مجمعاً عليه، فيجب اتباعه لمكان الإجماع لأن من المفسرين من حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم. ومنهم من ذمت مذاهبه كأبي صالح والسدي والكلبي وغيرهم، هذا في الطبقة الأولى. وأما المتأخرون فكل واحد منهم نصر مذهبه وتأول على ما يطابق أصله، ولا يجوز لأحد أن يقلد أحداً منهم، بل ينبغي أن يرجع إلى الأدلة الصحيحة أما العقلية أو الشرعية، من إجماع عليه، أو نقل متواتر به عمن يجب اتباع قوله. ولا يقبل في ذلك خبر واحد، خاصة إذا كان مما طريقه العلم».

«ومتى كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللغة، فلا يقبل من الشاهد إلا ما كان معلوماً بين أهل اللغة شائعاً بينهم. وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة والألفاظ النادرة فإنه لا يقطع بذلك ولا يجعل شاهداً على كتاب اللّه، وينبغي أن يتوقف فيه ويذكر ما يحتمله ولا يقطع على المراد منه بعينه، فإنه متى قطع بالمراد كان مخطئاً وإن أصاب الحق» (63).

ويقول عندما يستشهد بالشعر على شرح مفردات القرآن وأسلوبه:

«ولولا عناد الملحدين وتعجرفهم لما احتيج إلى الاحتجاج بالشعر وغيره للشيء المشتبه به في القرآن، لأن غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي، أو لفظ منقول عن بعض الأعراب، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية. ولا تكون منزلة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ - وحاشاه من ذلك - أقل من منزلة واحد من هؤلاء ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي وكعب بن زهير وغيره. ومن طرائف الأمور أن المخالف إذا أورد عليه من شعر من ذكرناه ومن هو دونهم سكنت نفسه واطمأن قلبه. وهو لا يرضى بقول محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب، ومهما شك الناس في نبوته فلا مرية في نسبه وفصاحته، فإنه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة ويرجع إليهم في معرفة اللغة. ولو كان المشركون من قريش وغيرهم وجدوا متعلقاً عليه في اللحن والغلط والمناقضة لتعلقوا به وجعلوه حجة وذريعة إلى إطفاء نوره وإبطال أمره واستغنوا بذلك عن تكلف ما تكلفوه من المشاق في بذل النفوس والأموال... وكيف يجوز أن يحتج بشعر الشعراء عليه ولا يجوز أن يحتج بقوله عليهم وهل هذا إلا عناد محض وعصبية صرف؟»(64).

إن استعراض النصوص السالفة يوضح لنا الأسس الرئيسية لمنهج الطوسي في التفسير، ويحدد بجلاء معالم ذلك المنهج وخطوطه العريضة (65).

ويأتي في مقدمة تلك المعالم والخطوط قيام هذا المنهج على «الأدلة الصحيحة: أما العقلية أو الشرعية» دون الاتباع المطلق والتقليد الأعمى للمفسرين السابقين: وتبرز الأدلة العقلية هنا لأول مرة لتحتل مكانها الطبيعي الأصيل، بعد أن كان النقل في مناهج المفسرين هو الدليل الأوحد، وليس من دليل غيره.

وعلى الرغم من الدور الكبير الذي يلعبه النقل في هذا الكتاب فإنه يعني النقل القائم على النقد والمحاكمة والترجيح، ولذلك اشترط في قبوله قيام إجماع عليه أو إنه « نقل متواتر به عمن يجب اتباع قوله، لا يقبل في ذلك خبر واحد» لأن في المفسرين «من ذمت مذاهبه كأبي صالح والسدي والكلبي وغيرهم». ولذلك لا بد للنقل المعتبر في منهح الطوسي أن يدعمه الإجماع والتواتر بشروطهما المقررة.

وحتى ذلك البعض من رواة التفسير ممن «حمدت طرائقه ومدحت مذاهبه كابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم» لم يتلق الطوسي سائر ما روي عنهم بالقبول ولم يجد ما يبرر الانسياق مع سائر مروياتهم على كل حال.

وانطلاقاً من هذه الأسس رفض الطوسي كثيراً من روايات الطبقة الأولى من المفسرين، وأبان جوانب الخطأ والضعف فيها، وكان من جملة أولئك الذين أبان خطأهم ورفض بعضاً من رواياتهم: مجاهد (66) وابن جريج (67) وعكرمة (68) والسدي (69) وعشاء (70) وابن كيسان (71) والحسن (72) وابن إسحاق (73). ووقف من نقول ابن عباس موقف التردد في بعض الأحيان (74) كما رفض في أحيان أخرى بعض الآراء على الرغم من ورود روايات «كثيرة من جهة الخاصة والعامة» فيها، لأن «طريقها الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً والأولى الإعراض عنها» (75).

وإذا كان موقف الطوسي من أقوال الطبقة الأولى على هذا النحو من الدقة والحزم والموضوعية فإن موقفه من أقوال المفسرين المتأخرين ممن تلا الطبقة الأولى كان كذلك بل أكثر من ذلك، لأن «كل واحد منهم نصر مذهبه، وتأول على ما يطابق أصله، ولا يجوز لأحد أن يقلد أحداً منهم» ولذلك نجده يرفض من آرائهم ما يستأهل الرفض ويناقش في أقوالهم ما اقتضى الأمر المناقشة، كما فعل مع الطبري(76) والجبائي(77) والبلخي(78) والرماني (79).

وهكذا يصبح للنقل لدى الطوسي حدود ثابتة قائمة على الإجماع أو التواتر، دون ما كان طريقه الآحاد، ودون الشعور بضرورة السير وراء نقول التفسير في كل الفروض.

وهذا الجانب أحد جوانب التطوير الرئيسية في منهج الطوسي.

أما العقل فكان له هو الآخر دور كبير أيضاً في هذا المنهج وقد اعتمد عليه الطوسي - كل الاعتماد - في شرح معاني القرآن وأهدافه وفي الرد على مقالات الفرق والمذاهب المخالفة لوجهة نظره، وفي الدفاع عن طائفته الشيعية.

ودحض ما أورد عليهم من شبهات ونقود(80). ولم يكن يستطيع - لولا هذا الاستناد الكبير على العقل - أن يقوم بهذه المهمة على هذا النحو من الشمول والعمق والبرهنة السليمة الموفقة. وحسبنا أن نراجع النماذج التالية من ردوده ليتجلى لنا دور العقل في هذا المنهج على حقيقته الناصعة وواقعه المشرق.

الرد على أهل الوعيدية (7 / 448). الرد على التناسخية (4 / 129). الرد على الحشوية (7 / 243). الرد على الخوارج (19 / 366). الرد على الغلاة (5 / 93). الرد على المجبرة (1 / 30). الرد على المرجئة (7 / 449). الرد على المشبهة (4 / 113). الرد على المعتزلة (2 / 418). الرد على المفوضة (2 / 216).

ولعل أبرز ما يثير الإعجاب والتقدير ويوضح ما أشرنا من هيمنة العقل على منهج الطوسي أن نقرأ تصريح الشيخ - وهو في قرنه الخامس الهجري - بعدم رفضه لفكرة كروية الأرض، وفي ذلك يقول :

« واستدل أبو علي الجبائي بهذه الآية -(81) البقرة - على أن الأرض بسيطة ليست كرة كما يقول المنجمون والبلخي، بأن قال : جعلها فراشاً، والفراش : البساط بسط اللّه تعالى إياها، والكرة لا تكون مبسوطة.

قال - أي الجبائي - : والعقل يدل أيضاً على بطلان قولهم، لأن الأرض لا يجوز أن تكون كروية مع كون البحار فيها، لأن الماء لا يستقر إلا فيما له جنبان متساويان... فلو كانت له ناحية في البحر مستعلية على الناحية الأخرى لصار الماء من الناحية المرتفعة إلى الناحية المنخفضة».

ثم يقول الشيخ معلقاً على ذلك :

«وهذا لا يدل على ما قاله، لأن قول من قال : الأرض كروية، معناه أن لجميعها شكل الكرة»(82).

ومن الشواهد البارزة على دور العقل في هذا المنهج عدم استبعاد الطوسي لفكرة كون السحاب ناشئاً من بخار الأرض، وفي ذلك يقول :

«فإن قيل : هل السحاب بخارات تصعد من الأرض؟ قلنا : ذلك جائز لا يقطع به، ولا مانع أيضاً من صحته من دليل عقل ولا سمع»(83).

ومن تلك الشواهد أيضاً رفضه لفكرة كون السماوات غير الأفلاك، وفي هذا الصدد يقول:

قال الرماني : السماوات غير الأفلاك، لأن الأفلاك تتحرك وتدور وأما السماوات فلا تتحرك ولا تدور لقوله تعالى : «إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا» وهذا ليس بصحيح لأنه لا يمتنع أن تكون السماوات هي الأفلاك وإن كانت متحركة، لأن قوله : (يمسك السماوات والأرض أن تزولا) معناه لا تزول عن مراكزها التي تدور عليها»(84).

وهذا السلوك العقلي بهذا العمق والتجرد والانفتاح جانب آخر من جوانب التطوير الأساسية في منهج الطوسي.

ثم يأتي بعد ذلك دور الجانب الثالث من جوانب المنهج، وهو جانب اللغة والنحو والاشتقاق وما يرتبط به من بحث القراءات المختلفة وترجيح بعضها على بعض، ولذلك كله ميدان واسع في تفسير الطوسي وقد رجع الشيخ إلى آراء الأعلام البارزين في هذه الصناعات، واطلع على مؤلفاتهم المعنية بالقرآن، وسرد أقوالهم بالتفصيل.

وكان من جملة من رجع إليه في شؤون اللغة والاشتقاق والنحو : سيبويه. الخليل صاحب كتاب العين - ولم يسمه -. أبو عمرو. الكسائي. قطرب. الفراء. الأخفش. أبو زيد. أبو عبيدة. الأصمعي. ثعلب. ابن الأعرابي. المبرد. الزجاج. ابن دريد. الأزهري. أبو علي الفارسي وأضرابهم.

ولكن الطوسي إذ يروي عن هؤلاء آراءهم في الاشتقاق والنحو واللغة فإنه لا يلتزم بها إلا بعد غربلة وتمحيص وقد يرد بعضها لرجحان رأي آخر كما فعل مع الكسائي(85) والفراء(86) وأبي عبيدة(87).

ورجع في القراءات إلى كل القراء المشهورين أمثال :

عاصم. الكسائي. خلف. حمزة. يعقوب. الأعمش. نافع. حفص. واضرابهم.

ولكنه لم يذعن لكل قول قالوه، بل اختار ما رجح لديه الأخذ به ورفض ما سواه، كما فعل مع اُبي(88) وعبد الله(89) وابن إسحاق(90).

وبعد :

فهذه لمحات خاطفة عنيت بتسجيل الجوانب الأساسية لمنهج الشيخ الطوسي في تفسيره، مقارناً بالمنهج الذي سار عليه المفسرون القدامى وفي مقدمتهم الطبري صاحب المدرسة المعروفة في هذا الفن. وقد اتضح من خلالها أن الطوسي قد تأثر بمنهج الطبري واستفاد من تفسيره، بدون تقليد أعمى وبلا تبعية ببغائية. وبذلك كان هذا التأثر علمياً قائماً على الموضوعية والسعي وراء الحقيقة.

واستطاع الطوسي بعلمه وعمقه - وعلى الرغم من هذا التأثر - أن يقوم بعملية تطوير واضحة المعالم في المنهج الذي اختطه لكتابه، حيث أقام التفسير على دعامتي العقل والنقل بعد أن كان قائماً على دعامة النقل وحده كما مر.

وكان استعماله للعقل مثيراً للإعجاب إلى أبعد الحدود حيث استطاع أن يتخلص من كل الرواسب الذهنية التي كان يعالج بها عصره ويتجرد من كل أسباب العبودية للأفكار السائدة يومذاك مما كان الخروج عليها ضرباً من الزندقة والمروق عن الدين.

ولا ادعي - وأنا أختم هذا الحديث - إني قد استوعبت الموضوع دراسة وبحثاً واستقصاء فذلك ما يحتاج إلى كتاب ضخم ومجال كبير وحسبي من كل جهدي أن أسلط بعض الضوء على منهج الطوسي في التفسير وان يحالفني بعض التوفيق في هذا المجال.

__________________________

(1) البيان للخوئي - 1 / 278.

(2) التبيان للطوسي - 1 / 3.

(3) كشف الظنون - 1 / 427.

(4) لسان العرب 5 / 55.

(5) مناهل العرفان - 486.

(6) الاتقان - 2 / 321.

(7) مجمع البيان - 13.

(8) الاتقان - 2 / 322.

(9) مناهل العرفان - 484.

(10) مباحث في علوم القرآن - 290.

(11) الاتقان - 2 / 321.

(12) نفس المصدر - 2 / 322.

(13) الاتقان - 2 / 321.

(14) نفس المصدر - 2 / 322.

(15) تفسير الطبري - 1 / 40.

(16) الاتقان - 2 / 321.

(17) نفس المصدر - 2 / 321.

(18) نفس المصدر - 2 / 322.

(19) نفس المصدر - 2 / 322.

(20) تفسير الطبري - 1 / 40.

(21) دائرة المعارف الإسلامية الترجمة العربية - 5، 351 - تعليق أمين الخولي.

(22) الاتقان - 2 / 322.

(23) نفس المصدر - 2 / 321.

(24) نفس المصدر - 2 / 322.

(25) دائرة المعارف الإسلامية - 5 / 350 - تعليق أمين الخولي-.

(26) نفس المصدر - 5 / 350.

(27) تفسير الطبري - 1 / 41.

(28) معجم الأدباء - 12 / 184.

(29) نفس المصدر - 12 / 184.

(30) المصدر السابق - 12 / 190.

(31) الطبقات - 5 / 214.

(32) نفس المصدر - 5 / 100.

(33) معجم الأدباء - 12 / 189.

(34) دائرة المعارف الإسلامية - 15 / 251 تعليق أمين الخولي - ويراجع كشف الظنون - 1 / 429.

(35) نفس المصدر - 5 / 351.

(36) مقدمة ابن خلدون - 368.

(37) الفهرست - 50 .

(38) مذاهب التفسير الإسلامي - 89.

(39) تاريخ التمدن الإسلامي - 3 / 64.

(40) الفهرست - 51 .

(41) الاتقان - 2 / 323 .

(42) الاتقان - 2 / 324- 325 .

(43) يراجع الفهرست - 50 / 57 والذريعة - 4 / 213 وما بعدها.

(44) الذريعة - 4، 302 - 303 . وقد طبع هذا التفسير على الحجر بإيران.

(45) الذريعة - 4 / 289 . وقد طبع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف (بدون تاريخ).

(46) الاتقان - 2 / 324 .

(47) مناهل العرفان - 497 .

(48) مذاهب التفسير الإسلامي - 107 - 117 .

(49) تفسير الطبري - 1 / 33 .

(50) نفس المصدر - 1 / 53 .

(51) نفس المصدر - 1 / 54 .

(52) نفس المصدر - 1 / 58 .

(53) نفس المصدر - 2 / 610 .

(54) نفس المصدر - 2 / 615 .

(55) تفسير الطبري - 1 / 420 .

(56) نفس المصدر - 1 / 366 و 396 .

(57) نفس المصدر - 2 / 14 .

(58) نفس المصدر - 1 / 365 .

(59) ألف الشيخ الطوسي تفسير «التبيان» أيام سكناه في بغداد، ويظهر من ترجمته في مقدمة كتابه (1 / 3) على أستاذه الشريف المرتضى علي بن الحسين أته قد ألف التفسير فيما بين عامي 346-348 هجري. على وجه التحديد. ويأتي بحث مستقل بعنوان «التبيان». يراجع في مكانه.

(60) مجمع البيان - 1 / 10 .

(61) التبيان - 1 ، 2 .

(62) التبيان - 1 / 5 - 6.

(63) التبيان - 1 / 6 - 7.

(64) التبيان - 1 / 16 .

(65) التبيان - 1 / 16 .

(66) التبيان - 3 / 519 .

(67) التبيان - 1 / 104 - 105 .

(68) التبيان - 8 / 240 .

(69) التبيان - 1 / 354 .

(70) التبيان - 1 / 29 .

(71) التبيان - 1 / 27 .

(72) التبيان - 6 / 489 .

(73) التباين - 1 / 435 .

(74) التبيان - 1 / 60 و230.

(75) التبيان - 11 / 3.

(76) التبيان - 1 / 60 و223 و416 و448 ومواضع أخرى من الكتاب.

(77) التبيان - 1 / 102 ومواضع أخرى.

(78) التبيان - 1 / 13 - 14 و255 ومواضع أخرى.

(79) التبيان - 1 / 125 و151 - 153 و393 ومواضع أخرى.

(80) التبيان - 1 / 13 - 14 و225 و2 / 292 و418 و5 / 48 ومواضع أخرى.

(81) لقد تعرض الطوسي للرد على هذه الفرق والمذاهب في كل أجزاء الكتاب، واكتفينا هنا بالتنبيه على هذه المواضع لغرض التمثيل والإشارة.

(82) التبيان - 1 / 102 - 103.

(83) التبيان - 2 / 58.

(84) التبيان - 1 / 125.

(85) التبيان - 1 / 140.

(86) التبيان - 1 / 104 و229.

(87) التبيان - 1 / 128 - 129.

(88) التبيان - 1 / 140.

(89) التبيان - 1 / 437.

(90) التبيان - 1 / 435.