الامام الشيخ محمود شلتوت
المدرسة الفكرية ـ المسيرة العلمية ـ
الاجتهاد والتجديد(1/2)

الدكتور محمد عمارة / القاهرة


بسم الله الرحمن الرحيم

   محمود شلتوت شيخ الأزهر السابق يتميّز بمدرسة فكرية خاصة تقوم على أساس الإحياء والتجديد، ورفض الجمود والتقليد، والإصلاح الإسلامي، بمعزل عن النموذج الحضاري الغربي العلماني. كما تتميّز مدرسته بالوسطية الاسلامية القائمة على أساس الفطرة، وبالعقلانية المؤمنة التي آخت بين العقل والنقل وبين الحكمة والشريعة. كما تتميّز بالوعي بسنن اللّه في الكون والمجتمع وبإيمانه أن الدولة الاسلامية مدنية - إسلامية لا كهنوتيّة ولا علمانية. ومدرسته أيضاً تقوم على الشورى وعلى أساس العدالة الاجتماعية وإنصاف المرأة. وهذه الدراسة في هذا القسم توضح هذه المعالم إضافة الى ترجمة الإمام شلتوت باختصار .

1- المدرسة الفكرية: مدرسة الإحياء والتجديد

   لأن كل إنسان في هذه الحياة هو ثمرة طيبة لمرب فاضل، أو ثمرة مرة لمدرس فاشل وهو ثمرة جيدة لفكر متجدد، أو ثمرة رديئة لفكر الجمود والتقليد.. لذلك، كانت المدرسة الفكرية التي ينشأ في إطارها وظلالها العالم والمفكر والمثقف هي مفتاح دراسة موقعه وموقفه وما أثمرت حياته الفكرية من سماته وقسمات وإنجازات.

 ولقد كان المرحوم الإمام الاكبر الشيخ / محمود شلتوت (1310-1383هـ / 1893-1963م) واحدا من أعلام العلماء الذين نشأوا وتربوا في رحاب فكر مدرسة الإحياء والتجديد، التي صاغ مناهجها وبلور معالمها فيلسوف الإسلام وموقظ الشرق جمال الدين الأفغاني (1254-1314هـ / 1838-1897م) والتي فصَّل معالم قسمات مشروعها التجديدي والنهضوي الأستاذ الإمام الشيخ / محمد عبده (1265-1323هـ / 1849-1905م) فجاء شلتوت علما في موكب كوكبة من علماء هذه المدرسة، الذين نبغوا على امتداد بقاع العالم الإسلامي والذين جاهدوا لتجديد الدين الإسلامي كي تتجدد به حياة الأمة الإسلامية.. وذلك من مثل عبد اللّه النديم (1261-1314هـ / 1845-1896م) ومحمد رشيد رضا (1282-1354هـ / 1865-1935م) وعبد الرحمن الكواكبي (1270-1320هـ / 1854-1902م) وعبد القادر المغربي (1284-1376هـ / 1867-1956م) وعبد العزيز جاويش (1293-1347هـ / 1876-1929م) وعبد الحميد الزهراوي (1272-1334هـ / 1885-1916) وعبد الوهاب النجار (1278-1360هـ / 1862-1941م) ومحمد مصطفى المراغي (1298 - 1364هـ / 1881 - 1945م) ومصطفى عبد الرازق (1302-1366 هـ / 1885-1946م) وعبد المجيد سليم (1299-1374هـ / 1882-1954م) ومحمد الخضري (1289-1345هـ / 1872-1927م) وعبد الجليل عيسى (1305-1400هـ / 1888-1980م) ومحمد الخضر حسين (1293-1377هـ / 1876-1958م) وأحمد إبراهيم (1291-1364هـ / 1874-1945م) وشكيب أرسلان (1286 - 1366هـ / 1869-1946م) وعبد الرزاق السنهوري (1313-1391هـ / 1895-1871م) ومحمد أبو زهرة (1316-1394هـ / 1898-1974م) وعلى الخفيف (1308-1398هـ - 1891-1978م) وعبد الوهاب خلاف (1305-1375هـ - 1888-1956م) وأمين الخولي (1313-1385هـ / 1895-1966م) وعبد الوهاب عزام (1312-1379هـ /1894/1959م) ومحمد فريد وجدي (1295/1373هـ / 1878-1954م) وحسن البنا (1324-1368هـ / 1906-1949م) ومحمد المدني (1325-1388هـ/1907-1968م) وعبد الرحمن عزام (1311-1396هـ / 1893-1976م) ومحمد البهي (1323-1402هـ / 1905-1982م) وأحمد حسن الباقوري (1325-1405هـ / 1907-1985م) وعباس العقاد (1306-1383هـ / 1899-1964م) ومحمد الغزالي (1335-1416هـ / 1917-1996م) ومحمد إقبال (1289-1307هـ / 1873-1938م) وعبد الحميد بن باديس (1305-1359هـ / 1887-1940م) ومحمد البشير الإبراهيمي (1306-1385هـ / 1889-1965م) وعلال الفاسي (1326-1394هـ / 1908-1974م) ومحمد الطاهر بن عاشور (1296-1393هـ / 1879-1973م) ومحمد الفاضل بن عاشور (1327-1390هـ / 1909-1970م) ومالك بن نبي (1323-1393هـ /1905-1973م).. وغيرهم من علماء مدرسة الإحياء والتجديد.

   وإذا كان لنا أن نشير مجرد إشارات إلى بعض عناوين السمات والقسمات التي مثلت أهم الأصول الفكرية العشرة لهذه المدرسة الإحيائية التجديدية.. فإن أول هذه الأصول هو:

1- نقد ورفض الجمود والتقليد

   وذلك لما يضعه الجمود والتقليد من تعطيل لملكات الهداية والتعقل والتجدد، التي أنعم اللّه - سبحانه وتعالى - بها على الإنسان، تميزا له - كخليفة للّه - عن سائر المخلوقات، وأيضاً لما يضعه هذا الجمود والتقليد من «فراغ فكري» حرصت وتحرص عليه فكريات التغريب والاستلاب الحضاري، التي جاءت بلادنا في ركاب الغزوة «الإمبرالية» الغربية الحديثة، كى تملأ - بدلاً من فكر الإسلام المتجدد - هذا الفرغ.

   لذلك، كان نقد ورفض الجمود والتقليد، أول الأصول الفكرية لمدرسة الإحياء والتجديد; لأن هذا الأصل هو بمثابة تحطيم القيود التي تحول بين الأمة وبين الانعتاق من المأزق الحضاري الذي تردّت فيه، والذي يمثل المتخلف الموروث أحد وجهي عملته، بينما يمثل الاستلاب الفكري والحضاري الغربي الوجه الثاني لعملة هذا المأزق الحضاري.

   ولقد كان نقد ورفض مدرسة الإحياء والتجديد للجمود والتقليد عاما ومطلقا، سواء أكان تقليدا للغرب وجمودا على فكرية التغريب، وتقليداً لتجارب الأسلاف والتراث الموروث.

   ذلك «لأن المقلدين لتمدن الأمم الأخرى - (كما يقول الأفغاني) ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها والتمدن الغربي هو - في الحقيقة - تمدن للبلاد التي نشأ فيها على نظام الطبيعة وسير الاجتماع الإنساني.. ولقد علمتنا التجارب، أن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها.. وطلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات يمهدون لهم السبيل ويفتحون لهم الأبواب ثم يثبتون أقدامهم(1). فتقليد فكرية الحضارة يخلق «عملاء» لا «علماء»، ذلك أن تميز حضارتنا الإسلامية المؤسس على تميز شريعتنا الإسلامية، يباعد بين الحضارة الغربية المادية النفعية وبين أن تكون نموذجا في الإحياء والتجديد والنهوض، فمدنية هذه الحضارة الأوربية - كما يقول الإمام محمد عبده - «هي مدنية الملك والسلطان، مدنية الذهب والفضة، مدنية الفخفخة والبهرج، مدنية الختل والنفاق، وحاكمها الأعلى هو «الجنيه» عند قوم، والليرة عند قوم آخرين لا دخل للإنجيل في شيء من ذلك(2)..»

   ويقترب من هذا التقليد «للآخر الغربي» تقليد الأسلاف المسلمين، والجمود على الموروث الحضاري الإسلامي، فهو وإن لم يدخل في «العمالة» للحضارة الغازية إلا أنه يضع الفراغ الفكري الذي يتمدد فيه فكر «الأعداء» و«العملاء».

   ولذلك كانت «سلفية الجمود على ظواهر النصوص كما يقول الإمام محمد عبده: أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين، وهي وإن أنكرت كثيراً من البدع، ونحَّت عن الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس منه، فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من لفظ«الوارد» والتقيد به دون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين واليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة، فلم يكونوا للعلم أولياء، ولا للمدنية أحباء»(3).

   فالمقلدون لأدبيات الغرب، لا يمكن أن يفيدوا أمتهم بثمرات العلوم الغربية، لأنهم قد غفلوا عن ارتباط تلك العلوم والفنون بملابسات نشأتها وخصوصيات حضارتها، وتميزات مواريث مجتمعاتها.. وكذلك الحال مع المقلدين لنصوص أسلافنا، الذين وقفوا عند ظواهر تلك النصوص، غافلين عن المقاصد والمصالح التي جاءت لتتغياها هذه النصوص..

   ذلك هو الأصل الفكري الأول من الأصول العشرة لفكرية مدرسة الإحياء والتجديد، التي كان الشيخ شلتوت من أعلام علمائها.

2- وثاني هذه الأصول هو التجديد:

   ذلك أن رفض الجمود والتقليد، إذا كان شاملاً لقطبي الغلو في هذا الجمود والتقليد غلو التغريب - بالتقليد للآخر الحضاري.. وغلو الجمود، بالتقليد للسلف - إنما يضع العقل المسلم أمام خيار وحيد وهو الخيار التجديدي، الذي يمثل الوسط العدل المتوازن بين هذين الغلوين..

   وهذا التجديد، الذي يجمع بين سلفية العودة للمنابع والأصول الإسلامية، وبين عصرية فقه الواقع المعيش واستشراف المستقبل، هو في النسق الفكري الإسلامي - أكثر من مجرد «خيار» لأنه «ضرورة إسلامية» اقتضاها ويقتضيها كون الشريعة الإسلامية هي الشريعة «العالمية» والخاتمة إذ بدون التجديد، الذي يحافظ على الثوابت الإسلامية كي لا تحدث قطيعة معرفية مع الأصول والمقاصد تُفقِدُ الجديد إسلاميته، والذي يجدد في الفروع وفقه الواقع كي تمتد فروع الشريعة فتظل كل الفضاءات التي يصل إليها الإسلام، وكي تقدم هذه الشريعة الحلول للقرون والأجيال التي تلت وتتلو عصر الوحي والتنزيل.. بدون هذا التجديد - الضرورة - لاتتمكن الشريعة الإسلامية من أن تكون «عالمية» حقا ولا «خاتمة» حقا، أي أن التجديد هو السبيل لتحقيق إرادة اللّه (سبحانه وتعالى) أن تكون شريعة محمد (صلى الله عليه وآله) ورسالته هي العالمية، والخاتمة لرسالات السماء.. وأن تظل حجة اللّه على عباده قائمة إلى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها.

   ولهذه الحقيقة من حقائق الأصول الفكرية لمدرسة الإحياء والتجديد، كانت جهود هذه المدرسة معالم على طريق تجديد دين الإسلام لتتجدد به دنيا المسلمين.

   وانطلاقا من الفكر النبوي، الذي جعل التجديد سنة اللّه وقانونا من قوانين الفكر الإسلامي «يبعث اللّه لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها» - رواه أبو داود.. والذي جعل التجديد عاما في كل ميادين الفكر والعمل: - «إن الإيمان لَيخلَقُ في جوف أحدكم كما يَخلَقُ الثوب، فاسألوا اللّه أن يجدد الإيمان في قلوبكم» رواه الطبراني. «جددوا إيمانكم.. قيل: يا رسول اللّه، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول: لا إله إلا اللّه» رواه الإمام أحمد..

   انطلاقا من هذه التوجيهات النبوية، التي جعلت التجديد سنة وقانونا عاما وشاملاً أعلنت مدرسة الإحياء والتجديد معالم هذا المنهاج التجديدي، فقال الإمام محمد عبده: لقد دعوت إلى:

   * تحرير الفكر من قيد التقليد..

   * وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف..

   * واعتبار الدين من ضمن موازين العقل البشري..

   * وإصلاح أساليب اللغة العربية...

   * والتمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. وقد خالفت في الدعوة إلى ذلك رأي طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم(4).

 3- وثالث هذه الأصول هو الإصلاح بالإسلام

   وليس بالنموذج الحضاري الغربي والعلماني، الذي اقتحم عالم الإسلام في ركاب الغزوة الأوربية الحديثة..

   فمادام التجديد كافلا للإسلام تقديم الحلول المواكبة لمستجدات العصر والواقع ومادامت هذه الحلول - بسبب إسلاميتها هي الأقرب إلى فطرة الإنسان المسلم فإن الإسلام يصبح هو الحل لمختلف مشكلات الحياة.. ولهذا قال رفاعة الطهطاوي (1216 - 1290هـ / 1801-1873م) في معرض التزكية لفقه المعاملات الإسلامي والرفض والتحذير من القانون الوضعي الغربي: «إن المعاملات الفقهية لو انتظمت وجرى عليها العمل لما أخلّت بالحقوق وذلك بتوفيقها على الوقت والحالة.. ومن أمعن النظر في كتب الفقه الإسلامية ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية.. إن بحر الشريعة الغراء، على تفرع مشارعه، لم يغادر من أمهات المسائل صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وأحياها بالسقي والري ولم تخرج الأحكام السياسية عن المذاهب الشرعية ; لأنها أصل، وجميع مذاهب السياسات عنها بمنزلة الفرع.. التكاليف الشرعية والسياسية التي عليها مدار نظام العالم مؤسسة على التكاليف العقلية الصحيحة الخالية عن الموانع والشبهات; لأن الشريعة والسياسة مبنيتان على الحكمة المعقولة لنا أو التعبدية التي يعلم حكمتها المولى سبحانه، وليس لنا أن نعتمد على ما يحسنه العقل أو يقبحه إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه، فينبغي تعليم النفوس السياسة بطرق الشرع لا بطرق العقول المجردة.. ولا عبرة بالنفوس القاصرة الذين حكَّموا عقولهم بما اكتسبوه من الخواطر التي ركنوا إليها تحسينا وتقبيحا، وظنوا أنهم فازوا بالمقصود، بتعدي الحدود(5).

   وعن ذات الأصل - الإصلاح بالاسلام.. لا بالتمدن الغربي - قال جمال الدين الأفغاني: «إن الدين هو أم الأمم، وبه فلاحها، وفيه سر سعادتها، وعليه مدارها.. وهو السبب المفرد لسعادة الإنسان.. وإنا معشر المسلمين إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه، ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق، وإن ما نراه اليوم من حالة ظاهرة حسنة (من حيث الرقي والأخذ بأسباب التمدن) هو عين التقهقر والانحطاط; لأننا في تمدننا هذا مقلدون للأمم الأوربية، وهو تقليد يجرنا بطبيعته إلى الإعجاب بالأجانب والاستكانة لهم والرضا بسلطانهم علينا، وبذلك تتحول صبغة الإسلام، والتي من شأنها رفع راية السلطة والغَلَبِ، إلى صبغة خمول وضعة واستئناس لحكم الأجنبي.

   ولقد ذهب المؤرخون إلى أن بداية الانحطاط في سلطة المسلمين كانت من بداية حرب الصليب، والأليق أن يقال إن ابتداء ضعف المسلمين كان يوم ظهور الآراء الباطلة والعقائد النيشرية (الدهرية) في صورة الدين، وسريان هذه السموم القاتلة في نفوس المسلمين.. فكان الخلل والهبوط من طرح أصول الدين، ونبذها ظهريا.. والعلاج إنما يكون برجوع الأمة إلى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته.. ولا سبيل لليأس والقنوط فإن جراثيم الدين متأصلة في النفوس.. والقلوب مطمئنة إليه، وفي زواياها نور خفي من محبته، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسرى نَفسُها في جميع الأرواح لأقرب وقت.. فإذا قاموا، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم، فلا يعجزهم أن يبلغوا منتهى الكمال الإنساني، ومن طلب إصلاح الأمة بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططا.. ولن يزيدها إلا نحسا، ولن يكسبها إلا نغسا..» (6).

   وفي ذات المعنى - الإصلاح بالإسلام - يقول الإمام محمد عبده: «إن البذرة لا تنبت في أرض إلا إذا كان مزاج البذرة مما يتغذى من عناصر الأرض، ويتنفس بهوائها، وإلا ماتت البذرة، بدون عيب على طبقة الأرض وجودتها، ولا على البذرة وصحتها، وإنما العيب على الباذر. ولقد أشربت أنفس الأمة الانقياد إلى الدين، حتى صار طبعا فيها، فكل من طلب إصلاحها من غير طريق الدين فقد بذر بذرا غير صالح للتربة التي أودعه فيها فلا ينبت، ويضيع تعبه، ويخفق سعيه. وأكبر شاهد على ذلك ما شوهد من أثر التربية التي يسمونها أدبية، من عهد محمد علي (1284-1265هـ / 1770-1849م) إلى اليوم، فإن المأخوذين بها لم يزدادوا إلا فساداً - وإن قيل إن لهم شيئا من المعلومات - فما لم تكن معارفهم العامة وآدابهم مبنية على أصول دينهم فلا أثرلها في نفوسهم.

   إن سبيل الدين، لمريد الإصلاح في المسلمين، سبيل لا مندوحة عنها، فإن إتيانهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين، يحوجه إلى إنشاء بناء جديد.. ليس عنده من مواده شيء، ولا يسهل عليه أن يجد من عماله أحداً.. وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق، وصلاح الأعمال، وحمل النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة فيه ما ليس لهم في غيره، وهو حاضر لديهم، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من إحداث ما لا إلمام لهم به، فلم العدول عنه إلى غيره؟»(7)

4ـ ورابع هذه الأصول هو الوسطية الإسلامية

   ذلك أن الجمود والتقليد، إذا كان للغرب، فهو تطرف يرى «الآخر الحضاري» ويعمى عن «الذات الحضارية».. وإذا كان تقليدا لماضينا، فهو تطرف يهاجر إلى التاريخ، ويجهل الحاضر الذي نعيش فيه.. والوسطية الجامعة هي صيغة العدل والتوازن، التي ميزت الإسلام وشريعته وحضارته، عندما جمعت بين الأصول والفروع، بين الثوابت والمتغيرات، بين المنابع والمصاب، بين الموروث الصالح والوافد النافع; ولذلك كانت هذه الوسطية - لهذه الأمة الإسلامية - «جعلا» إليها: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (8). وفسرها الرسول(صلى الله عليه وآله) بأنها العدل الذي يجمع - بالتوازن - عناصر الحق والصواب من الأطراف والمصادر المختلفة، وأحيانا المتضادة ليؤلف بينها، ويقيم منها سبيلا وموقفا وسطا وجامعا، فقال(صلى الله عليه وآله)«الوسط: العدل، جعلناكم أمة وسطا» رواه الإمام أحمد..

   وعن هذا الأصل من أصول فكر مدرسة الإحياء والتجديد - الذي جعل الإسلام فطرة اللّه التي فطر الناس عليها - يقول الإمام محمد عبده: «ظهر الإسلام، لا روحيا مجردا، ولا جسديا جامدا، بل إنسانيا وسطا بين ذلك، آخذا من كلا القبيلين بنصيب، فتوفرله من ملاءمة الفطرة البشرية مالم يتوفر لغيره ولذلك سمى نفسه دين الفطرة، وعرف له ذلك خصومه اليوم، وعدوه المدرسة الأولى التي يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية»(9).

 5- وخامس هذه الأصول هو العقلانية المؤمنة

   تلك التي تميزت بإعلاء مقام العقل، على حين وقف أهل الجمود والتقليد عند ظواهر النصوص، وتنكروا لنعمة العقل التي ميز اللّه بها الإنسان على سائر المخلوقات. كما تميزت هذه العقلانية الإسلامية المؤمنة عن العقلانية اليونانية، التي خلت من النقل والوحي والإيمان الديني.. وعن العقلانية الوضعية للنهضة الأوربية الحديثة، التي جاءت - بسبب ثورتها على الكهانة الكنسية - نقضا للدين واللاهوت، وإنكارا للغيب والإيمان الديني.. فكانت العقلانية الإسلامية المؤمنة ضرورة دينية للإيمان باللّه وصفاته ولفقه الدين، وحيا ونبوة ورسالة.. ومناطا للتكليف بأوامر الدين ونواهيه، وسبيلا عقليا لإبلاغ دعوته.. وإقامة حجته.. وإزالة الشبهات عن أصوله ومقاصده.. وذلك فضلا عن كونها شكرا للّه (سبحانه وتعالى) الذي أنعم بنعمة العقل على الإنسان.. إذ بدون التمتع بهذه النعمة لا يمكن للإنسان أن يعرف قدرها، كي يشكر اللّه عليها.

   ولذلك شاعت في أدبيات هذه المدرسة الإحيائية أحاديث إعلاء الإسلام مقام العقل.. «فالعقل هو جوهر إنسانية الإنسان، وهو أفضل القوى الإنسانية على الحقيقة.. وهو ينبوع اليقين في الإيمان بالله، وعلمه، وقدرته، والتصديق بالرسالة.. أما النقل فهو الينبوع فيما بعد ذلك من علم الغيب، كأحوال الآخرة، والعبادات»(10).

   فهذه العقلانية الإسلامية المؤمنة قد آخت بين العقل والنقل، وبين الحكمة والشريعة، على النحو الذي صوره أجمل تصوير حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (450 - 505 هـ / 1058-1111م) عندما قال: «إن أهل السنة قد تحققوا أن لا معاندة بين الشرع المنقول والحق المعقول، وعرفوا أن من ظن وجوب الجمود على التقليد، واتباع الظواهر، ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر. وأن من تغلغل في تصرف العقل حتى صادموا به قواطع الشرع، ما أتوا به إلا من خبث الضمائر، فميل أولئك إلى التفريط، وميل هؤلاء إلى الإفراط، وكلاهما بعيد عن الحزم والاحتياط.. فمثال العقل: البصر السليم عن الآفات والآذاء، ومثال القرآن: الشمس المنتشرة الضياء، فأخلق بأن يكون طالب الاهتداء المستغني إذا استغنى بأحدهما عن الآخر في غمار الأغبياء. فالمعرض عن العقل، مكتفيا بنور القرآن، مثال: المتعرض لنور الشمس مغمضا للأجفان، فلا فرق بينه وبين العميان. فالعقل مع الشرع نور على نور(11).

   ولذلك، تميزت العقلانية المؤمنة عن «الجمود النصوصي» الذي يكتفي بالوقوف عند ظواهر النصوص، متنكرا لتعقل مرامي ومقاصد هذه النصوص.. كما تميزت عن العقلانية اللادينية، التي ألهت العقل، واستغنت به عن الوحي والنصوص، فاكتفت بالنسبي عن المطلق والكلي المحيط، وبعالم الشهادة عن عالم الغيب، وبظاهر الحياة الدنيا عما وراء هذا الظاهر، وبآيات اللّه في كونه المنظور عن آياته في وحيه وكتابه المسطور.. (.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (12).

   وبهذه العقلانية المؤمنة انتفت الثنائيات المتناقضة، تلك التي سقطت فيها «السلفية النصوصية» و«الوضعية الغربية» جميعا!.. فرأينا - في فكر مدرسة الإحياء والتجديد - المعجز الإسلامي - القرآن الكريم - عقلانيا، لأن المعجزة هي الخارقة «للعادة» وليست الخارقة «للعقل».. «والقرآن - وهو المعجز الخارق - دعا الناس إلى النظر فيه بعقولهم.. فهو معجزة عرضت على العقل، وعرفته القاضي فيها، وأطلقت له حق النظر في أنحائها، ونشر ما انطوى في أثنائها.. فالإسلام لا يعتمد على شيء سوى الدليل العقلي، والفكر الإنساني الذي يجري على نظامه الفطري، فلا يدهشك بخارق للعادة، ولا يغشى بصرك بأطوار غير معتادة، ولا يخرس لسانك بقارعة سماوية «ولا يقطع حركة فكرك بصيحة إلهية.. فتآخى العقل والدين لأول مرة في كتاب مقدس، على لسان نبي مرسل بتصريح لا يقبل التأويل، وتقرر بين المسلمين كافة - إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه - أن من قضايا الدين مالا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود اللّه، وبقدرته على إرسال الرسل، وعلمه بما يوحى إليهم، وإرادته لاختصاصهم برسالته، وما يتبع ذلك مما يتوقف عليه فهم الرسالة، وكالتصديق بالرسالة نفسها، كما أجمعوا على أن الدين إن جاء بشيء قد يعلو على الفهم، فلا يمكن أن يأتي بما يستحيل عند العقل. واللّه يخاطب في كتابه الفكر والعقل والعلم، بدون قيد ولا حد.. والوقوف عند حد فهم العبارة مضر بنا، ومناف لما كتبه أسلافنا من جواهر المعقولات، التي تركنا كتبها فراشا للأتربة وأكلة للسوس، بينما انتفعت بها اُمم اُخرى أصبحت الآن تُنعتُ باسم النور..

   والمرء لا يكون مؤمنا إلا إذا عقل دينه، وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن تربّى على التسليم بغير عقل، والعمل - ولو صالحا - بغير فقه، فهو غير مؤمن; لأنه ليس المقصود من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقى عقله وتتزكى نفسه بالعلم باللّه والعرفان في دينه، فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النابع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته في دينه ودنياه، ويكون فوق هذا على بصيرة وعقل في اعتقاده، فالعاقل لا يقلد عاقلا مثله، فأجدر به أن لا يقلد جاهلا دونه.. (13).

   وإذا ما حدث وحسب الإنسان وجود تعارض بين العقل والنقل فإن ذلك لا يعدو أن يكون تعارضا بين حقيقة النقل وبين توهم العقل. وليس صريح العقل. أو تعارضا بين العقل وظاهر النقل - وليس حقيقة النقل- «فلقد اتفق أهل الملة الإسلامية - إلا قليلا ممن لا ينظر إليه - على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى اللّه في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل(14).

   ومع هذا الإعلان لمقام العقلانية المؤمنة، هناك - في فكر هذه المدرسة الإحيائية - الحذر والتحذير من العقلانية اللادينية، التي تكتفي بالعقل عن النقل، والتي تستغني بالنسبي عن المطلق والكلي والمحيط.. «فالعقل البشري وحده ليس في استطاعته أن يبلغ بصاحبه ما فيه سعادته في هذه الحياة، اللهم إلا في قليل ممن لم يعرفهم الزمن، فإن كان لهم من الشأن العظيم ما به عرفهم، أشار إليهم الدهر بأصابع الأجيال.. فمجرد البيان العقلي لا يدفع نزاعا، ولا يرد طمأنينة، وقد يكون القائم على ما وضع من شريعة العقل ممن يزعم أنه أرفع من وضاعها، فيذهب الناس مذهب شهواته فتذهب حرمتها، ويتهدم بناؤها، ويفقَدُ ما قُصِدَ بوضعها.. وإذا قدرنا عقل البشر قدره، وجدنا غاية ما ينتهي إليه كما له إنما هو الوصول إلى معرفة عوارض بعض الكائنات التي تقع تحت الإدراك الإنساني..

   أما الوصول إلى كنه حقيقة فمما لا تبلغه قوته.. ومن أحوال الحياة الأخرى مالا يمكن لعقل بشري أن يصل إليه وحده.. لهذا كان العقل محتاجا إلى معين يستعين به في وسائل السعادة في الدنيا والآخرة(15).

 6- وسادس هذه الأصول الفكرية: الوعي بسنن اللّه الكونية

   تلك التي تحكم سائر عوالم المخلوقات، والتي تمثل قواعد علم الاجتماع الديني، في التقدم والتخلف، في النهوض والانحطاط، في الانتصارات والهزائم، وفي التدافع بين الدعوات والأمم والحضارات.

   لقد دعت أدبيات هذه المدرسة الإحيائية إلى تأسيس علم السنن والقوانين الإلهية في الاجتماع الإنساني، وقال الإمام محمد عبده - في تفسيره قول اللّه، سبحانه وتعالى: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (16).

   إن إرشاد اللّه إيانا أن له في خلقه سننا، يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علما من العلوم المدونة، لنستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أكمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون فيها قوم يبينون لها سنن اللّه في خلقه، كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن الكريم بالإجمال، وبيّنها العلماء بالتفصيل، عملا بإرشاده، كالتوحيد وأصول الفقه. والعلم بسنن اللّه تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحيل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم، إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها.. إن للّه في الأمم والأكوان سننا لا تتبدل، وهي التي تسمى شرائع، أو نواميس، أو قوانين.. ونظام المجتمعات البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغير ولا يتبدل، وعلى من يطلب السعادة في المجتمع أن ينظر في أصول هذا النظام حتى يرد إليه أعماله، ويبني عليها سيرته، وما يأخذ به نفسه، فإن غفل عن ذلك غافل، فلا ينتظر إلا الشقاء، وإن ارتفع في الصالحين نسبه، أو اتصل بالمقربين سببه فمهما بحث الناظر وفكر، وكشف وقرر أتى لنا بأحكام تلك السنن، فهو يجري مع طبيعة الدين وطبيعة الدين لا تتجافى عنه، ولا تنفر منه... (17).

وبالوعي بهذه السنن الإلهية في الكون والاجتماع الإنساني ، تسقط ثنائية الموهوم بين الإيمان الديني والقضاء الإلهي وبين الأسباب التي أودعها خالق الكون وبسب الأسباب في الكون المخلوق، ذلك «أنّ القول بنفي الرابطة بين الأسباب والمسببات جدير بأهل دين ـ(مثل النصرانية)ـ ورد في كتابه : أنّ الإيمان وحده كاف في أنّ يكون للمؤمن أنّ يقول للجبل : تحول عن مكانك فيتحول الجبل . يليق بأهل دين تُعدّ الصلاة وحدها ـ إذا أخلص المصلى فيها ـ كافية في إقداره على تغيير سير الكواكب وقلب نظام العالم العنصري .. وليس هذا الدين هو دين الإسلام . دين الإسلام هو الذي جاء في كتابه : ] وقل اعملوا فسيرى الله عملكم[ (18) ،] وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل[ (19) ، ] سنة اللّه في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة اللّه تبديلا[ (20) - وأمثالها.

 وليس من الممكن لمسلم أن يذهب إلى ارتفاع ما بين حوادث الكون من الترتيب في السببية والمسببية إلا إذا كفر بدينة قبل أن يكفر بعقله..» (21).

 7 ـ وسابع هذه الأصول

   أن الدولة في الإسلام «مدنية - إسلامية».. لا كهنونية.. ولا علمانية: فالإنسان مستخلف للّه (سبحانه وتعالى) لاستعمار الأرض - الذي هو جزء من عبادة اللّه. وشكره على تسخيره ما سخر لهذا الإنسان من نعم وطاقات وقوى وملكات.. ولأن الإسلام هو دين الجماعة، الشاملة للفرد، والمؤسسة على الأسرة فإن الأمة - وليس الفرد، أو الطبقة - هي مركز الخلافة والاستخلاف.. ولأن اللّه لطيف بعباده فلقد كان من لطفه بخلقه، وعنايته ورعايته لهم إرساله الرسل وإنزاله الكتب لتصويب مناهج الجماعات والأمم في هذه الحياة.. ولذلك كانت الشريعة الإلهية هي بنود عقد وعهد الاستخلاف الإلهي للإنسان.

   ولأن «الدولة» لم ترد في أصول الإيمان، ولا في أركان الإسلام.. كانت ككل النظم الحياتية إبداعا مدنيا إنسانيا، وجزءا من الاجتهادات البشرية المتطورة، تقيمها الجماعة المؤمنة لتحقيق المقاصد الدينية والدنيوية «ومصدر إقامتها والسلطة السلطان فيها هو الاُمة، بشرط ألاّ تخرج هذه السلطة ولا هذا السلطان عن الشريعة - التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف - فالأمة مستخلفة للّه، والدولة مستخلفة عن الأمة.. وكلاهما: «الأمة» و«الدولة».. محكومة سلطتهما بإطار الثوابت الشرعية.

   وبهذا التصور تميزت وتتميز الدولة الإسلامية عن دولة الكهانة الكنسية التي دمجت الدولة في الدين، وغابت عنها الأمة.. وعن الدولة العلمانية، التي فصلت بين الدولة والدين، فغابت عنها الشريعة..

   وعن هذا الأصل من أصول الفكر في مدرسة الإحياء الديني، يقول الإمام محمد عبده: «ليس في الإسلام سلطة دينية، سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها اللّه لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم..

   أصل من أصول الإسلام - وما أجله من أصل - قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها، هدم الإسلام بناء تلك السلطة ومحا أثرها، حتى لم يبق لها عند الجمهور من أهله اسم ولا رسم. ولم يدع الإسلام لأحد - بعد اللّه ورسوله - سلطانا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه من الوجوه.. والإسلام يحدد أن الأمة، أو نائب الأمة هو الذي ينصب الخليفة والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، تخلعه متى رأت ذلك من مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه الإفرنج «ثيوكراتيك» أي: سلطان إلهي..

   وكذلك القاضي، والمفتي، وشيخ الإسلام.. لم يجعل الإسلام لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتحرير الأحكام، وكل سلطة تناولها واحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قدرها الشرع الإسلامي، ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعى حق السيطرة على إيمان أحد، أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريقة نظره.

   إن الإيمان بالله يرفع الخضوع والاستعباد للرؤساء الذين استذلوا البشر بالسلطة الدينية، وهي دعوى القداسة والوساطة عند اللّه، ودعوى التشريع والقول على اللّه دون إذن اللّه، أو السلطة الدنيوية وهي سلطة الملك والاستبداد، فالمؤمن لا يرضى لنفسه أن يكون عبدا لبشر مثله للقب ديني أو دنيوي، وقد أعزه اللّه بالإيمان، وإنما أئمة الدين مبلغون لما شرعه اللّه، وأئمة الدنيا منفذون لأحكام اللّه، وإنما الخضوع الديني للّه ولشرعه لا لشخوصهم وألقابهم..

   ومع هذا.. فالإسلام دين وشرع.. لم يدع ما لقيصر لقيصر، بل كان من شأنه أن يحاسب قيصر على ماله ويأخذ على يده في عمله.. فكان الإسلام: كمالا للشخص، وألفة في البيت، ونظاما للملك، امتازت به الأمم التي دخلت فيه عن سواها ممن لم يدخل فيه..» (22).

   وهذه الدولة الإسلامية - المدنية، يمكن - في ظل التنوع الإسلامي في الألسنة واللغات - أي الأقوام - والتعدد في الأقاليم - أي الأوطان - أن تحقق وحدة الأمة، ووحدة دار الإسلام، دون أن تكون دولة مركزية واحدة، وذلك إذا تخلصت أقاليمها وأوطانها وأقطارها من حواجز «الجنسية» التي جاءتنا من الدولة القومية الأوربية - وإذا اجتمعت دولها - تحت مظلة الجامعة الإسلامية - على جوامع الإسلام.

   «فوطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه، ويتخذ فيه طريقة كسبه وعيشه.. يجري عليه عرفه، وينفذ فيه حكمه.. فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته.. أما الجنسية فليست معروفة عند المسلمين،، ولا لها أحكام تجري عليهم.. وإنما هي عند الأمم الأوربية تشبه ما كان يسمى عند العرب عصبية.. ولقد جاء الإسلام فألغى تلك العصبية، ومحا آثارها.. والاختلاف في الأصناف البشرية كالعربي والهندي والرومي والشامي والمصري والتونسي والمراكشي، مما لا دخل له في اختلاف الأحكام والمعاملات بوجه من الوجوه.. ومن كان مصريا وسكن في بلاد المغرب وأقام بها جرت عليه أحكام بلاد المغرب، ولا ينظر إلى أصله المصري بوجه من الوجوه.. هذا ما تقضي به الشريعة الإسلامية، على اختلاف مذاهبها، لا جنسية في الإسلام، ولا امتياز بين مسلم ومسلم، والبلد الذي يقيم فيه المسلم من بلاد المسلمين هو بلده، ولأحكامه عليه السلطان دون أحكام غيره..» (23).

   ومع تنوع أقاليم وأقطار وقوميات الجامعة الإسلامية، تكون جوامع القرآن - من العقيدة والشريعة - هي قبلة الجميع، فعالم الإسلام «دول متصلة الأراضي، متحدة العقيدة، يجمعهم القرآن.. واتفاقهم هو من أصول دينهم ] إنما المؤمنون أخوة[ (24)، وبهذه الوحدة يقيمون سدا يحول عنهم هذه السيول المتدفقة عليهم من كل الجوانب. لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا، فإن هذا ربما كان عسيرا، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، وكل ذي ملك على ملكه.. فهذا - بعد كونه أساسا لدينهم - تقضي به الضرورة، وتحكم به الحاجة في هذه الأوقات..» (25).

8- والأصل الثامن من أصول فكرة هذه المدرسة الإحيائية هو الشورى

   فالدولة الإسلامية - بل وكل ميادين الاجتماع الإسلامي - مؤسسة على الشورى، التي يشارك فيها وبها كل إنسان في العمل العام، وذلك من خلال وبواسطة المؤسسات الشورية والنيابية والدستورية..» فلابد من إشراك الأمة في حكم البلاد عن طريق الشورى، وذلك بـإجراء انتخاب نواب عن الأمة تسن القوانين.. والقوة النيابية لأي أمة كانت لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي إلا إذا كانت من نفس الأمة.. وبذلك يشارك الأهالي بالحكم الدستوري الصحيح.. والأمة هي التي تُملِّك حاكمها على شرط الأمانة والخضوع لقانونها الأساسي، وتُتوِّجُهُ على هذا القسَمِ، وتعلنه له: يبقى التاج على رأسه ما بقى هو محافظا أمينا على صون الدستور، وأنه إذا حنث بقسمه وخان دستور الأمة، إما أن يبقى رأسه بلا تاج، أو تاجه بلا رأس..» (26).. «وقد كان المسلمون في الصدر الأول على هذا النهج من المراقبة للقائمين بالأعمال العامة، حتى كان الصعلوك من رعاة الإبل يأمر مثل عمر بن الخطاب - وهو أمير المؤمنين - وينهاه فيما يرى أنه الصواب..»(27).

   

9- وتاسع هذه الأصول الفكرية هو العدالة الاجتماعية

   التي تحقق التكافل الاجتماعي بين الأمة كلها «فالإخاء الذي عقده المصطفى(صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار، وكان أشرف عمل تجلى به قبول اشتراكية الإسلام الوسطية - التي أشار إليها القرآن بأدلة كثيرة.. والمغايرة لاشتراكية الغرب القائمة على التطرف وروح الانتقام من جور الحكام والأحكام - ذلك أن تنعم فريق من قوم وشقاء فريق آخر، في محيط واحد، وبمساع ليس بينها وبين مساعي الآخرين كبير تفاوت، مما لا يتم به نظام الاجتماع»( 28)

   واللّه (سبحانه وتعالى) عندما أضاف مصطلح «المال» في القرآن الكريم إلى ضمير «الفرد» في سبع مرات، وإلى ضمير «الجمع» في سبع وأربعين مرة، أراد أن ينبه بذلك «على تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها، فكأنه يقول: إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم..» (29).

 

10- وعاشر هذه الأصول هو إنصاف المرأة

   لتشارك مع الرجل في القيام بفرائض وتكاليف العمل العام - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وبدون هذا الإنصاف لاقيام للأسرة، التي هي اللبنة الأولى والأساسية في بناء الأمة.. «فالأمة تتكون من البيوت (العائلات)، فصلاحها صلاحها، ومن لم يكن له بيت لا تكون له أمة.. والرجل والمرأة يتماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما يتماثلان في الذات والشعور والعقل.. والآية القرآنية: ] ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف[ هي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق، إلا أمرا واحدا عبر عنه بقوله: ] وللرجال عليهن درجة[ (30) - وهذا الأمر - القوامة - يوجب على المرأة شيئا وعلى الرجل أشياء، ذلك أن الحياة الزوجية حياة اجتماعية، ولابد لكل اجتماع من رئيس.. يرجع إلى رأيه في الخلاف، كي لا تنفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام.. والرئاسة هنا إرشاد ومراقبة وملاحظة وليست قهرا ولا سلبا للإرادة.. فالمرأة من الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد، فالرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.. وكلاهما بشر تام، له عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره مالا يلائمه وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدا يستذله ويستخدمه في مصالحه، ولاسيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين للآخر والقيام بحقوقه.. أما الرجال الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم، فإنهم إنما يلدون عبيدا لغيرهم..»(31).

   تلك هي الأصول الفكرية العشرة لمدرسة الإحياء والتجديد.. التي تبلورت من حول جمال الدين الأفغاني.. والتي فصل أصولها الفكرية الإمام محمد عبده.

   وهي المدرسة التي تربى على أصولها الفكرية الشيخ محمود شلتوت، حتى صار علما من أعلام علمائها وإماما أكبر في السلسلة الذهبية لأئمتها.. وامتدادا لإحيائها وتجديدها.. فهي مفتاح الفهم والدراسة لموقف وموقع وإنجاز هذا الإمام العظيم.

   

السيرة.. والمسيرة العلمية

   * في 6 شوال 1310هـ/23 أبريل 1893م ولد الشيخ محمود شلتوت، ببلدة «منية بني منصور» مركز «إيتاي البارود» محافظة «البحيرة» بدلتا القطر المصري..

   * وبعد أن حفظ القرآن وجوّده - بكُتّاب القرية - على عادة السالكين طريقهم إلى العلم الديني، التحق بمعهد الإسكندرية الديني، التابع للأزهر الشريف 1324هـ / 1906م.. أي في العام التالي لوفاة الإمام محمد عبده..

   * ولقد ظل محافظا على تفوقه في الدراسة على امتداد سنوات مراحل تعليمه بالأزهر الشريف - الابتدائي.. والثانوي.. والعالي - فكان ترتيبه الأول دائما طوال سنوات دراسته.. حتى نال شهادة «العالمية» 1336هـ / 1918م.

   * وفي العام التالي لتخرجه 1337هـ / 1919م - عين مدرسا بمعهد الإسكندرية الديني..

   * وكانت كبرى ثورات الشعب المصري ضد الاحتلال الإنجليزي قد تفجرت في ذات العام - ثورة 1919م - فانخرط فيها الشيخ شلتوت، وشارك في مظاهراتها واجتماعاتها والخطابة والإثارة لجماهير الشعب وطلائع الثوار..

   * ومع أن الشيخ محمود شلتوت لم يتتلمذ مباشرة على يد الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، إلا أنه منذ فجر حياته التعليمية والعلمية، كان واحدا من نبهاء مدرسة الأستاذ الإمام - مدرسة الإحياء والتجديد - وقد ربطته الوشائج الفكرية، وأيضاً العلاقات والصداقات بأبرز خلفاء وتلاميذ الأستاذ الإمام، وفي مقدمتهم الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي (1298-1364هـ / 1881-1945م) والإمام الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق (1302-1366هـ / 1885-1946م) والإمام الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم (1299-1374هـ / 1882-1954م) وهم من نجباء تلامذة الشيخ محمد عبده، الذين تتلمذوا على يديه، وحضروا دروسه، والذين قادوا تيار الإصلاح لمناهج وتنظيمات الأزهر الشريف.. وجاهدوا لتأكيد وتدعيم استقلال الأزهر عن سلطات الدولة ونفوذ الاستعمار الإنجليزي.

   * ولذلك، عندما تولى الشيخ محمد مصطفى المراغي مشيخة الأزهر في 2 ذي الحجة 1346هـ/22 مايو 1928م - بادر فاستدعى الشيخ شلتوت، ونقله من التدريس بمعهد الإسكندرية إلى التدريس بالقسم العالي - الجامعة - بالقاهرة - وهو القسم الذي كان يرأسه علم آخر من أعلام مدرسة الإحياء والتجديد، هو الشيخ عبد المجيد سليم..

   * وبعد ذلك، ارتقى الشيخ شلتوت إلى تدريس الفقه بأقسام التخصص بالأزهر الشريف.. وهي أعلى مستويات التدريس.

   وعندما حدثت الأزمة الشهيرة بين الشيخ المراغي - شيخ الأزهر - وبين الملك أحمد فؤاد (1284-1355هـ / 6/1939م) بسبب إصرار المراغي على مشروعه لإصلاح الأزهر، تجديد مناهجه، وتنظيم كلياته وأقسامه، ومعاهده وتأكيد استقلاله، ومعارضة الملك فؤاد لهذا المشروع، كان الشيخ شلتوت أول المدافعين عن مذكرة المراغي ومشروعه الاصلاحي - بالقلم واللسان - فكتب لمدة مقالات بجريد السياسة اليومية وألقى العديد من الخطب في الاساتذة والطلاب.

   ولما اضطر المراغي الى الاستقالة من مشيخة الأزهر في (جمادى الأول 1348هـ . أكتوبر 1929م) بسبب مناوأة الملك فؤاد لمشروع إصلاح الأزهر.. وتولى المشيخة الشيخ محمد الأحمدي الطواهري (1295-1363هـ / 1887-1944م) انخرط طلاب الأزهر وكثرة من شيوخه في ثورة كبرى وشهيرة مطالبين بعودة المراغي إلى المشيخة، وتنفيذ مشروعه الإصلاحي.. ولقد استمرت قلاقل وأحداث وإضرابات هذه الثورة الأزهرية طوال مدة إبعاد المراغي عن المشيخة.. وتصاعد قمع الدولة للعلماء والطلاب الثائرين، وخاصة إبان الوزارة المستبدة التي رأسها إسماعيل صدقي باشا (1295-1369هـ / 1875-1950م) وهي الوزارة التي ألغت دستور 1923م، وزيفت الانتخابات، فتم فصل الشيخ شلتوت من منصبه، ضمن الذين فصلوا من علماء الأزهر، في 4 جماد أول 1350هـ / 17 سبتمبر 1931م.. ويومئذ اشتغل الشيخ شلتوت بالمحاماة الشرعية - مع شقيق صديقه الشيخ مصطفى عبد الرازق - الشيخ علي عبد الرازق (1305-1386هـ / 1887-1966م) الذي كان قد فصل من القضاء الشرعي 1344هـ / 1925م بسب كتابه عن (الإسلام وأصول الحكم).

   * وظل الشيخ شلتوت مفصولا من التدريس بالأزهر، وبعيدا عن جامعته قرابة أربع سنوات.. فلما اضطر الملك فؤاد إلى الرضوخ لإصرار علماء الأزهر وطلابه على عودة المراغي، والمضي في مشروع إصلاح الأزهر، وسقطت الوزارات المستبدة، أعيد الشيخ محمود شلتوت - وكل المفصولين - إلى الأزهر، مدرسا بكلية الشريعة في ذي القعدة 1353هـ / فبراير 1935م - إبان وزارة توفيق نسيم باشا (1375هـ / 1938م).. وبعد أقل من شهرين عاد الشيخ المراغي إلى مشيخة الأزهر - في المحرم 1354هـ / 27 أبريل 1935.

   * وتحت قيادة المراغي للأزهر الشريف - وفي ظل مشروعه الإصلاحي لهذه الجماعة الأعرق - بدأ الأزهر يتواصل مع المحافل والمؤتمرات العلمية العالمية، مبلغا دعوة الاسلام، بمنطق جديد، وملقيا الأضواء على مميزات وامتيازات الإسلام، وما لديه من حلول للمشكلات الإنسانية.. فشارك في مؤتمر تاريخ الأديان الدولي - السادس - المنعقد بمدينة «بروكسل» في جمادى الثاني 1354هـ / 16 - 20 سبتمبر 1935م - ومثله في هذا المؤتمر الشيخان مصطفى عبد الرازق وأمين الخولي.. وعندما انعقدت الدورة الثانية لمؤتمر القانون الدولي المقارن - بلاهاي - هولندا - في جمادى الثاني 1356هـ / أغسطس 1937م.. ورأس وفد مصر الفقيه والقانوني الدكتور عبد الرزاق السنهوري، اختار المراغي الشيخ محمود شلتوت ممثلا للأزهر في هذا المؤتمر العالمي، فقدم للمؤتمر دراسته العلمية المتميزة عن (المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية) (32).. وكانت هذه الدراسة هي التي تقدم بها - بعد ذلك إلى «هيئة كبار العلماء» 1360هـ / 1941م فنال بها عضوية الهيئة.. وكان يومئذ أصغر الأعضاء سنا في «هيئة كبار العلماء» - أعلى هيئات العلم الإسلامي في العالم الإسلامي.

   * وبعد ذلك عين الشيخ شلتوت في «لجنة الفتوى» بالأزهر الشريف..

   * ولقد تبدى حرص الشيخ المراغي على أن يكون الشيخ شلتوت دائما وأبدا في الموقع الذي يمارس منه وفيه دفع مسيرة الإصلاح والتجديد في الأزهر الشريف، عندما رقي الشيخ شلتوت من مدرس بكلية الشريعة إلى مفتش بالمعاهد الدينية - 1358هـ / 1939م - فأعاده المراغي إلى القسم العالي - الجامعة - وكيلا لكلية الشريعة، ليشرف على خطة الإصلاح فيها..

   * وعندما تبوأ موقعه بين «هيئة كبار العلماء» 1360هـ / 1941م، تقدم إلى الهيئة باقتراح جامع «لجدول أعمال» الاجتهاد الإسلامي المعاصر في أربعة ميادين، وذلك باقتراح:

   1- إنشاء مكتب علمي للجماعة، مهمته صد الهجوم على الإسلام، والرد على هذا الهجوم، تبليغاً للدعوة وإقامة للحجة، وإزالة للشبهة عن عقيدة وشريعة وحضارة الإسلام..

   2- وبحث المعاملات المستجدة، لاستنباط الأحكام الفقهية الجديدة لهذه المعاملات التي لم تعرفها عصور واجتهادات القدماء.

   3- ووضع كتاب عن الإسرائيليات في التفاسير المتداولة للقرآن الكريم، لتنقية هذه التفاسير من تلك الإسرائيليات التي تغرق العقل المسلم في الضلالات..

   4- وتنقية الكتب الدينية في البدع والخرافات..

   ولقد تبنت «هيئة كبار العلماء» هذه المقترحات، وتألفت لتحقيق هذه المقاصد لجنة رأسها الشيخ عبد المجيد سليم، وكان الشيخ شلتوت أحد أعضائها.

   * وفي 1365هـ / 1946م اختير الشيخ محمود شلتوت عضوا بمجمع اللغة العربية، وذلك ضمن عشرة أعضاء، مثلوا قمم العلم والفكر في ذلك التاريخ، حتى سماهم الأستاذ أحمد أمين (1295-1373هـ / 1878-1954م) في حفل استقبال المجمع لهم - بـ «العشرة الطيبة» - وهم - غير شلتوت - الدكتور عبد الرزاق السنهوري، والدكتور إبراهيم بيومي مدكور (1320-1416هـ / 1902-1995م) والدكتور عبد الوهاب عزام، والدكتور أحمد زكي (1312-1395هـ / 1984-1975م) والدكتور مصطفى نظيف (1310هـ / 1893م) والشيخ عبد الوهاب خلاف، والأستاذ محمد فريد أبو حديد (1310-1387هـ / 1893-1967م).

   * ثم انتدبت جامعة القاهرة الشيخ شلتوت لتدريس مادة «فقه القرآن والسنة» لطلاب «دبلوم» الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق.

   * وفي 1369هـ / 1950م، وأثناء تولي الشيخ عبد المجيد سليم مشيخة الأزهر - عين الشيخ شلتوت مراقبا عاما لمراقبة البحوث والثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف.

   * وفي 1376هـ / 1957م، وفي ظل انفتاح الثورة المصرية على الدائرة الإسلامية، من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي - التي تولى أمانتها عضو مجلس الثورة محمد أنور السادات (1337 - 1401هـ / 1918 - 1981م) اختار السادات الشيخ شلتوت مستشارا لمنظمة المؤتمر الإسلامي، لما لفكره وعلاقاته من أهمية وفاعلية في التواصل مع شعوب ومذاهب الأمة الإسلامية.

   * وبعد تولي الشيخ شلتوت لمنصب وكيل الجامع الأزهر، أخذت كثير من الهيئات والمنظمات والمؤسسات تسعى إلى الاستفادة من علمه وتوجيهاته وخبراته واجتهاداته، ومن نشاطه الجم، فأصبح عضوا باللجنة العليا للعلاقات الثقافية الخارجية.. وعضوا في مجلس الإذاعة الأعلى.. وعضوا باللجنة العليا لمعونة الشتاء.. ورئيسا للجنة العادات والتقاليد بوزارة الشؤون الاجتماعية.. وعضوا مؤسساً لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وواحدا من أبرز كتاب مجلتها «رسالة الإسلام».. وكانت فتواه الشهيرة بجواز التعبد على فقه المذهب الجعفري، كواحد من المذاهب الفقهية الثمانية الموثقة - المالكي، والشافعي، والحنفي، والحنبلي، والجعفري، والزيدي، والإباضي، والظاهري - من إنجازاته المتميزة في ميدان التقريب بين السنة والشيعة.. وترتب على ذلك احتضان الأزهر الشريف - وهو أقدم وأعرق وأكبر جامعات العالم الإسلامي - جميع هذه المذاهب، في التدريس والإفتاء.

   * وفي 29 ربيع أول 1378هـ / 13 أكتوبر 1958م تولى الشيخ محمود شلتوت منصب الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر.. ومن موقعه - كشيخ للأزهر - بدأ خطواته لتحقيق المشاريع الإصلاحية والتجديدية، التي طمح إليها ولم يتمكن من تحقيقها حتى ذلك التاريخ.. ومن ذلك مشروع إنشاء «مجمع البحوث الإسلامية»، الذي أراده الهيئة العلمية العليا الجامعة لكبار علماء الأمة الإسلامية على اختلاف أقطارهم ومذاهبهم.. وهو المشروع الذي سبق واقترحه عندما عين وكيلا للأزهر - فكان إنشاء هذا «المجمع» ضمن هياكل مشروع تطوير الأزهر، الذي صدر به القانون 103 لسنة 1961م. وهو التطوير الذي حلم به الشيخ شلتوت، وتيار الإصلاح الذي بدأه الإمام محمد عبده - والذي تغيا تخريج علماء يجمعون بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ودعاة للإسلام يجمعون إلى فقه الدعوة حذق العلوم التقنية والإدارية الحديثة والعصرية واللغات الأجنبية، وذلك لمواجهة حركات التنصير - وخاصة في إفريقيا وآسيا - تلك التي جمع قساوستها وجمعت مدارس إرساليتها بين علوم اللاهوت وتقنيات العصر وعلومه، فامتلك خريجوها المستنصرون زمام الدول ومؤسساتها، بينما وقف المسلمون - هناك - بأبنائهم عند «الكتاتيب» و«الخلاوي» مكتفين بحفظ القرآن وشيء من الفقه والتفسير والحديث، تاركين الدولة ومؤسساتها للأقليات النصرانية، وذلك خوفا على عقيدتهم من التنصير الذي اقترن التبشير به بدراسة علوم الإدارة والتقنيات الحديثة في مدارس الإرساليات التنصيرية!.

   * فجاء قانون التطوير للأزهر - الذي رعاه الشيخ شلتوت، والذي وضع مواده، وكتب مذكرته الإيضاحية واحد من أبرز الغيورين على الإسلام وفكره وتراثه، هو الأستاذ محمد سعيد العريان (1323-1384هـ / 1905 - 1964م) - ليجعل الأزهر مؤسسة الإسلام العالمية الكبرى، وليجعل جامعته - بكلياتها الشرعية والمدنية - المنبع الذي يلبي احتياجات المسلمين في علوم الدين والدنيا.. فجاء في المادة الثانية من هذا القانون - عند الحديث عن رسالة الأزهر-: «الأزهر هو الهيئة الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته، وتجليته ونشره، وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب، وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر، ورقي الحضارة، وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس في الدنيا والآخرة. كما تهتم ببعث الحضارة العربية والتراث العلمي والفكري للأمة العربية، وإظهار أثر العرب في تطورالإنسانية وتقدمها. وتعمل على رقي الآداب وتقدم العلوم والفنون، وخدمة المجتمع والأهداف القومية والإنسانية والقيم الروحية، وتزويد العالم الإسلامي والوطن العربي بالمختصين وأصحاب الرأي فيما يتصل بالشريعة الإسلامية والثقافة الدينية والعربية ولغة القرآن، وتخريج علماء عاملين متفقهين في الدين، يجمعون إلى الإيمان باللّه والثقة بالنفس وقوة الروح، كفاية علمية وعملية ومهنية، لتأكيد الصلة بين الدين والحياة، والربط بين العقيدة والسلوك، وتأهيل عالم الدين للمشاركة في كل أسباب النشاط والإنتاج، والريادة والقوة الطيبة للمشاركة في الدعوة إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة. كما تهتم بتوثيق الروابط الثقافية والعلمية مع الجامعات والهيئات العلمية الإسلامية والعربية والأجنبية».

   كما جاء في المذكرة الإيضاحية لقانون التطوير هذا مبادئ عدة منها:

   أولاً: أن يبقى الأزهر، وأن يُدعم ليظل أكبر جامعة إسلامية وأقدم جامعة في الشرق والغرب.

ثانياً: أن يظل كما كان منذ أكثر من ألف سنة حصنا للدين والعروبة، يرتقي به الإسلام ويتجدد ويتجلى في جوهره الأصيل، ويتسع نطاق العلم به في كل مستوى وفي كل بيئة، ويُذاد عنه كلُّ ما يشوبه وكل ما يُرمى به.

   * وكنتيجة لهذا القانون - 103 لسنة 1961م :

   - دخلت الفتيات الأزهر، وانتظمن فيه بأعداد غفيرة - في جميع مراحل دراساته - لأول مرة في التاريخ.

   - وأنشئ «مجمع البحوث الإسلامية» - الشكل الجديد «لجماعة كبار العلماء» -..

   - وأنشئت «مدينة البعوث الإسلامية» لتمثل الأممية الإسلامية الجامعة لأكثر من ثمانين جنسية من جنسيات الشعوب والأقطار الإسلامية.

   - وأنشئ «معهد البعوث الإسلامية» - معهد الإعداد والتوجيه - الذي يؤهل الطلاب غير العرب للدراسة باللغة العربية..

   - ودُرّست اللغات غير العربية - أوربية وشرقية - بالأزهر..

   - ودُرس فقه الشيعة إلى جوار فقه المذاهب السنية، والمذاهب الفقهية الموثقة مصادرها..

   - وأصبحت المعاهد الدينية - الابتدائية - والإعدادية.. والثانوية - تغطي كل قرى مصر - التي تقترب من ستة آلاف - بعد أن كان عددها - في جيلنا - لا يبلغ عدد أصابع اليدين!.. كما أصبحت كليات جامعة الأزهر تغطي سائر محافظات مصر، وتمتد لترتفع مناراتها في الكثير من الأقطار الخارجية، الشرقية منها والغربية.

   وكان الشيخ شلتوت هو صاحب الرؤية والفكر اللذين تجسدا في هذا الإنجاز الكبير..

   * وإذا كان «واقع» تطوير الأزهر الشريف لم يرتق إلى مستوى «آمال» الشيخ شلتوت من ورائه.. فإن مرد ذلك عائد إلى «قصور» الذين قاموا «بالتطبيق والتنفيذ» - الدولة التي لا خبرة لها بهذا الحقل من حقول العلم والتعليم، والتي لم تكن تثق بنوايا شيوخ الأزهر تجاه توجهها إلى «الاشتراكية العلمية» التي رفعت شعاراتها في ذات السنوات التي بدأت فيها مسيرة التطوير!.. وشيوخ الأزهر، الذين لم يتحمس الكثيرون منهم لهذا التطوير، لسوء ظنهم برجالات الثورة، واتجاهاتهم الاشتراكية.. فانعكس سوء الظن هذا على مقاصد الدولة من وراء التطوير!..

   * بل إن المفارقة قد بلغت حد المأساة، عندما أصبح الشيخ شلتوت ذاته - وهو روح التطوير وداعيته وراعيه - أول ضحايا قانون التطوير!.. حتى لقد انتهت حياته بمأساة اقترفتها «البيروقراطية» والأثرة في الاختصاصات الإدارية، وذلك عندما استأثر «وزير شؤون الأزهر» - وكان عالما فاضلا - بكل السلطات الإدارية في الأزهر.. وناصره في هذا الاستئثار قسم الفتوى بمجلس الدولة - انطلاقا من نصوص قانون التطوير، التي أرادت لمنصب شيخ الأزهر أن يكون دينيا فقط، ولا علاقة له بالسلطات الإدارية في الأزهر - حتى إدارة مكتبه!.. فخاض الشيخ شلتوت معركة صامتة، تحلى فيها بالصبر والشجاعة، ضد هذا العدوان على سلطات مشيخة الأزهر.. وكتب مذكرات شجاعة إلى رئيس الجمهورية - جمال عبد الناصر (1336-1390هـ / 1918-1970م) وإلى رئيس مجلس الوزراء - علي صبري - مثلت - ولاتزال - صفحات في كتاب الشجاعة والكرامة والشموخ..

   * فلما هزمته الأثرة والبيروقراطية، والتطبيق الجامد والحرفي للقانون.. قدم استقالته الشجاعة من مشيخة الأزهر في 16 ربيع الأول 1383هـ / 6 أغسطس 1963.. وجاء في كتاب استقالته - الذي بعث به الى الرئيس جمال عبد الناصر، عن أسباب هذه الاستقالة:

   ... إلى أن أسندت وزارة شؤون الأزهر إلى السيد الدكتور محمد البهي، فسار بها في طريق لا يتفق مع رسالة الأزهر، وما يبتغيه طلاب الإصلاح له، حتى مس كيانه، وصدّع بنيانه، وفي هذه الفترة الأخيرة، التي جاوزت العشرة شهور، ظللت من جانبي أحاول علاج ما ترتب على طريق سيرة من مشكلات، وأدفع بقدر الاستطاع عن حرمة الأزهر وحماه، ولم أدع فرصة إلا التجأت فيها إلى المختصين عسى أن يهيئ اللّه من الظروف ما يستقيم معه المعوج وينصلح به الفاسد. ولكن الأمور أفلت زمامها من يدي، وانتقلت من سيء إلى أسوأ، حتى تحول الأزهر فعلا عن رسالته، ولم يصبح لمشيخة الأزهر وجود أو كيان. وإزاء هذه الظروف السابقة المتجمعة، أجد نفسي أمام واحد من أمرين:

   - إما أن أتقدم آسفا في هذه الظروف بطلب إعفائي من حمل هذه الأمانة، التي أعتقد عن يقين أنكم تشاركونني المسؤولية فيها أمام اللّه والتاريخ.

   ولذلك، فليس أمامي إلا أن أضع استقالتي من مشيخة الأزهر بين يديكم، بعد أن حيل بيني وبين القيام بأمانتها.. واللّه أسال أن يديم عليكم نعمة التوفيق في خدمة العروبة والإسلام، وأن ينهض الأزهر في عهدكم حتى يظل للإسلام حصنا وللوطن وللمسلمين في مختلف الأقطار خيرا وبركة.. والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

   * ومالبث الشيخ محمود شلتوت أن أصابه المرض - كما سبق وحدث للإمام محمد عبده.. عندما حيل بينه وبين إصلاح الأزهر! - فتوفى الشيخ شلتوت بعد خمسة أشهر من تقديمه الاستقالة.. وصعدت روحه المطمئنة إلى بارئها راضية مرضية في 27 رجب 1383هـ. 13 ديسمبر 1963م، في ذكرى الإسراء والمعراج.. بعد عمر امتد سبعين عاما، كان فيه منارة سامقة للاستنارة والإصلاح والاجتهاد والتجديد.

   * ولقد كان الشيخ شلتوت من طلائع أئمة الأزهر، الذين تجاوزت شهرتهم وآثارهم وطن العروبة وعالم الإسلام.

   - فمنح الدكتوراه الفخرية من جامعة «شيلي» - بأمريكا اللاتينية - 1377هـ / 1958م.

   - ومنح الدكتوراه الفخرية - أيضا - من جامعة جاكارتا - أكبر جامعات كبرى الدول الإسلامية.

   - كما منح وسام العرش المغربي - من الملك محمد الخامس (1327-1380هـ / 1909-1961م) - 1379هـ /1960م..

   * كذلك، ترك الشيخ شلتوت - غير الشجاعة في الحق.. والنموذج الخلقي الرفيع.. والإنجازات العلمية الكبيرة.. والنشاط الفكري والدعوي والاجتماعي - ذخيرة من الأعمال العلمية التي ضمت مشروعه الفكري في الاجتهاد والتجديد.. ومن أهم هذه الأعمال العلمية:

   1- فقه القرآن والسنة.

   2- مقارنة المذاهب.

   3- يسألونك - (وهي إجابات عن أسئلة إذاعية).

   4- منهج القرآن في بناء المجتمع.

   5- المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية.

   6- القرآن والقتال.

   7- القرآن والمرأة.

   8- تنظيم العلاقات الدولية في الإسلام.

   9- الإسلام والوجود الدولي للمسلمين.

   10- تنظيم النسل.

   11- رسالة الأزهر.

   12- إلى القرآن الكريم.

   13- الإسلام عقيدة وشريعة - طبعة دار الشروق - العاشرة - القاهرة 1400هـ / 1980م.

   14- من توجيهات الإسلام - طبعة دار الشروق - السابعة - القاهرة 1400هـ / 1980م.

   15- الفتاوى - طبعة دار الشروق - العاشرة - 1400هـ / 1980م.

   16- تفسير القرآن الكريم (عشرة الأجزاء الأولى) طبعة دار الشروق - السابعة 1399هـ / 1979م.

   - ولقد ضمت طبعة دار الشروق لكتبه الأربعة الأخيرة أغلب دراساته الأخرى.. فكأنها قريبة من أعماله الفكرية الكاملة.

   * تلك هي أبرز معالم هذه السيرة العطرة.. والمسيرة العلمية الخصبة لهذا الإمام العظيم - الشيخ محمود شلتوت - عليه رحمة اللّه(33).

3- الاجتهاد والتجديد

   كان الشيخ محمود شلتوت رائدا من رواد النهضة الإسلامية، وواعيا بأننا إذا لم نقدم الإسلام نموذجا حضاريا لنهضة الأمة الإسلامية، فإن النموذج التغريبي اللاديني، الذي يبشر به الاستعمار والمتغربون من أبناء الشرق، جاهز لملء الفراغ الذي يصنعه الجمود والتقليد.. ولذلك، كان جهاده - على امتداد ما يقرب من نصف قرن - كبيرا من أجل تجديد دين الإسلام لتجدد به دنيا المسلمين.. وكثيرا ما تحدث عن الإسلام باعتباره «دين الفكر، ودين العقل، ودين العلم».. وعن رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله) الذي لم يقدم حجة على رسالته إلا ما كان طريقها العقل والنظر والتفكير، والذي لم يشأ له ربه أن يحقق للقوم ما كانوا يطلبون من خوارق حسية تخضع لها أعناقهم: (وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه، قل إنما الآيات عند اللّه وإنما أنا نذير مبين. أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يُتلى عليهم. إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون) (34).

   وتحدث عن القرآن الكريم «الذي ارتفع بالعقل، وسجل أن إهماله في الدنيا سيكون سببا في عذاب الآخرة، فقال حكاية لما يجري على ألسنة الذين ضلوا ولم يستعملوا عقولهم في معرفة الحق والعمل به: (لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير) (35).

   «وكان من مقتضيات أن الإسلام دين العقل، ودين العلم، أنه حذر من اتباع الظن، وجعل البرهان والحجة أساس الإيمان ] قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون[ (36).

   ومن هنا كثرت آيات القرآن الواردة في ذم التقليد والجمود على ما كان عليه سلفهم، وجرى الخلف وراء السلف، دون نظر واستدلال.. وكأنهم يرون أن السبق الزمني يخلع على خطة السابقين وآرائهم في المعتقدات وأفهامهم في النصوص قداسة الحق وسلطان البرهان، فالتزموها وتقيدوا بها، وسلبوا أنفسهم خاصة الإنسان، خاصة البحث والنظر (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل اللّه. قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) (37).

   «فالجمود عند الموروث، والاكتفاء به مصادم لما تقضي به طبيعة الكون وطبيعة كل حي من النمو والتوليد.. والتناسل الفكري كالتناسل النباتي والحيواني والإنساني، كلاهما شأن لابد منه في الحياة، ولو وقف التناسل الفكري لارتطم الإنسان في حياته بكثرة ما تلد الطبيعيات التي هو منها، وعندئذ يعجز عن تدبير الحياة النامية.. فيتحقق فشله في القيام بمهمة الخلافة الأرضية التي اختير لها ووكلت إليه منذ القدم»..

   «وكذلك.. فالجمود على آراء المتقدمين، لمجرد أنهم متقدمون، فيه سلب لمزية الإنسان في التمييز بين الحق والباطل، والملائم وغير الملائم.. فيقاد بالزمام، وزمامه صور الآباء والأجداد، فهي دائما تجذبه القهقرى، ولا تجد من نفسه عونا على التقدم، فيقع في ضيق من الحياة المتجددة حوله (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا) (38).. ويظل كذلك حتى تنزل به غاشية من صولة الطبيعة النامية، فتذهب به إلى حيث ذهب الغافلون..

   فالجمود جناية على الفطرة البشرية، وسلب لمزية العقل التي امتاز بها الإنسان، وإهدار لحجة اللّه على عباده، وتمسك بما لا وزن له عند اللّه..» (39).

   ولهذا، دعا الشيخ شلتوت إلى ما أسماه «التجديد الانقلابي» - أي الجذري والعميق - في العقلية الأزهرية خاصة، والعقلية الإسلامية عامة، وذلك حتى تكون عصور الازدهار الحضاري هي المرجعية الفكرية لهذه العقلية - وليس عصور التراجع الحضاري - وحتى تتزامل هذه الفكرة التجديدية مع فقه الواقع المعيش في التأسيس لفكر إسلامي أصيل وجديد في ذات الوقت.

   ومما قاله عن هذا «التجديد الانقلابي» - لمؤتمر الملحقين الثقافيين - وهو وكيل للأزهر - في 8 صفر 1378هـ / 24 أغسطس 1958م:

   «إن هذا الذي نريده للأزهر هو في واقعه انقلاب، ولكنه انقلاب محبب للنفوس الغيورة على ماضيها، المتطلعة إلى مستقبلها. انقلاب يصل بالعقلية الأزهرية إلى الفكر الأصيل يوم كان خالصا في موقفه من القرآن، وفي تعبيره عن تعاليم القرآن، وهو في الوقت نفسه يربط العقلية الأزهرية، أو الفكرة الإسلامية السليمة بالحياة الواقعية، التي يعيش فيه العالم اليوم، والتي تتجاذبها تيارات فكرية متعارضة، يجب أن يقف العقل الأزهري أمامها ليقي الجماعة الإسلامية غزوها، وليحفظها من الانحلال والذوبان في غيره..» (40).

   الانقلابي باعتباره «سبيل أمتنا إلى الزعامة» والإمامة في هذه الحياة.. ولقد كتب عن هذا المقصد فقال:

   «إن سبيل أمتنا إلى الزعامة هو مقاومة الفكر الوافد إلينا عن طريق الاستشراق والإلحاد، هذا الفكر الذي من شأنه أن يزعزع القيم الإسلامية في النفوس، وأن يمزق وحدة المسلمين والعرب عن طريق الغزو العقلي، الذي يملك على الناس قلوبهم، ويصرفهم عن أنفسهم إلى ما يريد..

   ولا يظن ظان أننا بهذا نسد على أنفسنا مجال الانتفاع بما قد يكون من نتائج البحث الأجنبي الدقيق في مظاهر الحياة العامة ووسائلها، فنحن نفسح أمام أنفسنا مجال ذلك، والإسلام يدفعنا إليه.

   إن محمد بن عبد اللّه - عليه صلوات اللّه - لم يتجه إلى مكافحة الغزو السياسي والاقتصادي في بيئته إلا بعد أن تمت له مكافحة الغزو العقلي فيها، عن طريق محو الشرك والوثنية، وعن طريق الإيمان باللّه وحده.

   وحينما تمت له مكافحة هذا الغزو القلبي، اتجه بالإيمان نفسه إلى مكافحة

الغزو السياسي، حفظا لشخصية الجماعة، وحفظا لمبادئها في النفوس، واتجه كذلك إلى مكافحة الغزو الاقتصادي عن طريق منع الاستغلال والاحتكار والطغيان المالي، وبذلك كملت لشخصيته عناصر الاستقلال المطلق الكامل:

   واستقلال السياسة..

   واستقلال الاقتصاد..

   وما كان ذلك كله إلا بفهم القرآن، والاتصال بالحياة الواقعية.. وهذه هي قمة المجد وطريق السؤدد..» (41).

   ولقد جاء المشروع الفكري للشيخ شلتوت تجسيدا للاجتهاد على جبهة هذا التجديد.. هذه الجبهة التي امتدت لتشمل مختلف قضايا الدين والدنيا.. الأمر الذي يجعل الإحاطة بمعالم مواقع هذه الجبهة رهنا بإشارات إلى معالم إبداعه التجديدي في هذه القضايا - التي شملت - ضمن ما شملت -: 1- العقائد الإسلامية 2- وعالم الغيب 3- والسنة النبوية 4- والبدعة.. والإبداع 5- والدين والدولة 6- والشورى والاستبداد 7- والأموال والثروات 8- والمعاملات المالية المستحدثة 9- والموقف من الشيوعية والفلسفة المادية 10- ونظرية التطور والنشوء والارتقاء 11- وتكفير من لم يحكم بما أنزل اللّه 12- والإنصاف الإسلامي للمرأة 13- والزواج السري 14 - وزواج المتعة 15 - والنسل بين التجديد والتنظيم 16- والموقف الإسلامي من الفنون الجميلة 17- والتقريب بين المذاهب الإسلامية.

 ففي العقائد الإسلامية

   دعا الشيخ شلتوت - انطلاقا من الأصول الفكرية لمدرسة الإحياء والتجديد - إلى إثبات العقائد بالنصوص القطعية الدلالة والثبوت.. وكل القرآن قطعي الثبوت.. ومعه في هذه القطعية الحديث النبوي المتواتر، وإن كان نادرا . وكذلك الرجوع إلى البرهان الذي يملأ القلب في إثبات هذه العقائد - التي هي لب الدين - فهي لا تثبت بالإكراه.. ولا بالخوارق الحسية التي تدهش العقول - لأن المطلوب في العقائد هو إعمال العقول، لا إدهاشها - أما أحاديث الآحاد - وهي ظنية الثبوت، ومن ثم ظنية الدلالة - فلا تثبت بها العقائد، وإنما هي مصدر في الأمور العملية.

   «إن الطريق الوحيد لثبوت العقائد هو القرآن الكريم، وذلك فيما كان من آياته قطعي الدلالة (يحتمل معنيين فأكثر).. وأما ما كان غير قطعي في دلالته، محتملا لمعنيين فأكثر، فهذا لا يصح أن يتخذ دليلا على عقيدة يُحكم على منكرها بأنه كافر، وذلك كالآيات التي استدل بها بعض العلماء على رؤية اللّه بالأبصار في الدار الآخرة.. وكل القرآن قطعي الورود..

   والظنية تلحق السنة من جهتي الورود والدلالة.. ومتى لحقت الظنية الحديث - ظنية الورود أو ظنية الدلالة، أو هما معا - فلا يمكن أن تثبت به عقيدة يكفر منكرها، وإنما يثبت الحديث العقيدة وينهض حجة عليها إذا كان قطعيا في جميع طبقاته: أوله ومنتهاه ووسطه.. وهو عند التحقيق رواية الكافة عن الكافة.

   ونصوص العلماء من المتكلمين والأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة، وذلك ضروري لا يصح أن ينازع أحد في شيء منه.. ومن قال إن خبر الواحد يفيد العلم، فمعناه العلم بمعنى الظن، أو العلم بوجوب العمل، وليس العلم بمعنى اليقين الذي تثبت به العقيدة.. ومن الناس من يحدث العلم في نفسه بما هو أقل من خبر الواحد، ولكن لا يكون ذلك حجة على أحد، ولا تثبت به عقيدة يكفر جاحدها، فإن اللّه لم يكلف عباده عقيدة من العقائد عن طريق من شأنه ألا يفيد إلا الظن.. فأحاديث الآحاد لا تفيد عقيدة، ولا يصح الاعتماد عليها في شأن المغيبات، وهذا قول مجمع عليه وثابت بحكم الضرورة العقلية التي لا مجال للخلاف فيها عند العقلاء..» (42).

 وفي الغيب

   يجب الإيمان بعالم الغيب، عقيدة من عقائد الإسلام (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب...) (43).. مع الاقتصار في أنباء الغيب - الذي هو خاصية من خصائص الإسلام - والوقوف في أخبار الغيب عند النصوص القطعية الدلالة والثبوت.. وعند لفظ الوارد، دون خيالات، ولا تأويلات.. وصرف وتفسير ما يمكن صرفه وفق السنن الكونية إلى هذه السنن، بدلا من صرفه إلى الإعجاز.

   «وقد تتبع بعض المفسرين غرائب الأخبار التي ليس لها سند صحيح، وأغدقوا من شرها على الناس وعلى القرآن، وكان جديرا بهم أن يقيموا بينها وبين الناس سدا يقيهم البلبلة الفكرية فيما يتصل بالغيب الذي استأثر اللّه بعلمه، ولم ير فائدة لعباده في أن يطلعهم على شيء منه.

   وإذا كان للناس بطبيعتهم ولع بسماع الغرائب وقراءتها، فما أشد أثرها في إلهائهم عن التفكير النافع فيما تضمنه القرآن من آيات العقائد والأخلاق وصالح الأعمال.

   والذي أحب أن أقرره.. فيما أخبر اللّه به من شؤون الغيب التي لم يتصل بها بيان قاطع عن الرسول، من الدابة، والصُّور، ونحوهما، هو: أنا نؤمن به على القدر الذي أخبر اللّه به دون صرف اللفظ عن معناه، ودون زيادة عما تضمنه الخبر الصادق، فنؤمن مثلا بأنه سيكون في آخر الدنيا صور ينفخ فيه، فتكون صعقة، ثم ينفخ فيه أخرى، فيكون البعث، أما الخوض في حقيقته ومقداره وكيفية النفخ فيه، أو حمله على أنه تمثيل لسرعة إفناء العالم وبعثه بسرعة النفخة المعروفة للناس، فإنه رجم بالغيب، وتقوّل على اللّه بغير حق.

   ونؤمن بأن القرآن - كما أخبر اللّه - في لوح محفوظ، أما الخوض في حقيقته أو تأويله بأنه تمثيل لصونه عن التغيير والتبديل، فإنه رجم بالغيب، وتقوّل على اللّه بغير حق.

   نعم. يجب الوقوف في الإيمان بالغيب عند الحد الذي جاء به الخبر الصادق، ولا ينبغي التصرف فيه بالحمل على التمثيل، أو الزيادة عليه، وضم شيء إليه، فضلا عن استبعاده أو إنكاره، وهذا هو شأن المؤمنين باللّه، وبكتابه وغيبه..» (44).

 

وفي السنة النبوية

   والعلم النبوي، يجب التمييز بين السنة التشريعية.. وبين السنة غير التشريعية.. كذلك يجب التمييز في السنة التشريعية بين ما هو تشريع عام، إذا كان بيانا لمجمل القرآن، أو تخصيصا لعمومه، أو تقييدا لمطلقه، أو في شؤون العبادات.. والحلال والحرام.. والعقائد والأخلاق.. يجب التمييز بين هذا التشريع العام - في السنة التشريعية - وبين ما فيها من تشريع غير عام، مثل ما جاء فيها من تصرفات الرسول(صلى الله عليه وآله)، يوصف الإمامة وسياسة الدولة.. ويوصف القضاء في المنازعات، بناء على البينة واليمين.

   أما السنة غير التشريعية.. فمنها سنة العادة.. والحاجات البشرية والاجتماعية.. والخبرات الإنسانية.

   «فينبغي أن يلاحظ أن كل ما ورد عن النبي(صلى الله عليه وآله) ودوّنَ في كتب الحديث من أقواله وأفعاله وتقريراته، على أقسام:

   أحدها: ما سبيله سبيل الحاجات البشرية، كالأكل والشرب والنوم والمشي والتزاور، والمصالحة بين شخصين بالطرق العرفية، والشفاعة، والمساومة في البيع والشراء.

   ثانيها: ما سبيله سبيل التجارب والعادة الشخصية أو الاجتماعية، كالذي ورد في شؤون الزراعة والطب، وطول اللباس وقصره.

   ثالثها: ما سبيله التدبير الإنساني أخذا من الظروف الخاصة، كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية، وتنظيم الصفوف في الموقعة الواحدة، والكمون والكر والفر، واختيار أماكن النزول، وما إلى ذلك مما يعتمد على وحي الظروف والدربة الخاصة.

   وكل ما نقل من هذه الأنواع الثلاثة ليس شرعا، يتعلق به طلب الفعل أو الترك، وإنما هو من الشؤون البشرية التي ليس مسلك الرسول(صلى الله عليه وآله) فيها تشريعا ولا مصدر تشريع.

   رابعها: ماكان سبيله التشريع، وهو على أقسام:

   أولاً: مايصدر عن الرسول(صلى الله عليه وآله) على وجه التبليغ بصفة أنه رسول، كأن يبين مجملا في الكتاب، أو يخصص عاما، أو يقيد مطلقا، أو يبين شأنا في العبادات، أو الحلال والحرام، أو العقائد والأخلاق، أو شأنا متصلا بشيء مما ذكر.

   وهذا النوع تشريع عام إلى يوم القيامة، فإن كان منهيا عنه اجتذبه كل إنسان بنفسه، لا يتوقف في ذلك على شيء سوى العلم به والوصول إليه.

   ثانياً: ما يصدر عنه(صلى الله عليه وآله) بوصف الإمامة والرياسة العامة لجماعة المسلمين: كبعث الجيوش للقتال، وصرف أموال بيت المال في جهاتها، وجمعها من محالها، وتولية القضاة والولاة، وقسمة الغنائم، وعقد المعاهدات، وغير ذلك مما هو من شأن الإمامة والتدبير العام لمصلحة الجماعة.

   وحكم هذا أنه ليس تشريعا عاما، فلا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن الإمام، وليس لأحد أن يفعل شيئا منه من تلقاء نفسه بحجة أن النبي فعله أو طلبه.

   ثالثاً: ما يصدر عنه(صلى الله عليه وآله) بوصف القضاء، فإنه كما كان رسولا يبلغ الأحكام عن ربه، ورئيسا عاما للمسلمين ينظم شؤونهم ويدبر سياستهم، كان عليه الصلاة والسلام مع ذلك قاضيا يفصل في الدعاوي بالبينات، أو الأيمان أو النكول.

   وحكم هذا كسابقه، ليس تشريعا عاما، حتى يجوز لأي إنسان أن يقدم عليه بناء على قضائه به وفصله فيه بحكم معين، بين من حكم بينهم. بل يتقيد المكلف فيه بحكم الحاكم، لأن الرسول تصرف بوصف القضاء، ومن هذه الجهة لايلزم المكلف إلا بقضاء مثله، فمن كان له حق على آخر، ويجحده، وله عليه بينة فليس له أن يأخذ حقه إلا بحكم الحاكم، لأن هذا هو الذي كان شأن أخذ الحقوق عند التجاحد على عهد الرسول(صلى الله عليه وآله).

   هذا ومن المفيد جدا معرفة الجهة التي صدر عنها التصرف، وكثيرا ما تخفي فيما ينقل عنه (صلى الله عليه وآله) ولا ينظر فيه إلا من جهة أن الرسول فعله أو قاله أو أقره، ومن هنا نجد أن كثيرا مما ينقل عنه(صلى الله عليه وآله) صُوِّر بأنه شرع أو دين، وسنة أو مندوب، وهو لم يكن في الحقيقة صادرا على وجه التشريع أصلا. وقد كثر ذلك في أفعاله الصادرة عنه (صلى الله عليه وآله) بصفة البشرية، أو بصفة العادة والتجارب.

   ونجد أيضاً أن ماصور على وجه الإمامة أو القضاء، قد يؤخذ على أنه تشريع عام، ومن ذلك تضطرب الأحكام وتختلط الجهات..» (45).

 

وفي البدعة.. والإبداع

   يجب التمييز بين البدعة المحرمة، وهي ما كانت في العقائد.. والعبادات..والحلال والحرام.. وبين الإبداع في شؤون الدنيا، فهو مطلوب.. ذلك «أن الابتداع في الدين إنما يكون فيما تعبدنا اللّه به من عقيدة أو عبادة أو حل وحرمة.. فالابتداع في الدين هو الابتداع الذي يخرج به المؤمن عن دائرة الرسالة الإلهية، وهو الابتداع الذي يغتصب به المبتدع حق اللّه في تشريع هو له وحده.. هو الابتداع الذي به يضع المبتدع نفسه موضع من يرى أن العبادات والعقائد - التي رسمها اللّه ليتقرب بها عباده إليه - ناقصة أو فاسدة، فأكملها أو أصلحها بابتداعه، أو موضع من يرى أن الرسول، (صلى الله عليه وآله) الذي اصطفاه اللّه لتبليغ دينه قد قصر فيما أمر بتبليغه، وحجز عن عباد اللّه ما يقربهم إليه.

   أما ما لم يتعبدنا اللّه بشيء منه - وإنما فوض لنا الأمر فيه باختيار مانراه موافقا لمصلحتنا ومحققا لخيرنا بحسب العصور والبيئات - فإن التصرف فيه بالتنظيم أو التغيير لا يكون من الابتداع الذي يؤثر على تدين الإنسان وعلاقته بربه، بل إن الابتداع فيه من مقتضيات التطور الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حد الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والأجداد»(46).

 وفي علاقة الدين بالدولة

   ربط الإسلام الدين بالدولة، والدولة بالدين.. فلا يتصور قيام الإسلام بلا دولة. والإسلام هو أساس سياسة الدولة.. ومع هذا، فالسلطة الدينية مرفوضة إسلاميا، في التفسير والفهم للنص الديني.. وفي سلطات الخليفة والإمام.. وفي أحكام القاضي.. وفي فتاوى المفتين..

 ومبادئ الإسلام في الحكم هي

   1- السيادة: للّه وحده، لأنه الخالق المالك. وهي في كل شعب للشعب نفسه بعد اللّه الذي استخلفه في وطنه.

   2- الحكم: للّه، وهو حقه، وحقّ الشعب يباشره نيابة عن اللّه.

   3- الحاكم: وكيل للأمة، وليس له عليها سيادة، بل هي سيدته، وهو خادمها الأمين.

   4- الشورى: أساس الحكم، وكل حكم لا يقوم على الشورى لا يكون شرعيا.

   5- التضامن الجماعي: الأفراد جميعا يتضامنون في المسؤولية عن صوالحهم وصوالح الدين والدولة.

   6- الرقابة الشعبية: حق للأمة أن تراقب حكامها، وتحاسبهم، وترسم لهم خطوط تدبير مصالحها، وتشرف على التنفيذ، وتعدله حسب مصلحتها.

   7- عزل الخليفة: للأمة إذا جار وظلم وظهر غشمه ولم يرعوِ لناصح أو زاجر، فإن رفض العزل عزلته بالقوة، ولو أدى ذلك إلى نصب الحرب وشهر السلاح في وجهه إذا رأت الأمة ذلك في مصالحها.

   8- أهل الحل والعقد: هم أهل العلم والرأي والخبرة في كل نواحي النشاط الحيوي بالأمة، وهم لسانها المعبِّر عن رضاها وسخطها، ومن حقهم ترشيح أصلحهم للخلافة، وتقديمه للأمة لترى رأيها فيه عن رضى واختيار، دون ضغط أو قهر، ومن حق كل مسلم أن يكون له رأي في اختيار الخليفة، وأن يُمكن من إعلان رأيه بحرية تامة، دون أن يضار بسبب رأيه ولو خالف الأغلبية، وعليه مع هذا أن يلزم الجماعة.

   9- هدف الحكم: سعادة المحكومين، وتحقيق السلام في الداخل، والعزة في الخارج، ونشر السلام»(47).

   «. والإسلام لا يخص أحدا بحق الاستثناء بتفسير النصوص، ولا بحق إلزام الناس برأيه، بل يمنح هذا الحق لكل مسلم حائز لأهلية البحث.. والخليفة أو الإمام ليس معصوما من الخطأ، ولا هو مهبط الوحي، ولا أثرة له بالنظر والفهم، وليس له سوى النصح والإرشاد، وإقامة الحدود والأحكام في دائرة ما رسم اللّه، وتعزله إذا انحرف عن الحدود واقتحم حدود اللّه.

   وكما أن هذا وضع الخليفة، فهو وضع القاضي والمفتي، وشيخ الإسلام و«الملاّ». فوظيفة القاضي لا تعدو الفصل في الخصومات.. ووظيفة المفتي لا تعدو بيان المسائل التي يُسأل عنها.. وفتواه ليست ملزمة لمن يستفتيه، للمستفتي مطالبته بالدليل، وله أن يستفتي غيره ممن يطمئن إلى علمه.

   أما شيخ الإسلام، والملا، فإن المسلمين لا يعرفونهما إلا لقبين علميين شاع في بعض العصور والأقطار إطلاقهما على من عرفوا في بيئاتهم بامتياز خاص في علوم الدين والشريعة، ولا يرتبط بهما حق تحليل أو تحريم في الشريعة، وليس لهما من حق في العصمة من الخطأ، بل لا يعرفهما الإسلام.. (48).

 والاستبداد والشورى

   الاستبداد عدو الإنسانية.. والشورى: فريضة إسلامية.. وصفة من صفات الأمة المؤمنة.. وهي حق لجمهور الأمة، تأثم جميعها بتركه.. وهي عامة في كل ميادين الحياة.. وملزمة.. وليست مجرد «محمدة اختيارية»، كما يذهب إلى ذلك صنائع الملوك المستبدين..

   «. وبتقرير القرآن مبدأ الشورى، قضى الإسلام على عدو الإنسانية الفاضلة ومفسدها، الاستبداد بالحكم والرأي، واحتكار التشريع والتصريف والإدارة. وحقق للفرد كرامته الفكرية، وللجماعة حقها الطبيعي في تدبير شؤنها، والقرآن لا يريد من «الشورى» حين يضعها بين عنصري الصلاة، والإنفاق في سبيل اللّه (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) (49)، لا يريد هذه الصورة الهزلية التي ألفناها في الماضي، وتواضع أرباب البغي والاحتكار عليها، واتخاذها ستارا يخفون به طغيانهم النفسي في إرادة سلب الحق، وإنما يريدها حقيقة نقية في واقعها، كما يريد من الصلاة والإنفاق حقيقتهما المحققة لأثرهما، الخالصة مما يكدر صفوها.

   والإسلام لا يمكن أن يهمل من أصول الحكم ذلك المبدأ الطبيعي في الحياة، وهو «الشورى»، كما لا يمكن أن يريده حين يضعه «محمدة اختيارية» يقصد بها مجرد تأليف القلوب، وتطييب النفوس، دون العمل به. كما يذهب إلى ذلك صنائع الملوك المستبدين، ولا أن يريده «صورة مفتعلة» يبرر بها أرباب الطغيان طغيانهم، وإنما يريده أمرا ثابتا مقررا، مأمورا به، هو حق للأمة تأخذه بالقوة، وواجب عليها، تأثم جميعها بتركه، وحقيقة لها أثرها العملي في الحكم وسياسة الجماعة.

   وإذن، فالشورى التي تنسج خيوطها بكثيرة العدد، أو عن طريق الإغراء والإرهاب لا قيمة لها عند اللّه، والشورى التي تجعل من الفرد المفسد، أو الذي لا يعقل حاكما بأمره في الأمة، لا قيمة لها عند اللّه، والشورى التي لا يجد المخلصون في جوها متنفسا يكشفون فيه عن عبث العابثين، وفساد المفسدين، لاقيمة لها عند اللّه، والشورى التي يلبس المنافقون في جوها مسوح الصدق والإخلاص، ويكتمون عن الحاكم المخلص بذور الشر والفساد لا قيمة لها عند اللّه»(50).

 وفي الأموال والثروات:

   الملكية الحقيقية - ملكية الرقبة - في الأموال والثروات - للّه سبحانه وتعالى.. والنّاس - الأمة - مستخلفون فيها، لهم فيها ملكية مجازية واجتماعية، محكومة بالشريعة - التي هي بنود عقد وعهد الاستخلاف.. والاستخلاف في الأموال والثروات فلسفة مالية إسلامية متميزة بين الفلسفات المالية والاجتماعية، تمثل الوسطية بين الطغيان المالي للرأسمالية، وبين التفريط الشيوعي - بإلغاء الملكية ومصادمة الحوافز الفطرية.. ولذلك بلغت هذه الفلسفة الإسلامية في الأموال والثروات عن طريق العدل الاجتماعي مالم يبلغه دعاة الاشتراكية الغربية».

«ففائدة المال يجب أنّ تعم المجتمع كله ، لتقضي به حاجته .. ولقد أضاف الله (سبحانه وتعالى) ـ المال تارة إلى نفسه ـ تنويها بشأنه ـ وجعل المالكين له ورسوله وأنقوا مما جعلكم مستخلفين فيه[ (51) ،] وآتوهم من مال الله الذي آتاكم [ (52)،واضافه اخرى إلى الجماعة ، وجعله كله بتلك الإضافة ملكالها ] ولا تأكلوا أموالك بينكم بالباطل[ (53)،] ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما[ (54). وأرشد بذلك إلى أن الاعتداء عليها، أو التصرف السيء فيها، هو اعتداء أو تصرف سيء واقع على الجميع..

   وإذا كان المال مال اللّه، وكان الناس جميعا عباد اللّه، وكانت الحياة التي يعملون فيها ويعمرونها بمال اللّه، هي للّه، كان من الضروري أن يكون المال - وإن ربط باسم شخص معين - لجميع عباد اللّه، يحافظ عليه الجميع، وينتفع به الجميع، وقد أرشد إلى ذلك قوله تعالى: ] هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا[ (55).

   ومهما رفع دعاة الاشتراكية رؤوسهم ونادوا بها فيما بين الناس، فإنك لست واجداً في تعبيرهم ولا في واقع حياتهم ما يقرب من تلك الاشتراكية النابعة من ضمير الإيمان، والتي يجعلها الإسلام دينا مقترنا - في الدعوة إليه - بالصلاة وشهادة التوحيد، والتي يكون بها كل المال ملكا للأمة، تحفظه اليد المستخلفة فيه وتنميه، ثم تنتفع به كلها.. فهو منها كلها، وهو إليها كلها، وما اليد المعطية واليد الآخذة، إلا يدان لشخصية واحدة، كلتاهما تعمل لخدمة تلك الشخصية، ولا خادم منها ولا مخدوم، وإنما هما خادمان لشخصية واحدة هي «شخصية المجتمع»، الذي لاقوام له ولا بقاء إلا بتكافل هاتين اليدين على خيره وبقائه.

   ولعل بهذا يظهر معنى «الوسيطة» التي حل بها الإسلام المشكلة المالية، تلكم المشكلة التي ظل بها العالم، في أمسه وحاضره يرتدد بين طرفي الإفراط، بالطغيان المالي، والتفريط، بإلغاء الملكية الفردية وبذلك تقطعت أواصر الرحم الإنساني، وسخّر الأغنياء الفقراء، وثار الفقراء على الأغنياء، ونشبت الحروب المدمرة، وأفلست دعاوى المدعين، الذين يخدمون أنفسهم في واقع الأمر ويتظاهرون بخدمة المجتمع الإنساني، وما ربك بغافل عما يفعلون..» (56).

 وفي المعاملات المالية المستحدثة

   تلك التي لم تعرفها العصور الإسلامية السابقة، ومن ثم لم تعرض لها اجتهادات الفقهاء الأقدمين.. والتي تحتاج إلى نظر جديد وفقه جديد، يبدأ بفقه الواقع الجديد، ثم يبحث لهذا الواقع الجديد عن الحكم الذي لا يخالف روح الشريعة، وقواعد الفقه ونظرياته.. ومن هذه المعاملات المستحدثة.

   1- الشركات المساهمة: المحدد ربح الأسهم فيها.. وهي حلال، لأنها معاملة مستجدة، وليست من المضاربة، حتى يشترط فيها عدم تحديد نسبة الربح «إنها نوع جديد من الشركة أحدثه أهل التفكير في طريق الاقتصاد والاستثمار، ولم يكن معروفا للفقهاء من قبل.

   وإذا كانت هذه الشركات إنما تنشأ للبقاء والاستمرار، ورأى مؤسسوها لذلك أن توزع أرباحها بنسب للأسهم ثابتة على مرتبات العمال وعلى دعم رأس المال وجهات الخير وأرباب الأسهم، كان ذلك خيرا لا ظلم فيه لأحد ولا استغلال فيه لحاجة أحد، بل كله نفع وفائدة ولابد أن تكون هذه الشركات قد ضمّت في قانونها الأساسي فرض الاحتمالات من جهة عجز الإنتاج عن قيامها بتلك الجهات، وجهة الخسارة التي تلحق رأس المال ووضعت لها أحكاما خاصة يعرفها المساهمون ويطمئنون إليها دون أن تنقطع الشركة بينهم.

   ومن هذا يتبين أن هذه الشركات ليست ربوية تستغل حاجة المحتاجين، وليست من مضاربة الفقهاء، حتى تكون فاسدة بتحديد الربح على فرض تسليم شروطهم في المضاربة..»

   2- الأسهم: داخلة في المضاربة، ولذلك يخضع عائدها للربح والخسارة.

   3- والسندات: هي قرض بفائدة محددة. فهي ربا.. ولا تجوز إلا للضرورة الواضحة. «والفرق بين الأسهم والسندات، أن الأسهم من الشركات التي أباحها الإسلام باسم المضاربة، وهي التي تتبع الأسهم فيها ربح الشركة وخسارتها وأما السندات، وهي القرض بفائدة معينة لا تتبع الربح والخسارة، فإن الإسلام لا يبيحها إلا حيث دعت الضرورة، التي تفوق أضرار السندات التي يعرفها الناس ويقررها الاقتصاديون.

   ولو أن الأمم الإسلامية تكاتفت على وضع أساس اقتصادي يحقق مصالحها ويقيها شر التحكم الأجنبي، لوجدوا من مبادئ الإسلامى الاقتصادية ما يجعلهم في مقدمة الأمم اقتصاديا وقوة وحضارة.

   4- وصندوق التوفير: معاملة جديدة.. ربحها المحدد حلال.. وهي ليست مضاربة، حتى يحرم تحديد ربحها، وليست قرضا حتى تحرم المنفعة التي تجرها.. «فالربح الذي تدفعه مصلحة البريد لأصحاب الأموال المودعة في صندوق التوفير.. حلال لا حرمة فيه. ذلك أن المال المودع لم يكن دينا لصاحبه على صندوق التوفير، ولم يقترضه صندوق التوفير منه، وإنما تقدم به صاحبه إلى مصلحة البريد من تلقاء نفسه طائعا مختارا ملتمسا قبول المصلحة إياه، وهو يعرف أن المصلحة تستغل الأموال المودعة لديها في مواد تجارية ويندر فيها - إن لم يعدم - الكساد والخسران.

   وقد قصد بهذا الإيداع أولا: حفظ ماله من الضياع، وتعويد نفسه على التوفير والاقتصاد. وقصد ثانيا: إمداد المصلحة بزيادة رأس مالها; ليتسع نطاق معاملاتها، وتكثر أرباحها فينتفع العمال والموظفون وتنتفع الحكومة بفاضل الأرباح.

   ولا شك أن هذين الأمرين - تعويد النفس على الاقتصاد، ومساعدة المصلحة الحكومية - غرضان شريفان كلاهما خير وبركة، ويستحق صاحبهما التشجيع، فإذا ما عينت المصلحة لهذا التشجيع قدرا من أرباحها منسوبا إلى المال المودع أي نسبة تريد، وتقدمت به إلى صاحب المال كانت دون شك معاملة ذات نفع تعاوني عام، يشمل خيرها صاحب المال والعمال والحكومة وليس فيها مع هذا النفع العام أدنى شائبة لظلم أحد، أو استغلال لحاجة أحد، ولا يتوقف حل هذه المعاملة على أن تندمج في نوع من أنواع الشركات التي عرفها الفقهاء، وتحدثوا عنها وعن أحكامها، فهذه المعاملة - بكيفيتها وبظروفها كلها وبضمان أرباحها - لم تكن معروفة لفقهائنا الأولين وقت أن بحثوا الشركة ونوعها واشترطوا فيها ما اشترطوا.

   وليس من ريب في أن التقدم البشري أحدث في الاقتصاديات أنواعا من العقود والاتفاقيات المركزة على أسس صحيحة لم تكن معروفة من قبل، ومادام الميزان الشرعي في حل التعامل وحرمته قائما في كتاب اللّه ] والله يعلم المفسد من المصلح[ (57)، ] لا تظلمون ولا تظلمون[ (58) ، فما علينا أنّ نحكِّمه ، ونسير على مقتضاه.

ومن هنا يتبين أنّ الربح المذكور ليس فائدة لدين حتى يكون ربا ، ولا منفعة جرها قرض حتى يكون حراما ، على فرض صحة النهى عنه ، وإنما هو ـ كما قلنا ـ تشجيع على التوفير والتعاون اللذين يستحبهما الشرع (59).

  5- والاقتراض بفائدة: ربا محرم.. لا يجوز إلا في حالة الضرورة التي تقدر بقدرها، من حيث مصدر القرض، وحجم الفائدة، وآثار الاقتراض على الاستقلال الوطني(60).

   6- والاستقلال الاقتصادي: للأمة فريضة اجتماعية.. وهو شرط لاستقلالها السياسي والإداري، وأساس لعزتها وحريتها «ولقد قرر علماء الإسلام أن كل مالا يستغني عنه في قوام أمور الدنيا، فتعلمه ووجوده من فروض الكفاية، قالوا: ومن ذلك أصول الصناعات، مما هو ضروري، أو كالضروري.. ويسر الحياة.. ودفع الحرج عن الناس.. فإذا لم يتحقق ذلك في الأمة كلها، أثمت الأمة كلها.

   وليس من ريب في أن أساس هذه الفريضة هو العمل على تحقيق المبدأ الإسلامي الذي يوجبه الإسلام على أهله، وهو مبدأ. استقلال الجماعة الإسلامية، في تحقيق ما تحتاج إليه من الضروريات والحاجات فيما بينها وبيد أبنائها دون أن تمد يدها إلى غيرها من الأمم. وبذلك لاتجد الأمم الأخرى - ذات الصناعات والتجارات - سبيلا إلى التدخل في شؤونها، فتظل محتفظة بكيانها وعزتها ونظمها وتقاليدها، وخيرات بلادها. وكثيرا ما اتخذ هذا التدخل سبيلا لاشتراك الدول الأجنبية في إدارة البلاد وتنظيمها واستعمارها; استغلالا لحاجتها في الصناعات والتجارات.

   وإذا كان من قضايا العقل والدين، أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكانت الحياة متوقفة على هذه العمد الثلاثة: الزراعة، والتجارة، والصناعة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبا (61).

 

والشيوعية

   كفر وإلحاد، بسبب فلسفتها المادية.. وليس بسبب نظريتها الاقتصادية.. وهي عدوة الإسلام ولسائر الأديان. والإسلام عدو لها عداوة لا هوادة فيها. فلو كانت الشيوعية مذهبا اقتصاديا لا يمس الإيمان ولا يهتك حرمته، ولا يفتن الناس في تدينهم بأصول التعاليم الإلهية لأمكن ألاّ نقول بعداوتها للإسلام ولا بعداوة الإسلام لها.

   أما واقعها، كما ينقل عن مخترعيها، ويقرأ في كتبها أنها لا تؤمن إلا بالمادة، وأنها تنكر الألوهية والوحي والبعث، وأنها تقتحم في سبيل مادتها كل ما قدسه القرآن، وقدسته الشرائع السماوية من حرمات العقيدة والعبادة والمال والعمل والروابط الجنسية الشرعية، وما إلى ذلك من أسس الإسلام، فإنها بلا شك تكون عدوة للإسلام وعدوة لسائر الأديان السماوية، ويكون الإسلام وسائر الأديان السماوية عدوا لها عداوة لا هوادة فيها (62).

 

وفي نظرية التطور والنشوء والارتقاء

   هذه النظرية مخالفة للإسلام.. ليس بسبب القول بالتطور، وإنما بسبب زعمها تطور الإنسان عن نوع آخر. وهو زعم يرجم بالغيب، ويخالف حديث القرآن عن خلق الإنسان، فهذه النظرية التي تقول بتطور الإنسان عن نوع آخر من الحيوانات بطريقة النشوء والارتقاء نظرية لم يرفضها رجال الدين تزمتا أو تعسفا، وإنما رفضوها على أساس من الدين ونصوصه الواضحة وعلى أساس مما قرره الدين في رفض مالم يدل عليه برهان، أو يشهد بصحته حس أو تجربة.

ولقد جاء صريحا في القرآن الكريم الحديث عن خلق الإنسان ، تحدث عن خلق الإنسان الأول ومم كان ، وتحدث عن خلق أبنائه ، ومم كانوا ، وكيف كانوا، ففي خلق الإنسان الأول يقول :] ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون[ (63) ] وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين[ (64). وفي خلق أبنائه يقول :] إنا خلقناكم من ذكر وأنثى[ (65). ويقول : ] فلينظر الإنسان مم خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب[ (66) وفي تطور الأبناء من هذا الماء يقول: ] يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم[ (67).

   فهذا ونحوه خبر اللّه الصادق الذي قامت على صدقه المعجزات يحدث بأن الإنسان خلق نوعا مستقلا، ليس متطورا عن نوع آخر من الحيوانات، أيا كان ذلك النوع، وكيفما كان التشابه بينه وبين الإنسان في بعض الخصائص، وبعض الأوضاع الجسمية.

   والمسألة بعد مسألة غيبية لا يتناولها الحس ولا محل فيها للتجربة، وليس ثمة مقدمات عقلية يصل بها العقل إلى معرفة واقعها. ومثل هذه المسألة من المسائل التي ينحصر مصدر العلم بها في خصوص الخبر الصادق المؤيد بالمعجزات، الواصل إلى الناس من عالم الغيب ومكون الأنواع والمخلوقات، قد نفى القرآن أن يكون مبدأ الخلق عامة مما يعلمه الإنسان بنفسه وما منح من قوى الإدراك، قال تعالى: ] ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا[ (68). فهذا السند القوي الذي يعتمد عليه رجال الدين في رفض نظرية التطور الفردي ولم يكن رفضهم إياها مجرد تزمت(69).

 

وفي تفكير من لم يحكم بما أنزل اللّه

   الذي يستدل عليه البعض بقوله تعالى: ] ومن لم يحكم بما أنزل اللّه فأولئك هم الكافرون[ (70). رأى الشيخ شلتوت: أن القاضي المضطر إلى الحكم بغير ما أنزل اللّه هو عاص وليس كافرا.. وأن الحاكم والمشرع بغير ما أنزل اللّه إذا كان جاحدا لما أنزل اللّه فهو كافر.. أما إذا كان مضطرا أو متأولا فهو عاص وليس بكافر.. وكل ذلك في الأحكام الشرعية القطعية التي لا تأويل لها ولا اجتهاد فيها.

 

إذ الحكم الإسلامي نوعان

   1- حكم لم يرد به قرآن ولا سنة، أو ورد به أحدهما ولكن لم يكن الوارد به قطعا فيه بل محتملا له ولغيره وكان بذلك محلا لاجتهاد الفقهاء والمشرعين، فاجتهدوا فيه، ولكل ومجتهد رأيه ووجهة نظره - وأكثر الأحكام الإسلامية من هذا النوع الاجتهادي - والحكم في هذا النوع الاجتهادي لوجاء بما يخالف جميع الآراء والمذاهب الإسلامية، فان الإسلام لا يمنعه ولا يمقته فضلا عن أن يراه يخرج القاضي به عن الإسلام، ذلك أن الإسلام ليس له في هذا النوع حكم معين، وإنما حكمه هو ما يصل إليه المجتهد باجتهاده المبني على تحري المصلحة والعدل فمتى وجد العدل والمصلحة فثم شرع اللّه وحكمه.

   2- وحكم هو القطعي المنصوص عليه في كتاب اللّه وسنة رسوله الثابتة التي لم يظهر فيها خصوصية الوقت أو الحال.. والحكم بغيره، إن كان مبنيا على اعتقاد أنه أفضل منه وأنه هو لا يحقق العدل ولا المصلحة، ردة يخرج بها القاضي عن الإسلام.

   أما إذا كان القاضي الذي حكم بغيره مؤمنا بحكم اللّه، وأنه هو العدل والمصلحة دون سواه ولكنه بلد غير إسلامي، أو بلد إسلامي مغلوب على أمره في الحكم والتشريع، واضطر أن يحكم بغير حكم اللّه لمعنى آخر وراء الجحود والإنكار فان الحكم في تلك الحالة لا يكون كفرا إنما يكون معصية، وهو نظير من يتناول الخمر وهو يعتقد حرمتها.

فيجب على القاضي المسلم أنّ يرد نفسه عن الحكم متى استطاع إلى ذلك سبيلا ، وإذا لم يستطع أنّ يرد نفسه خوفا من ضرر فادح يلحقه أو يلحق جماعته ، فإن الإسلام يبيح له ذلك ، ارتكابا لأخف الضررين مادام قلبه مطمئنا إلى حكم الله . والآية ] ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون[ (71) ، حكم الهوى والشهوة.. ويشهد لذلك مجيئها في سياق قوله اللّه سبحانه: ] من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم[ (72). ومن هنا يتبين أنها ليست في حق كل من حكم حكما غير إسلامي في قضية ما(73).

 

وعن المرأة.. وعلاقتها بالرجل

   مساواة المرأة للرجل، مع توزيع العمل بينهما وفق فطرة تمايز الذكورة عن الأنوثة، وتمايز الأنوثة عن الذكورة.. هو حكم الإسلام.. فلقد رفع القرآن الكريم شأن المرأة إلى درجة لم تكن تحلم بها من قبل ولم تصل إليها من بعد في غير جو الإسلام: جعل لها حقا في المال كالرجل، ومنحها حق التصرف فيه دون رقابة عليها أو ولاية، وجعل إذنها شرطا في صحة زواجها، وجعل لها من حقوق الزوجية مثل ما عليها ، وجعلها ذات مسؤولية مستقله في العبادات والمدينات والجنائيات وفي الثواب والعقاب عند الله ] ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أثنى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا[ (74)، ] ضرب اللّه مثلا للذين كفروا امرأة نوح وأمراه لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يُغنيا عنهما من اللّه شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين. وضرب اللّه مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين[ (75). فالمرأة في وضع القرآن، لا يؤثر عليها وهي صالحة فساد الرجل وطغيانه، ولا ينفعها - وهي صالحة - صلاح الرجل وتقواه، فهي ذات مسؤولية أمام الله وفي أحكام اللّه(76).

   وليس صحيحا أن الإسلام ينتقض من أهلية المرأة في الميراث وفي الشهادة فوضع الرجل والمرأة في الميراث لا علاقة له بالإنسانية التي يشتركان فيها على سواء.. وكذلك الشهادة فقوله تعالى: ] فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان[ (77) ليس وارد في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم، وإنما هو وارد في مقام الإرشاد إلى طريق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل ] يا أيها الذين آمنوا إذ تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل، ولا يأب أن يكتب كما علمه اللّه[ ، إلى أن قال ] واستشهدوا شهيدين من رجالكم فأن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى[ .

   فالمقام مقام استيثاق على الحقوق، ولا مقام قضاء بها. والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقهما.

   وليس معنى هذا أن شهادة المرأة بواحدة أو شهادة النساء اللاتي ليس معهن رجل، لا يثبت بها الحق، ولا يحكم بها القاضي فان أقصى ما يطلبه القضاء هو البينة. وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة، وأن كل ما يتبين به الحق يظهره، وهو بينه يقضي بها القاضي ويحكم. ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن إليها. واعتبار المرأتين في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس نقص عقلها الذي يتبع نقص إنسانيتها ويكون آثراً له، وإنما لأن المراة - كما قال الشيخ عبده «ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفة ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فانها فيها أقوى ذاكرة من الرجل، ومن طبع البشر عامة أن يقوي تذكرهم للأمور التي تهمهم ويمارسونها ويكثر اشتغالهم بها».

   والآية جاءت على ما كان مألوفا في شأن المرأة، ولا يزال أكثر النساء كذلك لا يشهدن مجالس المدنيات ولا يشتغلن بأسواق المبايعات، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافي هذا الأصل الذي تقضي به طبيعتها في الحياة. وإذا كانت الآية ترشد إلى إكمال وجوه الاستيثاق وكان المتعاملون في بيئة يغلب فيها اشتغال النساء بالمبايعات وحضور مجالس المداينات كان لهم الحق في الاستيثاق بالرجل متى اطمأنوا إلى تذكرها وعدم نسيانها على نحو تذكر الرجل وعدم نسيانه. هذا وقد نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها وهي القضايا التي تجر العادة باطلاع الرجل على موضوعاتها كالولادة والبكارة وعيوب النساء في القضايا الباطنية، وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة ولا تقوى على تحملها، وما لنا نذهب بعيدا وقد نص القرآن على أن المرأة كالرجل سواء بسواء في شهادت اللعان وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجه وليس له على ما يقوله شهود ] والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات باللّه إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين[ (78).

   أربع شهادات من الرجل يعقبها استمطار لعنة اللّه عليه إن كان من الكاذبين، ويقابها ويبطل عملها أربع شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب اللّه عليها إن كان من الصادقين، فهذه عدالة الإسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة وهي عدالة تحقق أنهما في الإنسانية سواء.

   

وفي الفنون الجميلة

   الغناء والموسيقى: الأصل فيهما الحل والحرمة عارضة. وحب اللذة غريزة فطرية في الإنسان والشرع ينظمها، دون قمع ودون إفراط. وضروريات التحريم ضعيفة، أو تحدث عن توظيف الغناء والعزف في المحرمات.

   إن الأصل الذي أرجو أن يتنبه الناس إليه، هو أن اللّه خلق الإنسان بغريزة يميل بها إلى المستلذات والطيبات التي يجد لها أثراً في نفسه، به يهدأ وبه ينشط وبه تسكن جوارحه، فتراه ينشرح صدره بالمناظر الجميلة كالخضرة المنسقة والماء الصافي تلعب أمواجه والوجه الحسن الذي تنبسط أساريره، ينشرح صدره بالروائح الزكية التي تحدث خفة في الجسم والروح وينشرح صدره بلمس النعومة التي لا خشونة فيها، وينشرح صدره بلذة المعرفة في الكشف عن مجهول مخبوء، وتراه بعد هذا مطبوعا على غريزة الحب لمشتهيات الحياة وزينتها من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث.

   ولعل قيام الإنسان بمهمته في هذه الحياة ما كانت لتتم على الوجه الذي لأجله خلقه الله إلا إذا كان ذا عاطفة غريزية توجهه نحو المشتهيات وتلك المتع التي خلقها اللّه معه في الحياة، فيأخذ منها القدره الذي يحتاجه وينفعه، ومن هنا قضت الحكمة الإلهية أن يخلق الإنسان بتلك العاطفة، وصار من غير المعقول أن يطلب اللّه منه بعد أن خلقه وأودع فيه لحكمته السامية هذه العاطفة إماتتها أو مكافحتها في أصلها. لا يمكن أن يكون من أهداف الشرائع السماوية - في أي مرحلة من مراحل الإنسانية - طلب القضاء على هذه الغريزة الطبيعية التي لابد منها في هذه الحياة.

   نعم، للشرائع السماوية بازاء هذه العاطفة مطلب آخر يتلخص في كبح الجماح ومعناه: مكافحة الغريزة عن الحد الذي ينسى الإنسان واجباته أو يفسد عليه خلقه أو يحول بينه وبين أعمال هي له فيه الحياة ألزم وعليه أوجب.

ذلك هو موقف الشرائع السماوية من الغريزة وهو موقف الاعتدال والقصد لا موقف الإفراط ولا موقف التفريط ، هو موقف التنظيم لا موقف الإماتة والانتزاع . هذا أصل يجب أنّ يفهم ويجب به أنّ تتحقق أهداف الشريعة السماوية ، وقد أشار إليه القرآن في كثير من الجزئيات ] ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط[ (79) ، ] يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا[ (80) ] واقصد في مشيك واغضض من صوتك[ (81)، واذن فالشريعة توجه الإنسان في مقتضيات الغريزة إلى الحد الوسط فهي لم تنزل لانتزاع غريزة حب المال وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا جشع فيه ولا إسراف. وهي لم تنزل لانتزاع الغريزة في حب المناظر الطيبة ولا المسموعات المستلذة وإنما نزلت بتهذيبها وتعديلها على مالا ضرر فيه ولا شر. وهي لم تنزل لانتزاع غريزة الحزن وإنما نزلت بتعديلها على الوجه الذي لا هلع فيه ولا جزع. وهكذا وقفت الشريعة السماوية بالنسبة لسائر الغرائز وقد كلف اللّه العقل - الذي هو حجته على عباده - بتنظيمها على الوجه الذي جاء به شرعه ودينه، فإذا مال الإنسان إلى سماع الصوت الحسن أو النغم المستلذ من حيوان أو إنسان أو آلة كيفما كانت، أو مال إلى تعلم شيء من ذلك فقد أدى للعاطفة حقها وإذا وقف بها عند هذا الحد الذي لا يصرفه عن الواجبات الدينية أو الأخلاق الكريمة أو المكانة التي تتفق ومركزه كان بذلك منظما لغريزته سائرا بها في الطريق السوي وكان مرضيا عند اللّه وعند الناس.

   وبهذا يتضح أن تعلم الموسيقى مع الحرص على الفرائض والتكاليف نابع من الغريزة التي حكمها العقل بشرع اللّه وحكمه، فنزلت على إرادته وهذا هو أسمى ما تطلبه الشرائع السماوية من الناس في هذه الحياة، ولقد كنت أرى أن هذا القدر كاف في معرفة حكم الشرع في الموسيقى وفي سائر ما يحب الإنسان ويهوى بمقتضى غريزته لولا أن كثير من الناس لا يكتفون ربما بهذا النوع من التوجيه في معرفة الحلال والحرام، وإنما يقنعهم عرض ما قيل في الكتب وأثر عن الفقهاء وإذا كان ولابد فليعلموا إباحة السماع في إثارة الشوق إلى الحج وفي تحريض الغزاة على القتال وفي مناسبات السرور المألوفة كالعيد والعرس وقدوم الغائب ومالها. ورأيناهم فيما وراء ذلك على رأيين:

   يقرر أحدهما الحرمة، ويستند إلى أحاديث وآثار.

   ويقرر الآخر الحل ويستند كذلك إلى أحاديث وآثار. وكان قول القائل بالحل: «إنه ليس في كتاب اللّه ولا سنة رسوله ولا في معقولهما من القياس والاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة والموزونة مع آلة من الآلات، وقد تعقبوا جميع أدلة القائلين بالحرمة وقالوا إنه لم يصح شيء».

   وقد قرأت في هذا الموضوع لاحد فقهاء القرن الحادي عشر المعروفين بالورع والتقوى رسالة هي (إيضاح الدلالات في سماع الآلات) للشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي قرر فيها أن الأحاديث التي استدل بها القائلون بالتحريم على فرض صحتها مقيدة بذكر الملاهي وبذكر الخمر والقينات والفسوق والفجور ولا يكاد حديث يخلو من ذلك، وعليه كان الحكم عنده في سماع الأصوات والآلات المطربه أنه إذا اقترن بشيء من المحرمات أو اتخذ وسيلة للمحرمات أو أوقع في المحرمات كان حراما وأنه إذا سلم من كل ذلك كان مباحا في حضوره وسماعه وتعلمه، وقد نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله) ثم عن كثير من الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء أنهم كانوا يسمعون ويحضرون مجالس السماع البريئة من المجون والمحرم. وذهب إلى مثل هذا كثير من الفقهاء وهي يوافق تماما في المغزى والنتيجة الأصل الذي قررناه في موقف الشريعة بالنسبة للغرائز الطبيعية.

   وكان الشيخ العطار - شيخ الجامع الأزهر في القرن الثالث عشر الهجري - ذا ولع شديد بالسماع وعلى معرفة بأصوله ومن كلماته: من لم يتأثر برقيق الأشعار تتلى بلسان الأوتار على شطوط الأنهار في ظلال الأشجار فذلك جلف الطبع حمار.

   وإذن فسماع الآلات ذات النغمات والأصوات الجميلة لا يمكن أن يحرم باعتباره صوت آله أو صوت إنسان أو صوت حيوان وإنما يحرم إذا استعين به على محرم أو لهي عن واجب.

   وهكذا يجب أن يعلم الناس حكم اللّه في مثل هذه الشؤون ونرجو بعد ذلك إلا نسمع القول يلقى جزافا في التحليل والتحريم فان تحريم مالم يحرمه الله أو تحليل ما حرمه اللّه كلاهما بغير حق

] وأن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على اللّه مالا تعلمون[ (82)، (83).

وفي التقريب بين السنة والشيعة

   لقد تداعت في أربعينات القرن العشرين كوكبة من كبار العلماء والمفكرين إلى تأسيس جماعة للتقريب بين الشيعة والسنة ولازالة الجفوة التي اتخذها ويتخذها الاستعمار ثغرة لاختراق صفوف الأمة الإسلامية وإضعاف وتمزيق جميع شعوبها ومذاهبها.. ولتبيان مناطق الاتفاق - وهي كبيرة جدا - وللتعرف على مواضع الاختلاف للتعامل معها بالحكمة الإسلامية التي قررت وتقرر أن الاختلاف والتنوع من سنة اللّه التي لا تبديل لها ولا تحويل..

وكان الشيخ محمود شلتوت واحدا من أنشط العلماء الدين بذلوا الجهود الكبيرة في تأسيس وتدعيم الجماعة التي رأسها الزعيم المصلح محمّد علي علوبة باشا (1292 ـ 1375 هـ / 1875 ـ 1956 م) والتي ضمت من أئمة مشيخة الأزهر الشيخ / عبد المجيد سليم ، والشيخ محمّد مصطفى عبد الرازق ، ومن كبار علمائه : الشيخ الخفيف ، والشيخ عبد العزيز عيسى (1327 ـ 1415 هـ/ 1909 ـ 1994م) ، والشيخ محمّد المدني ، والشيخ سيد سابق (84) والشيخ محمّد تقي الدين القمي ـ الأمين العام للجماعة ـ والسيد محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ، والسيد شرف الدين الموسوي ، والشيخ محمّد جواد مغنية ، والسيد صدر الدين شرف الدين.

وقد أصدرت هذه الجماعة مجلة«رسالة الإسلام» وكانت منبرا للاجتهاد الداعمة لوحدة الأمة الإسلاميّة .

وعلى صفحات هذه المجلة تعددت وتوالت اجتهادات الشيخ شلتوت في التقريب بين المذاهب الإسلاميّة الموثقة وبين الشيعة والسنة على وجه الخصوص.

ومن نماذج اجتهاداته في هذا الميدان قوله.«وإن دعوة التقريب هي دعوة التوحيد والوحدة، هي دعوة الإسلام والإسلام.. كنت أود أن أستطيع تصوير فكرة حرية المذاهب الصحيحة المستقيمة على نهج الإسلام والتي كان عليها الأئمة الأعلام في تاريخها الفقهي، أولئك الذين كانو يترفعون عن العصبية الضيقة ويربئون بدين الله وشريعته عن الجمود والخمول، فلا يزعم أحدهم أنه أتى بالحق الذي لا مرية فيه وأن على سائر الناس أن يتبعوه، ولكن يقول (هذا مذهبي، وما وصل إليه جهدي وعلمي ولست أبيح لأحد تقليدي واتباعي دون أن ينظر ويعلم أين قلت، فان الدليل إذا استقام فهو عمدتي والحديث إذا صح فهو مذهبي».

   «ولقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم منذ أول يوم في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة ثم تهيأ لي بعد ذلك، وقد عهد إلى بمنصب مشيخة الأزهر أن أصدرت فتوى في جواز التعبد على المذاهب الإسلامية الثابتة الأصول المعروفة المصادر، المتبعة لسبيل المؤمنين، ومنها مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية.. وقرت بهذه الفتوى عيون المؤمنين المخلصين الذين لا هدف لهم إلا الحق والألفة ومصلحة الأمة، وظلت تتوارد الأسئلة والمشاورات والمجادلات في شأنها وأنا مؤمن بصحتها ثابت على فكرتها في الحين بعد الحين، فيما أبعث به من رسائل للمتوضحين، أو أرد به على شبه المعترضين، وفيما أنشئ من مقال ينشر أو حديث يذاع أو بيان أدعو به الى الوحدة والتماسك والاتفاق حول أصول الإسلام ونسيان الضغائن والأحقاد.

حتى أصبحت - والحمد للّه حقيقة مقررة تجري بين المسلمين مجرى القضايا المسلمة بعد أن كان المرجفون في مختلف عهود الضعف الفكري والخلاف الطائفي والنزاع السياسي يثيرون في موضوعها الشكوك والأوهام بالباطل وها هو ذا الأزهر الشريف ينزل على حكم هذا المبدأ، مبدأ التقريب بين أرباب المذاهب المختلفة فيقرر دراسة فقه المذاهب الإسلامية، سنيها وشيعيها دارسة تعتمد على الدليل والبرهان وتخلو من التعصب لفلان وفلان(85).

 

جواز التعبّد وفق المذهب الجعفري

   والإفتاء بجواز التعبد وفق فقه المذهب الجعفري - مذهب الامام الصادق أبو عبد اللّه جعفر ابن محمد (80-148هـ / 699-765م) وهو المذهب الفقهي للشيعة الاثنى عشرية.

   أما الفتوى التي أصدرها الامام الأكبر الشيخ / محمود شلتوت بجواز التعبد على فقه المذهب الجعفري فلقد جاءت ردا على سؤال نصه:

   «إن بعض الناس يرى أنه يجب على المسلم لكي تقع عبادته ومعاملاته على وجه صحيح أن يقلد أحد المذاهب الأربعة المعروفة وليس من بينها مذهب الشيعة فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه، فتمنعون تقليد مذهب الشيعة الاثنى عشرية مثلا؟».

   فكان جواب الشيخ شلتوت

   «إن الإسلام لا يوجب على أحد اتّباع مذهب معين، بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شيء. إن مذهب الجعفرية، المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية، مذهب يجوز التعبد به شرعا كسائر مذاهب أهل السنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة فما كان دين اللّه وما كانت شريعته تابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب فالكل مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى يجوز - لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد - تقليدهم والعمل بما يقرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات.

   فجهود الشيخ شلتوت - الفكرية والعملية - تبني الأزهر الشريف واحتضان كل المذاهب الإسلامية الموثقة المصادر.. ودعمت الدولة - من خلال المؤتمر الإسلامي.. الذي كان الشيخ شلتوت مستشاره - دار التقريب ومجلتها.. وتفردت مصر - عندما أصدرت الموسوعة الفقهية - باعتماد المذاهب الفقهية الإسلامية الثمانية - الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي، والجعفري، والزيدى، والاباضي، والظاهري في هذه الموسوعة على قدم المساواة.

   وهو موقف يتفرد به الأزهر الشريف بين كل الجامعات الإسلامية وتتفرد به مصر بين سائر الدول الإسلامية حتى كتابة هذه الصفحات!

   تلك إشارات إلى معالم بارزة ومتميزة في المدرسة الفكرية التي تربى فيها وعليها الشيخ شلتوت.. والى معالم سيرته ومسيرته التعليمية والعلمية، والى نماذج من الميادين التي تجلى فيها إبداعه الفكري بالاجتهاد والتجديد..

   رحمه اللّه رحمة واسعة.. وجعل حياته.. وجهاده.. واجتهاده معالم على طريق أمتنا نحو التقدم والتحرر والنهوض.. وآخر دعوانا ان الحمد للّه رب العالمين.. وصلى اللّه وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين.. من عمل بسنته وسار على طريق جهاده إلى يوم الدين.

 

المصادر

   * القرآن الكريم

   * كتب السنة النبوية

معاجم القرآن... والسنة

  •  الافغاني، جمال الدين: (الأعمال الكاملة) دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة طبعة القاهرة 1968م وطبعة القاهرة بيروت 1981م.

  •    الطهطاوي، رفاعة رافع: (الأعمال الكاملة) دارسة وتحقيق: د. محمد عماره طبعة بيروت 1973م.

  •    علي عبد العظيم: (مشيخة الأزهر) طبعة القاهرة 1399هـ - 1979م.

  •    الغزالي أبو حامد: (الاقتصاد في الاعتقاد) طبعة مكتبة صبيح القاهرة بدون تاريخ.

  •    محمد عبده: (الأعمال الكاملة) دراسة وتحقيق: د. محمد عماره طبعة القاهرة 1993م.

  •    محمود شلتوت: (الإسلام عقيدة، وشريعة) طبعة القاهرة 1400هـ - 1980م، (من توجيهات الإسلام) طبعة القاهرة 1400هـ - 1980م، (الفتاوى) طبعة القاهرة 1400هـ - 1980م، (تفسير القرآن الكريم) طبعة القاهرة 1399هـ - 1979م.

 

* ـ باحث ومفكر مصري، ومن ضيوف ملتقى البروجردي - شلتوت.

1 ـ (الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني) ص 195 - 197. دراسة وتحقيق: د محمد عمارة طبعة القاهرة 1968م.

2 ـ (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج 3، ص 205 دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة - طبعة القاهرة 1993م.

3 ـ المصدر السابق: ج 3، ص 314.

4 ـ المصدر السابق. ج - ص 318.

5 ـ (الأعمال الكاملة لرفاعة الطهطاوي) ج 2، ص 159، 160، 79، 32، 477، 386، 387. دراسة وتحقيق د. محمد عمارة طبعة بيروت سنة 1973م.

6 ـ (الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني) ص 131، 173، 327، 328، 161، 197، 199 .

7 ـ (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج 3، ص 109، 231.

8 ـ البقرة / 143 .

9 ـ المصدر السابق. ج 3، ص 242.

10 ـ المصدر السابق. ج 5، ص 428، 325.

11ـ «الاقتصاد في الاعتقاد» ص 2، 3. طبعة مكتبة صبيح. القاهرة. بدون تاريخ.

12 ـ الروم / 6 - 7 .

13 ـ (الاعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج 3، ص 356، 357، 101، 279، 281، 281، ج 4، ص 414.

14 ـ المصدر السابق. ج 3، ص 301.

15 ـ المصدر السابق، ج 3، ص 412، 426، 379، 397.

16 ـ آل عمران / 137.

17 ـ المصدر السابق، ج 5، ص 94، 95، ج 3، ص 284.

18 ـ التوبة / 105 .

19 ـ الأنفال / 60 .

20 ـ الأحزاب / 62.

21 ـ المصدر السابق - ج 3، ص 502.

22 ـ المصدر السابق ج 3، ص 233، 288، 286، 285، 287، 225، 226، ج 4، ص 412.

23 ـ المصدر السابق، ج 2، ص 505 - 508.

24 ـ الحجرات / 10 .

25 ـ (الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني) ج 2، ص 28، 29. دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة، طبعة بيروت سنة 1981م.

26 ـ (الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني) ص 473، 477، 479 - طبعة القاهرة سنة 1968م.

27 ـ (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج 5، ص 59 .

28 ـ (الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني) ص 414 - 417.

29 ـ (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده) ج 5، ص 194.

30 ـ البقرة / 228 .

31 ـ المصدر السابق، ج 4، ص 606 - 611.

32 ـ انظرها في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة) ص 392 - 429 طبعة دار الشروق. القاهرة 1400هـ / 1980م.

33 ـ انظر في وقائع سيرة الشيخ شلتوت: علي عبد العظيم (مشيخة الأزهر) ج 2، ص 179 - 243. طبعة القاهرة 1399هـ / 1979م.

34 ـ العنكبوت / 59 - 51 .

35 ـ الملك / 10 .

36 ـ الأنعام / 148.

37 ـ البقرة / 170 .

38 ـ الأعراف / 28 .

39 ـ (من توجيهات الإسلام) ص 140 - 143. طبعة دار الشروق. القاهرة 1400هـ / 1980م.

40 ـ علي عبد العظيم (مشيخة الأزهر) ج 2، ص 195. طبعة القاهرة 1399هـ / 1979م.

41 ـ المرجع السابق. ج 2، ص 195.

42 ـ (الإسلام عقيدة وشريعة) ص 57 - 61. طبعة القاهرة 1400هـ / 1980م.

43 ـ البقرة / 2، 3 .

44 ـ (الفتاوى) ص 56 - 58. طبعة القاهرة 1400هـ / 1980م.

45 ـ (الإسلام عقيدة وشريعة) ص 499 - 501.

46 ـ (الفتاوى) ص 178 - 187.

47 ـ (من توجيهات الإسلام) ص 560 - 596. طبعة القاهرة 1400هـ / 1980م.

48 ـ (الإسلام عقيدة وشريعة) ص 547، 548.

49 ـ الشورى / 38 .

50 ـ المصدر السابق. ص 441 - 442. وجدير بالملاحظة أن الشيخ شلتوت كتب هذا في ظل نظام حكم ديكتاتوري، فرغ الشورى من كل القيم التي تحدث عنها شلتوت.

51 ـ الحديد / 7 .

52 ـ النور/ 33 .

53 ـ البقرة / 188 .

54 ـ النساء / 5 .

55 ـ البقرة / 29 .

56 ـ المصدر السابق، ص 256 - 157، 95 .

57 ـ البقرة /220.

58 ـ البقرة / 279.

59 ـ المصدر السابق ص 351 ـ 352.

60 ـ (الإسلام عقيدة وشريعة)ص 270 ـ 275.

61 ـالمصدر السابق : ص 254 ـ 255.

62 ـ (الفتاوى) ص 399.

63 ـ الحجر / 26.

64 ـ الحجر / 28 ـ 29.

65 ـ الحجرات / 13.

66 ـ الطارق / 5 - 7 .

67 ـ الحج / 5 .

68 ـ الكهف / 51 .

69 ـ المصدر السابق. ص 402 - 404 .

70 ـ المائدة / 44 .

71 ـ المائدة / 44 .

72 ـ المائدة / 41 .

73 ـ المصدر السابق. ص 43 - 46 .

74 ـ النساء / 24 .

75 ـ التحريم / 10 - 112.

76 ـ من توجيهات الإسلام، ص 228 .

77 ـ البقرة / 282.

78 ـ النور / 6 - 9 .

79 ـ الإسراء / 29 .

80 ـ الأعراف / 31 .

81 ـ لقمان / 19 .

82 ـ الأعراف / 33 .

83 ـ الفتاوى ص 409 - 414.

84 - ذكر الأستاذ الباحث هنا اسم (الإمام الأكبر الحاج آقا حسين البروجردي) باعتباره عضوا في جماعة التقريب، ولم يكن كذلك، بل كان راعياً للجماعة ومؤيداً لمسيرتها وداعما لأهدافها (التحرير).

85 - مشيخة الأزهر ج 2، ص 187 - 188 .