كنز العرفان في فقه القرآن

آية الله الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني


بسم الله الرحمن الرحيم

اتفق المسلمون على أن الكتاب والسنّة هما الدعامتان والحجّتان على الناس في الفقه وفي غيره ممّا يحتاج إليه العباد في حقل الشريعة والعقيدة. والكتاب موضع اتفاق في نصّه وإن اختلفوا في بيانه وتفسيره، وأمّا السنّة - والمراد بها سنّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) - فمع اتفاقهم على اعتبارها اختلفوا في الطريق إليها وفي تفسيرها وتخريج نصّها، فالجمهور من فقهاء المسلمين يأخذونها عن طريق الصحابة إذا صحَّت أسانيدها عندهم، وأتباع أهل البيت(عليه السلام) يأخذونها في الأغلب عن أئمة أهل البيت وعن غيرهم إذا صحَّت أسانيدها عندهم.

   والجدير بالاهتمام اشتراك ما بلغنا عن هذين الطريقين لفظاً أو معنىً بما يقارب خمساً وثمانين في المائة في أصول الأحكام دون الفروع المستنبطة منها، وأمّا الأخلاق والآداب فكادت أن تكون موافقة مائة بالمائة لبعضها.

   ولا ريب أن الكتاب هو الدّعامة الاُولى والثقل الأكبر، وهو كالأصل للسنّة، فهي بيان له. وشطر من آيات الكتاب حكَم وآداب أخلاقية تعالج الخصال النفسية، ومنها أحكام عملية تعالج أعمال المكلَّفين على صعيد العبادات، والمكاسب، والمناكح، والمواريث، والسياسات، والأحكام، والقضاء وغيرها، ويُقال لها الأحكام الفقهيّة، ويعبّر عن آياتها بـ «آيات الأحكام».

   وكانت هذه الآيات موضع اهتمام الفقهاء، حيث خصُّوها بالبيان والتفسير في مؤلفاتهم، علاوة على التصدّي لها طيّ التفاسير المطوّلة: كتفسير الطبري (م 310هـ) والطوسي (م 460هـ) والطبرسي (م 548هـ) والرازي (م 606هـ) والقُرطبي (م 671هـ) وأخيراً «المنار» للسيّد رشيد رضا وغيرها.

   والكتب الخاصة بآيات الأحكام تارة يعبّر عنها بهذا التعبير، وأخرى «أحكام القرآن» وبينهما فرق، والنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق، فأحكام القرآن تعني في الأغلب بيان حكم يتعلّق بالآيات سواء ما استفيد منها أو استفيد من غيرها ولكن تعلّق بها، وقد يعدّ حكماً فقهيّاً وقد لا يعدّ، فمثلا يبحث في باب أحكام القرآن (بسم اللّه الرحمن الرحيم) أنّها آية من كلّ سورة، أو في سورة الحمد فقط، أو ليست جزء منها وإنّما هي مجرد فصل بين السورتين، مع الاعتراف بكونها جزء من آية (30) من سورة النمل: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذا ليس حكماً فقهيّاً، وإنّما يترتّب عليه أحكام فقهية لا تُستفاد من نفس الآية، مثل أنـّه هل تجب قراءتها في الصلاة في سورة الحمد أو في غيرها من السور أو لا تجب، وهل يجب الجهر بها أو لا يجب إلى غير ذلك من الأحكام.

   وأمّا «آيات الأحكام» فلا تشمل سوى الآيات التي تحمل في طيّها حكماً فقهيّاً دون غيرها ممّا تعلّق بها حكم، ويبدو أن هذين التعبيرين: «أحكام القرآن» و«آيات الأحكام» غلب كل منهما على فريق من المسلمين.

   فأحكام القرآن مصطلح شائع عند أهل السنّة، وآيات الأحكام شائع عند الشيعة الإمامية. فقد ذكر الحاج خليفة في كشف الظنون عدّة كتب(1) - وعمدة مافيه لأهل السنّة - تحت عنوان «أحكام القرآن» ليس فيها «آيات الأحكام». وقد طالعت في مقدمة كتاب أحكام القرآن لابن العربي فوجدت أن الكاتب سرد المؤلفات التالية:

   1- أحكام القرآن للإمام محمد بن إدريس الشافعي (150 - 204هـ)، وسنخصه بالبحث.

   2- أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن علي الجصّاص الرازي إمام الحنفية في بغداد (م 370هـ).

   3- أحكام القرآن للكيا الهراسي الشافعي المتوفى (م 504هـ).

   4- أحكام القرآن للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله الحافظ المالكي المعروف بابن العربي    (486-543)، وهو رفيق الغزالي في الطّلب(2).

   وقال كاتب المقدمة: يعتبر هذا الكتاب مرجعاً مهماً للتفسير الفقهي عند المالكية، بل عند كافة المذاهب.

   5- أحكام القرآن لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (384-458هـ) وسنتداوله بالبحث.

   6- الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي القرطبي (م 671هـ) ولا ريب أنّه تفسير كبير للقرآن كلّه، اهتم كثيراً بآيات الأحكام، واستوفى ما يستفاد منها، ربما تبلغ في آية واحدة عشرين حكماً أو أكثر، وفي نفس الوقت هذا الكتاب أوسع التفاسير من ناحية الأبحاث اللغوية.

   7- كنز العرفان، وهو هذا الكتاب، وسنخصه بالبحث، وهو من كتب الإمامية.

   8- الثمرات اليانعة والأحكام الواضحة الناطقة ليوسف بن أحمد الثلاثي الرازي اليمني (م 832هـ) ويبدو أنه من علماء الزيدية.

   9- وجاء في كشف الظنون (3) إحكام الرأي في أحكام الآي للشيخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن ابن الصائغ الحنبلي المعروف بابن أبي الفرس (م 776هـ) كما زاد في مقدمة كتاب أحكام القرآن للبيهقي، على ماتقدم من المؤلفات الكتب التالية:

   10- أحكام القرآن لعلي بن موسى بن يزداد القمي الحنفي (م305هـ).

   11- أحكام القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي الحنفي (م 321هـ).

   12- التفسيرات الأحمدية لملاّجيون الهندي.

   13- أحكام القرآن لإسماعيل القاضي كبير المالكية بالبصرة، قال: ويتعقبه الجصّاص.

   14- مختصر أحكام القرآن لإسماعيل القاضي، تأليف بكر بن محمد بن 1لعلاء القشيري المالكي (م 344هـ).

   15- أحكام القرآن لابن بكير.

   16- مختصر أحكام القرآن لجمال الدين ابن السّراج محمود بن أحمد القونويّ الحنفي (م770هـ).

   وقد اختلفوا في أول من صنّف في هذا الفن، فجاء في كشف الظنون وغيره: أنّ الشافعي أوّل من صنّف في هذا الفن. وقد حكى في الذريعة(4) عن ابن النديم - كما يأتي - أنّ أول من ألـّف فيه هو محمد بن السائب الكلبي (م 146هـ).

   ويتبين من كلام البيهقي في كتابه أحكام القرآن(5) أنـّه جمعه من كتب الشافعي، ولم يكن للشافعي كتاب مفرد في ذلك، إذ قال: «... فرأيت مَن دلّت الدلالة على صحة قوله - أبا عبد الله، محمد بن إدريس الشافعي المطّلبي ابن عم النبيّ (صلى الله عليه وآله) - قد أتى على بيان مايجب علينا معرفته من أحكام القرآن، وكان ذلك مفرَّقاً في كتبه المصنّفه في الأصول والأحكام، فميّزته وجمعته في هذه الأجزاء على ترتيب المختصر...». والبيهقي يذكر في كل مسألة كلام الشافعي في الاستدلال عليها بآية من القرآن.

   والحقّ أنـّه من قسم آيات الأحكام حيث لايوجد فيه شيء ممّا جاء في كتب أحكام القرآن ممّا تعلق بالآيات. وقدّم المؤلف ما يتعلّق بأصول الفقه بدءً بوجوب تعلّم أحكام القرآن، ثم العموم والخصوص، ثم حجيّة السنّة، ثم حجيّة خبر الواحد، ثم النسخ، ثم إبطال الأخذ بالاستحسان، ثم أورد آيات متفرقة وفيها حجيّة الإجماع. وبعد ذلك شرع في الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج، ثم البيوع والمعاملات والفيء والغنيمة والصدقات إلى آخر المجلّد الأول، وبدأ المجلّد الثاني بالسير والجهاد ثم غيرهما من أبواب الفقه.

   هذا ما أمكن الوقوف عليه من كتب أحكام القرآن وهي أهمها عند أهل السنّة، وربّما كُتب غيرها ممّا لم نقف عليه. كما صدرت في السنين الأخيرة كتب منها: كتاب «روائع البيان، تفيسر آيات الأحكام من القرآن» لمحمد علي الصابوني أستاذ كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بمكة المكرمة في مجلدين يحتوي على ثلاثين محاضرة انتهج المؤلف فيها منهجاً جديداً، فهو لم يكن مرتباً حسب ترتيب السور كما هو الغالب في كتب أحكام القرآن، ولا حسب أبواب الفقه كما هو في كتاب كنز العرفان وغيره من كتب آيات الأحكام، بل اشتمل على مواضيع فقهيّة متفرقة تعرّض المحاضر فيها لجملة من الآيات يفسرها لغوياً وبلاغياً; ثم يخرج منها بمادلت عليها من الأحكام، فهو معدود في عداد كتب آيات الأحكام أيضاً دون أحكام القرآن. هذه جولة عاجلة في كتب أحكام القرآن.

من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) (م146هـ)، وهو والد هشام الكلبي النسّابة الشهير - وهو هشام بن محمد أبي النضر بن السائب بن بشر الكلبي أبو المنذر (م204هـ)»(6) ثم حكى عن ابن النديم قوله: «أنـّه أول من صنّف في هذا الفن». لا الإمام الشافعي (م 204هـ) كما صرّح به في كشف الظنون، ولا القاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف البياتي القرطبي الأندلسي الاخباري اللغوي (م 340هـ)، ولم يذكره صاحب كشف الظنون ولا غيره في جملة مؤلفي أحكام القرآن - إلى أن قال - ثم إن جمعاً من أصحابنا تابعوا الكلبي في إفراد آيات الأحكام... فذكر (29) كتاباً في آيات الأحكام للشيعة الإمامية، وفي جملة ماذكر، هذا الكتاب القيّم الذي نقدّمه بين يدي الباحث الكريم وهو: «كنز العرفان في فقه القرآن» للشيخ الأجل جمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري (م عام 826هـ). أي بعد مائة عام مضت على رحيل العلامة الحلّي المتوفى 726 هـ وقد نُشرت بحمد الله جملة من هذه الكتب بعضها سابق على كنز العرفان وكثير منها متأخر عنه. ومن جملتها كتاب لم نقف عليه كان موضع اهتمام صاحب كنز العرفان باسم «النهاية في تفسير خمسمائة آية» للشيخ فخر الدين، أحمد بن عبد الله بن سعيد بن المتوّج البحراني، وهو الذي يذكره مؤلفنا في مواضع من كتابه بعنوان «المعاصر» حاكياً بعض آرائه ويضعها موضع المناقشة. ومن عجيب أمر هذا الرجل أنـّه وُجد سمِيٌّ له يشاركه في النسب وفي المؤلفات حتّى ظُنّ أنهما شخص واحد، وقد أوردهما العلامة العاملي في أعيان الشيعة في عداد من سمّي بأحمد فلاحظ(7).

   والذي يلفت النظر أنّ صاحب الذريعة لم يذكر كتاباً باسم أحكام القرآن سوى ماقاله في موضع من كتابه بشأن كتاب الكلبي، وذكره تارة باسم آيات الأحكام، وأخرى باسم أحكام القرآن كما   تقدم (8).

   وأما هذا الكتاب فقد قال مؤلفه بشأن كتابه: «.. وقد اعتنى العلماء بالبحث عنها أي «آيات الأحكام» واستخراج السرّ الدفين منها، لكني لم أظفر بكتاب في تنقيح تلك الآيات بما يبرد الغليل ويشفي العليل، ويحتوي على جملة ما يبغيه الراغب، ويستطرفه الطالب، بل إمّا مُسهبٌ بذكر الأقاويل والأخبار، أو مقصّر قد ملَّل بالايجاز والاختصار، فحداني ذلك على وضع كتاب يشتمل على فوائد قد خلا عنها أكثر التفاسير، وفرائد لم يعثر عليها إلاّ كل نحرير، وضممت إلى ذلك فروعاً فقهيّة تقتضيها نصوص تلك الآيات، أو ظهورها...».

   والذي تميّز به هذا الكتاب وكثير من كتب آيات الأحكام - الفارق بينهما وبين كتب أحكام القرآن المرتبة غالباً حسب ترتيب السور، إلاّ ما شذَّ كما قلنا في أحكام القرآن للبيهقي - أنـّه مرتّب بحسب أبواب الفقه بدءً بكتاب الطهارة وختاماً بكتاب الجنايات والقصاص، كما أنـّه خاص بالآيات التي تستخرج منها الأحكام دون ما تعلّق بها حكم من الآيات.

   كما امتاز إضافة إلى ماتقدّم بحسن التنظيم لآيات كل باب حيث يقسّمها على أنواع ويذكر تحت كل نوع مافيه من الآيات.

   ولو جاز أن نؤاخذ مؤلفه بشيء في هذا النظم البديع فيمكن أن نقول أولاً: بأنـّه غفل عن آيات تدل على مسائل أصول الفقه، وقد لاحظها البيهقي كما تقدم، فان الفقيه يحتاج إليها في مسائل الفقه.

   وثانياً: إنّه كان ينبغي مراعاة ترتيب النزول في آيات كل باب حتّى يعلم سرّ التشريع وسير التقنين في الفقه القرآنيّ، وحتّى يُعرف الناسخ من المنسوخ كما شاع التعبير عنهما عند كثير من المفسرين، أو تكامل التشريع القرآنيّ كما عبّر عنه الدكتور محمد البهيّ المصري في كتاب له في هذا الشأن.

   ومن مميزات هذا الكتاب أيضاً هو ذكر آراء المذاهب الفقهية الأُخرى، الأمر الذي يجب الالتفات إليه لمن أراد استفراغ الوسع في استنباط الأحكام، وهو أمر تقريبي دعانا لتجديد طبع هذا الكتاب ونشره مع تخريج تلك الآراء من مداركها.

 

عدد آيات الأحكام

   أمّا عدد آيات الأحكام التي كانت موضع اهتمام الفقهاء قديماً وحديثاً، فمعروف بينهم وبين الأوساط العلميّة أنها خمسمائة آية، فقد جاء في كشف الظنون بشأن أحكام القرآن لابن العربي: «وهو تفسير خمسمائة آية متعلقة بأحكام المكلّفين»(9) ولعلّ مراده أن عدد الآيات التي يمكن أن تستخرج منها أحكام في هذا الكتاب تبلغ هذا العدد، وإلاّ فما بُحث حولها من الآيات أكثر من ذلك، فإنه ككثير غيره من كتب أحكام القرآن حسب ما سبق ممّا يعمّ الأحكام المتعلّقة بكل آية، وهي أكثر من خمسمائة آية، والتي جاءت في كتاب البيهقي في الآيات أقل من ذلك، وأول ما وقفنا عليه من العدد خمسمائة آية هو كتاب «النهاية في خمسمائة آية» التي أومأنا إليها.

   ولعل أضبط وأثبت شيء في هذا الشأن ماجاء في كنز العرفان، وقد أحصيت مافيها إحصاءً عاجلاً فبلغت (420) آية، فإذا أضيفت إليها آيات كثيرة مرغبة لإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوها، كادت أن تبلغ الخمسمائة آية. أمّا عدد آيات العبادات فهي (155) آية كالتالي:

   الطهارة: 12، الصلاة 62، الصوم 5، الزكاة 15، الخمس والأنفال 4، الحج 23، الجهاد 33، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 3.

   وعدد آيات المكاسب والعقود والإيقاعات وما يلحق بها (265) آية كالتالي: المكاسب 6، البيع 10، الدَّين 6، الرهن 1، الضمان 2، الصلح 6، الإجارة 2، الشركة3، المضاربة 3، الإبضاع 3، الإيداع 3، العارية 2، السبق والرماية 3، الشفعة 3، اللقطة 4، الغصب 4، الإقرار 6، الوصية 13، العتق 2، النكاح 39، الطلاق وما يلحق بها 22، العطايا 3، النذر 2، العهد 3، اليمين 3.

   وعدد آيات الأحكام 60 آية: المطاعم والمشارب 16، المواريث 9، الحدود 10، القصاص والجنايات 10، القضاء والشهادات 15.

   وبالنظر إلى هذه الأرقام يتّضح أنّ عدد آيات غير العبادات كادت أن تبلغ ضعف عدد آيات العبادات.

 

 الهوامش

1- كشف الظنون 1/18 و 20

2- مقدمة احكام القرآن للبيهقي /22

3- كشف الظنون 1/18 و 20

4- الذريعة الى تصانيف الشيعة 1/30

5- احكام القرآن 1/ 29

6- الذريعة الى تصانيف الشيعة 1/40 فما بعدها

7- المصدر السابق 1/300

8-  المصدر السابق 1/300

9- اعيان الشيعة 3/10

10- الذريعة الى تصانيف الشيعة 1/300

11- كشف الظنون 1/20