أثر القرآن على الحركة الفكرية والنهضة العلمية

والحضارة الإنسانية

آية الله الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني


جزيرة العرب وسكانها

نزل القرآن الكريم قبل أربعة عشر قرناً في السنوات الميلادية الممتدة بين 611 إلى 632 في أرض قفر غير ذي زرع، ألا وهي أرض الحجاز، وهي شبه جزيرة يحدها من الشرق الخليع الفارسي وبحر عمان ومن الغرب بحر عدن والبحر الأحمر ومن الشمال بادية الشام ومن الجنوب المحيط الهندي. وقد سكن العرب هذه المنطقة، وانحدروا من أصل عدناني أو قحطاني، فالعدنانيون أو النزاريون وهم من ذرية إسماعيل وإبراهيم  ـ عليه السلام ـ سكنوا الشمال والغرب، فيما سكن القحطانيون وهم من أعقاب يعرب بن قحطان جنوب الجزيرة، وكانت بينهما حروب مستمرة.

والى الشمال والجنوب وشرق الصحراء وجدت حضارات عريقة، كانت آثارها باقية بشكل أو بآخر حين نزول القرآن، فكانت حضارة الحميريين في الجنوب والغسانيين في الشمال والحيرة في الشرق، حيث يمكن التأكد منها من خلال الكتابات المتبقية منها، والشواهد الموجودة في الشعر الجاهلي والإسلامي وعند رواة ومؤرخي العصر العباسي.

وتأثرت هذه المنطقة بالحضارات المجاورة لها: الفارسية والرومية والحبشية والمصرية، وكانت الأكثر ثراء والأنسب سكناً من سائر المناطق الصحراوية، ولهذا شخصت الانظار إليها وطمعت عيون الدول المجاورة القوية فيها، فكانت تستعمرها وتصبح مناطق نفوذ لها، بل قد تضمها إلى بلادها، إذ كانت الحبشة وفارس والروم ـ على سبيل المثال ـ تتبادل الجنوب الذي كان يخضع للإمبراطورية الفارسية إبّان ظهور الإسلام، كما كان الشرق والشمال الشرقي للمنطقة (الجزء الأكبر من العراق الحالي) يعتبر جزء من فارس، وما طاق كسرى فيه إلاّ القصر الشتوي لخسروان، في حين كان شمال الجزيرة وغربها (سوريا ولبنان وفلسطين) يخضعان لسيطرة الروم.

وكلما اقتربنا إلى قلب الجزيرة وسواحلها الغربية انعدمت آثار الحضارة والحياة فيها، وسوى مدن مكة ويثرب (المدينة حالياً) والطائف لم تكن هذه المنطقة مأهولة وليس فيها مدن أخرى، ولهذا السبب ظلت بعيدة عن الأطماع، سوى ما حدث في عام الفيل، سنة ولادة الرسول على ما هو مشهور حينما تعرضت مكة والكعبة إلى هجوم جيش إبرهة الحبشي، لا بسبب استراتيجية أرضها وأهميتها، وإنما لهدم الكعبة، لكونها كانت تمثل معبدا للعرب، وقد انكسر هذا الجيش بشكل إعجازي بنص القرآن الكريم.

الأخلاق والروح العربية

يعيش سكان الصحارى في حرية مطلقة لا تحدها حدود، لا تجمعهم دولة واحدة، بل يتناثرون كقبائل متفرقة يعشعش فيها الجهل، ويركبهم الغرور القبلي والتعصب الطائفي والمفاخر العشائرية.

وكانت النزاعات بين هذه القبائل على أشدها حتى أصبح شغلها الشاغل وهمها الدائم، بحيث يتوقف برنامجها الحياتي وتجارتها وسفرها وعبادتها إلى الحرب، ولم تكن تتوقف هذه الحروب أو يترك الاستعداد لها سوى في الأشهر الحرام (ذي القعدة وذي الحجة ومحرم ورجب) طبق تقليد قديم، للانصراف فيها إلى شؤون الحياة والتجارة والحج.

هذا الصراع الدائم والنزاع المستمر أدى إلى عقد اتفاقيات عديدة وأحلاف كثيرة بين القبائل، كما أعطى أهمية خاصة للاستقامة بوجه العدو والوفاء بالعهد، وأصبح دفاع القبائل المتحالفة عن بعضها والتضحية والإيثار في سبيل القبيلة الحليفة من الخصوصيات العربية حينذاك، الأمر الذي يستتبع بشكل طبيعي الشجاعة والكرم والسخاء.

إذن كان للحياة الصحرواية وعدم الانقياد لحكومة مركزية واحدة أثر كبير في نمو روح الاستقلال والحرية والأباء والهمة والشجاعة في النفوس، من جهة أخرى شلت الحروب المتتالية والمستمرة التجارة والزراعة والاقتصاد بشكله العام الضعيف من أساسه بسبب التخلف الذي كان حاكماً على المنطقة.

وكان عدد المتضررين بالحروب من معاقين ويتامى وأسرى وعبيد يتزايد باستمرار، كما اتصف ذلك المجتمع بالطبقية وانتشر فيه الربا (أضعافا مضاعفة) وشاعت كراهية البنات وإهانة المرأة بشكل عام من خلال الفحشاء وتبادل الزوجات واتخاذ الأخدان والفاحشات (ذوات الأعلام)، وانتشر الزواج  المتنوع الذي انتج أبناء غير شرعيين مشكوك في انتمائهم إلى عدة آباء، كما انتشر بين صفوف الطبقة المترفة القمار والشراب والفساد بأنواعه، وأصبحت هذه الخصال هي التي تشكل الإطار العام لحياة فترة الجاهلية التي ذاع صيتها بهذه  الصورة بين الشعوب المجاورة، وعبر عنها القرآن الكريم بالجاهلية الأولى، وهذا شأن كل الجاهليات التي لم تحظ بنعمة التوحيد كالجاهلية الرومية والفارسية والمصرية وغيرها.

 

المستوى المعرفي والثقافي للعرب

خلافاً للشعوب المجاورة والنصارى واليهود داخل الجزيرة، فان الجهل والأمية كانا يعشعشان في صفوف الغالبية من العرب، وكانوا غرباء عن الكتاب والكتبة والمدرسة والمعلم والخط، إلاّ في برهة صغيرة حيث ظهر عدد من الناس لا يتجاوزون عدد أصابع اليد يقرؤون ويكتبون (بشكل ناقص) في مكة ويثرب، وقد أوجدت الحياة الصحراوية والحاجة التي تتولد عنها ومن خلال الاتصال ببعض الأقوام والشعوب الأخرى علوماً ناقصة في الجزيرة مشوبة بالخرافة، أمثال: التنجيم والكهانة والسحر والأساطير والطب وعلم الأنساب والأنواء، حيث انتشرت طوال قرون متمادية بين صفوف العرب الذين لم يكن كلهم على معرفة بهذه العلوم، أو بتعبير أدق بهذه التجارب والأوهام، وإنما اقتصرت على بعضهم فاشتهروا بها، وكانت تشد إليهم الرحال من قبل عامة العرب الذين كانوا يعتقدون بها ويرتبون الأثر عليها.

ولم تكن هذه العلوم تستند إلى الكتاب والتعليم الصحيح وإنما تنتقل من جيل إلى آخر بشكل مباشر أو عبر التجربة.

أما الذوق الفطري والقريحة وجزالة اللفظ وقوته الذي تجلى في الشعر والخطابة العربية، أو كما يقول الجاحظ: إن ما يقوله العرب هو عن بديهة وإلهام وتجري عنهم المعاني الممتازة والكلام الدقيق كالسيل دون تأمل وتفكر. فإن هذه القدرة الخلاقة كانت تستهلك ـ وبشهادة أدبيات الفترة الجاهلية ـ لامتداح الذات والفخر بالأجداد، والقتل والثأر والتحريض على الحروب وسفك الدماء، والتغزل والهجاء والمديح في غير محله وما شابه.

ومثلما كانت دواوين الشعر الجاهلي التي جمعت فيما بعد مظهراً لفن البيان والبلاغة والفصاحة والشجاعة لدى العرب، فأنها كانت أيضاً صورة من واقعهم، بما يحمله من مشاكل اجتماعية معقدة ومفاسد أخلاقية. إلاّ أن هذه السابقة الأدبية الممتدة للغة العربية بلغت بها إلى ذروة الفصاحة والبلاغة بحيث أصبحت معدة لبيان أرق العواطف وأدق الأفكار، كما أن هذه السابقة الأدبية هيأت الإدراك العربي وصقلته لنيل أعلى المعارف الإلهية. 

ويبين القرآن الكريم ـ الذي يمتاز بأعلى صور البلاغة ـ مدى بلاغة مخاطبة وفصاحته حين يتأثرون به بشكل خاص، وإلا فان الكلام البليغ والعميق والفصيح لا يمكن أن يجذب الأبله والأحمق والسطحي من الناس. ومن مضامين الآيات القرآنية يتأكد بوضوح أن القرآن نزل بلسان بسيط يدركه العرب، وما عبارة ] بلسان عربي مبين[ والآيات المماثلة إلاّ إشارة لذلك. وبالطبع فإننا لا ننكر أن القرآن الكريم نزل لجميع الأجيال والأقوام حتى نهاية العالم، ولا يمكن القول بأن كل دقائقه كانت مفهومة لجميع عرب عصر النزول، وأن القرآن أخذ بالاعتبار إدراكات مخاطبيه كلهم إلى نهاية العالم. بيد أننا لا نوافق أيضا من يقول بان معظم الناس الذين خاطبهم القرآن في عصر النزول لم يكونوا يدركون دقائقه وكنه أعماقه.

إذن، فبلاغة القرآن الكريم تدل على بلاغة العرب وفصاحتهم، ولا سيما إذا علمنا أن أعجاز القرآن يكمن في بلاغته انسجاما مع هذا الفن الذي كان شائعا بين العرب حينذاك، مثلما تناسبت العصى مع سحر السحرة، وعيسى مع الطب، وهكذا بالنسبة لباقي الأنبياء، حيث شاءت السنن الإلهية أن تكون معجزات الأنبياء ملموسة لأممهم.

ومهما يكن من أمر، ورغم أننا نوافق بعض الموافقة شكوك طه حسين وغيره في صحة انتساب أشعار الجاهلية إلى شعراء الجاهلية، إلاّ أننا لا نستطيع أن ننكر بلاغة العرب وفصاحتهم وقدرتهم الفائقة على قول الشعر، بل علينا أن نعترف أنهم بلغوا مبلغا متكاملا في هذا الفن بحيث باتوا يستطيعون إدراك سر الأعجاز القرآني، الأمر الذي أصبح فيما بعد موضع خلاف حتى بين العلماء كنتيجة للاختلاط مع باقي الأجناس واللغات واللهجات.

بلحاظ ما قلناه، فان مما لا شك فيه شيوع فن الشعر عند العرب الذي ارتقى لديهم إلى مستوى رفيع، وما الأشعار والقصائد الكثيرة التي وصلتنا ومنها(المعلقات السبعة) إلاّ دليل على عظمته عند العرب.

وتتميز اللغة العربية بكثرة المترادفات، وسعة الاشتقاقات ووفور أدوات الربط وأسلوب تركيب الجمل وقواعدها، ولا سيما عند أولئك الذين سكنوا وسط الجزيرة والذين اشتهروا بالفصاحة واحتفظوا بخصائص اللغة تماما لعدم اختلاطهم بالشعوب المجاورة. وكلما اتجهنا نحو سكان المناطق الحدودية، لا حظنا أن لغة الناس تشوبها كلمات أجنبية وتختلط بمفردات اللغة عبارات فارسية ورومية وحبشية وغيرها، مما يفقد اللغة أصالتها. ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن بعض الشعراء انطلقوا من قلب الجزيرة وكانوا يترددون على البلاط الفارسي والرومي وعلى ملوك الحيرة، فتأثرت أشعارهم بتقاليد تلك الأمم.

الأديان والمذاهب العربية

رغم أن الأديان المختلفة من نصرانية ويهودية وزرادشتية وصابئية ومزدكية وغيرها تغلغلت تدريجياً بين صفوف العرب إلاّ أن الغالبية ظلت على عبادة الأصنام، فبالإضافة إلى الأصنام المنزلية، احتوت الكعبة على 360 صنما كل منها يختص بقبيلة معينة، فضلا عن الصنم الأكبر(هبل) الذي اعتبروه رباً مشتركاً لجميع العرب. ولهذا حظيت الكعبة باحترام العرب وتقديرهم وأصبحت محلا لعبادتهم، وكان العرب ولا سيما العدنانيون منهم يكنون احتراما خاصا لإبراهيم  ـ عليه السلام ـ، وينسبون دينهم إليه، ولكن لم يكونوا يمارسون من هذا الدين الذي أسس على التوحيد الخالص إلاّ بعض أعمال الحج ومناسكه وبطريقة منحرفة وبعض الشعائر الأخرى، ويبدو إنه لم يكن الانتساب إلى إبراهيم إلاّ من باب المباهاة والفخر والغرور والتكبر على الآخرين.

 

مسقط رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم

ولد النبي صلى الله عليه وآله في مدينة مكة من أعرق الأسر وأشراف القبائل، أي من بني هاشم من قبيلة قريش، وكان أجداده من سدنة بيت الله وموضع احترام أهل مكة بل كل العرب، وقد أمضى النبي صلى الله عليه وآله أربعين عاما من عمره الشريف (قبل البعثة) في مكة معروفا بأمانته وحسن سيرته. وطوال هذه المدة لم يقرأ كتابا ولم يكتب خطاً واحداً ولم يتصل بالعلماء والقادة الدينيين ولم يسجد لصنم ولم يتبع الدين الذي كان يتعبد به قومه.

في مثل هذا البيئة، وعلى مثل هذه الشخصية نزل القرآن الكريم قبل أكثر من ألف واربعمائه عام. ويبدو أن يد التقدير هيأت العرب لقبول القرآن والإسلام وفهمه، وهكذا أصبح مقدراً أن يبعث آخر الأنبياء وينزل آخر الكتب السماوية على هؤلاء القوم وبلغتهم وفي قلب صحراء الجزيرة الحارقة.

لقد هيأ استعداد العرب لغوياً وفكرياً لبساطة أذهانهم وجهلهم بالعلوم واستعدادهم لا دراك المعارف الإلهية ونقلها إلى الشعوب الأخرى دون أن تختلط بالأفكار والفلسفات البشرية، إضافة إلى روح الشجاعة والحرية والاستقلال والالتزام بالمواثيق والسخاء والتضحية والكثير من الفضائل الأخرى، كل ذلك هيأ الأرضية اللازمة لتأسيس دولة قوية وإقامة مجتمع قوي يستسلم للإرادة الإلهية. وهذا هو سر اصطفاء النبي صلى الله عليه وآله من العرب، فقد كان الوضع الروحي والاجتماعي للعرب قبل الإسلام بشكل يمكنهم من التقدم والتكامل والتفوق على الشعوب الأخرى سريعاً لو أزيلت عنهم الانحرافات الفكرية والمفاسد الأخلاقية وشاءت الإرادة الإلهية أن تنزل هذه العطية الإلهية من خلال القرآن والرسول على أولئك القوم بل على البشرية جمعاء في الوقت المناسب، وقضت الإرادة

الإلهية أن تشرق شمس البشرية من أفق الحجاز المظلم.

لنر الآن من أين بدأ القرآن، وكيف أدى رسالته ؟

 

بداية الحركة الفكرية والاجتماعية

بداية القرآن الكريم رسالته الخطيرة في المرحلة الأولى بهداية الأفكار وتهذيب النفوس، وفي المرحلة الثانية بإصلاح الأعمال، وبشكل عام فان القرآن اعتبر أساس إصلاحاته الفردية والاجتماعية الإيمان القلبي والتقوى الباطنية والعمل الصالح، وربط بين هذه الأمور الثلاثة وبين الفلاح الدنيوي والأخروي ]... الذين آمنوا وعملوا الصالحات...] (1).

واعتبر في سورة (العصر) جميع الناس في خسران إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، إذ يمكن اعتبار هذه السورة البرنامج الإصلاحي للقرآن، وكما يقول الشافعي: فان هذه السورة كانت كافية في إصلاح البشر وتكامله لو لم تنزل غيرها.

 

هداية الأفكار وتصحيح العقائد:

بدأ القرآن هدايته الفكرية بتوجيه الأفكار نحو فلسفة الخلقة والمبدأ والمعاد، وقدم أساساً فكرياً ومدرسة فلسفية خاصة هي محور كل تعاليم هذا الكتاب، أو كما يعبر عنه في العصر الحاضر بأنه قدم نظرته الكونية الإلهية الخاصة.

وتتركز هذه النظرة ـ باختصار ـ على أن عالم الوجود ـ ومنه الإنسان ـ بدأ من الله وينتهي إليه، وعلى الإنسان أن يطوي هذه المسافة جبراً، أما فلسفة هذه الحركة القوسية

 

والسير الصعودي والنزولي فهي اكتساب الكمال والفضيلة التي تستحصل من خلال معرفة الله وصفاته الكاملة والتشبه بها والتخلق بأخلاقه بالاستعانة بالعقل واتباع الوحي والرياضة النفسية، وعبارة (تخلقوا بأخلاق الله) هي أساس هذا التقرب والتشبه به تعالى.

لقد وضح القرآن الكريم من خلال آياته الذات الإلهية والصفات الجمالية والجلالية بالدليل والبرهان، ومن خلال إلفات نظر المتدبرين إلى عالم الخلقة ومظاهر الوجود وآثار قدرة الله وعلمه وحكمته.

] أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء...] (2).

] أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها...]  (3).

 

] أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الأرض كيف سطحت...] (4).

هز القرآن الكريم العقول والأفكار وحركها، واستأنس به العرب شيئاً فشيئاً بعد أن كانوا بعيدين عن منطق الاستدلال، وعلمهم القرآن كيف يمكن إدراك الأسرار الخفية لعالم الغيب من عالم الشهود، حيث عبر القرآن عن هذا اللون من التفكير المنطقي وعن الرأي الصحيح بالحكمة واعتبرها خيراً كثيراً:

]... ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً...]  (5).

والآية تعتبر الحكمة أساس كل خير وكمال وقاعدة التكامل الإنساني

 

 نافذة على أسرار الوجود وخطوة نحو العلم:

إن ذكر آثار القدرة يستلزم بيان أسرار الخلقة ورمز الوجود، وقد حث القرآن الكريم الفكر الإنساني للسير في آفاق النفس، واستشهد بنماذج بارزة من كل جوانب عالم الوجود سواء من العالم العلوي والمنظومة الشمسية، أو من العالم السفلي من الأرض وظواهرها المختلفة وما عليها من الإنسان والحيوان والنبات والجبال والبحار والسحاب والمطرو...

ورغم أن الهدف الرئيس من ذكر أسرار الخلقة، تعريف الإنسان بحكمة الخالق وقدرته وعظمته، غير أنه ابتغى أيضاً فتح باب ونافذة، بل صراطاً مستقيماً لكي يتعرف الإنسان على أسرار الوجود، خاصة إذا علمنا أن القرآن الكريم تطرق وبكامل الصراحة مرارا إلى النظم الكامل في العالم وظواهره: ]... وكل شيء عنده بمقدار] (6) ؛]... إنا كل شيء خلقناه بقدر] (7) ؛ ] وان من شيء إلاّ عندنا خزائنه وما ننزله إلاّ بقدر معلوم]  (8).

وهذه الأمور تثير الحس الإنساني نحو التطلع والاستكشاف شاء أم أبى للبحث في ظواهر الوجود التي يعتبر كل منها موضوعاً لأحد العلوم البشرية.

وبهذا أرشد القرآن الكريم الإنسان وهداه إلى حدود العلوم، بل أخذه إلى الجانب الآخر وكشف له عن بعض الأمور، وأدخل في وعيه أن عالم الخلقة عالم واحد منتظم، أجزاؤه مرتبطة مع بعضها، وأن العالم مليء بالرموز والأسرار والقوانين والسنن الثابتة، ووضع بعض جوانب تلك الأسرار والقوانين.

وقد اعتبر المفسر المصري الشيخ الطنطاوي أن نحو (750) آية قرآنية ترتبط بالقضايا العلمية، بينما لم تتجاوز آيات الأحكام في القرآن (400) آية. من هنا يتضح أن القرآن الكريم وضع الإنسان على سكة المسار العلمي وكشف حقائق عالم الوجود وهي أساس الحضارة والتمدن من خلال نفس السبيل الذي أيقظ فيه الفكر التوحيدي. ولابد أن نعترف بأن العلم في القرآن الكريم هو توأم للإيمان والعقيدة والتقوى، ويبدأ  من المعنويات والقرب الروحي من الله عز وجل ؛ فالقرآن يرى أن العلم ينبغي أن يسير دائماً في خط التكامل الروحي والقرب إلى الله، وليس في الخط المادي الذي يسلكه علماء الغرب، فلو كانت الحركة العلمية قد سايرت الإيمان وقامت على أساسه، لما عانت البشرية اليوم من مشاكل وانحرافات شتى أخلاقية واجتماعية واقتصادية وسياسية، كما هو الحال مع الحركة العلمية الإسلاميّة التي لم تواجه مثل هذه المشاكل منذ انطلاقتها حتى الحد الذي وصلت إليه، رغم أنها توقفت عن التطور، وانحرفت عن الخط القويم في بعض الأحيان.

بداية النهضة العلمية:

نستنتج أن تقوية الأسس الإيمانية والهداية الفكرية في الإسلام اقترنت منذ بدايتها مع التكامل والتطور العلمي، فبموازاة معرفة المسلمين للخالق وتعرفهم على فلسفة الخلقة التي تعتبر الحجر الأساس لكل التعاليم الدينية والبنية التحتية لكل تطور وتقدم، تعرفوا أيضاً على مصادر العلوم وأسسها. وكانت هذه المرحلة بداية النهضة العلمية في الإسلام التي توسعت تدريجاً ودفعت المسلمين إلى اكتساب وجمع علوم سائر الشعوب المتحضرة.

ولقد وجه المسلمون في بداية الأمر اهتمامهم نحو الهدف الأصلي للقرآن في توجيه العقول والأفكار وإلفاتها نحو مظاهر الوجود، لترسيخ الإيمان في نفوسهم، فكانت علومهم في البدء  منحصرة في إطار العلوم الإيمانية، لتلقي دروس التوحيد ومعرفة الله تعالى، ولكن اتجهت أنظارهم بعد طي هذه المرحلة إلى هدف ثانوي آخر، ففي أواسط القرن الثاني ونتيجة للاتصال بين العرب والشعوب الأخرى التي دخلت في الإسلام كالفرس والروم وغيرهما ممن كانوا يتوفرون على خلفية علمية، ظهرت في صفوف المسلمين حركة جديدة تستلهم أفكارها من العقيدة التوحيدية وأسرار الخلقة، وتحولت النظرة العامة والدراسة الإجمالية للظواهر الطبيعية التي كانت تقتصر فقط على التوصل إلى معرفة الله تعالى، تحولت إلى نظرة عميقة متأصلة ودراسة شاملة لاستكشاف القوانين والسنن الكونية، واستطاع المسلمون من الاستعانة بعلوم الآخرين بسط المعرفة الإجمالية لأسرار الوجود وتفصيلها، ووجدوا في العلوم البشرية ما تعلموه بشكل كلي وغير محدد من القرآن، وحصلوا ـ بحث من الدروس والعبر القرآنية ـ على أسرار الخلقة من خلال التجربة والعلم الذاتي مضافا إلى علوم الآخرين.

إذن، فقد ظهرت النهضة العلمية الإسلاميّة  إثر النهضة الإيمانية والعقائدية وبتأثيرها، وانتشرت في النصف الثاني من القرن الهجري الثاني تقريباً العلوم بين المسلمين، ورغم أن القرآن كان مصدر إلفات نظر المسلمين إلى هذه العلوم، إلاّ أنهم لم يستنبطوا القوانين والمسائل العلمية من القرآن نفسه، ولم يبادروا اليها ويكشفوها بأنفسهم، وإنما نقبوا في علوم سائر الشعوب وآثارهم المدونة، ولاسيما العلوم اليونانية، وانهمكوا على مدى قرنين من الزمان (من منتصف القرن الثاني وحتى أواخر القرآن الرابع) في ترجمة العلوم اليونانية والهندية والفارسية والنبطية والرومية و.. جمعها، وقد ترجم إلى العربية الجزء الأكبر من هذه العلوم في هذه الفترة، ثم بادروا إلى الإبداع والابتكار في ظل المنطق القرآني والتجربة

العلمية المأخوذة من الآخرين.

إنني وخلافاً لآراء بعض الباحثين لا أعتقد بأن تعرف المسلمين على العلوم الأجنبية (الدخيلة) هو بداية انحرافهم عن الفلسفة والمنطق القرآني، بل أرى أن هذا الأمر منبعث من التعاليم القرآنية، ولكن المسار العلمي في العصور التالية تعرض ـ كما أشرنا ـ للتوقف والانحراف أحيانا عن الفكر القرآني الخالص.

ولقد استسلم بعض العلماء والمفكرين الإسلاميين في المبادئ الفلسفية وفي الإلهيات للفلسفة والمنطق اليوناني، أو العرفان والتصوف الهندي والبوذي، ونسوا الأصالة الخاصة للفلسفة القرآنية، أو أنهم خلطوا بين الاثنين، فظهرت فلسفة مزدوجة وعرفان خليط بين الفكر البشري والوحي السماوي، وهي ظاهرة قابلة للتقدير على أية حال ومصطبغة بالصبغة القرآنية، إلاّ أن أهل الحديث والعلماء المتشرعين وبعض الفقهاء خالفوا هذا النوع من الحركة العلمية منذ البدء، ويعتقد آخرون ـ حتى وقتنا هذا ـ بان الفلسفة الإسلاميّة  تخالف الإسلام.

ورغم كل ما قيل يجب أن ندلي برأينا الصريح ونقول: أن التفات المسلمين إلى العلوم الأجنبية في بداية الأمر برز من خلال الحث القرآني والتعاليم الإسلاميّة ، وتركز محور الفكر الإسلامي غالباً على تطبيق أسس هذه العلوم على الفلسفة القرآنية، والسعي لاستكشاف أسرار الوجود وخفايا الخلقة التي يؤكد عليها القرآن الكريم.

وقد اعتبر علماء المسلمين أنفسهم ـ وهم يسلكون هذا السبيل ـ مندفعين بتأثير من القرآن وسائرين في طريق يحقق الأهداف والمبادئ القرآنية.

أما الخوض في الرد على بعض التساؤلات التي تطرأ على الذهن حول إسلامية النهضة العلمية وانتفاع المسلمين منها، ومقدار انحرافها عن الطريق المستقيم وأسباب الانحراف عن هذا الطريق الذي واصله علماء الغرب بعد القرون الوسطى وأثمر عن نتائج باهرة.. كل ذلك يدخل في عداد الأمور المعقدة التي تحتاج إلى بحث مطول خارج نطاق موضوعنا.

إلاّ أننا نشير إلى ملاحظة واحدة، وهي أن الفلسفة الإسلاميّة في بُعد الطبيعيات ابتعدت عن أسلوب التجربة الحسية الذي اختير في بداية الحركة العلمية الإسلاميّة، ابتعاداً تدريجياً، واكتفت بأسلوب الاستدلال العقلي، مما يمكن اعتبار ذلك أساس الانحراف العلمي في الحضارة الإسلاميّة.

التعبئة العامة للتدبر وكسب العلوم

بعد جذب النفوس إلى فلسفة الخلقة، وإرساء أسس الإيمان،عبّأ القرآن الكريم الأذهان والأفكار للتعلم والتدبر والتفكر، وحث الناس على التفكر والتعقل وذم الجهل والأمية، واعتبر الجاهل كالأصم والأبكم والأعمى ووضعه في عداد الأنعام. وورد في القرآن كثير من الكلمات المشتقة من العلم والحكمة والمعرفة والبصيرة والشعور والفكر والفهم والفقه والعقل والتدبر والاستنباط واللب، بأسلوب مؤثر ومؤكّد، كما وردت الألفاظ المناقضة لها من قبيل الجهل والعمى ولا يعملون ولا يشعرون ولا يتفكرون. وتدعو معظم آيات التوحيد والمعاد وكل ما يرتبط بإصلاح العقيدة وبعض الآيات المتعلقة بالأخلاق والأحكام إلى التفكر والتذكر، ويتساءل القرآن باستغراب: ].. هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...] (9)

هذه الآية وأمثالها، ترفع من مفهوم العلم والفكر والألفاظ الأخرى المرافقة، وتقود المجتمع نحو العلم والفكر، ومن يغور في أعماق القرآن والروايات الإسلاميّة  يتبادر إلى ذهنه أن الرسالة الرئيسية لهذا الدين رفع المستوى المعرفي وتقوية بنية الفكر الإنساني، ويعتبر الإسلام التعقل والتفكر من أهم التكاليف التي تقع على عاتق كل مسلم، ويضع آصرة قوية بين الحياة المادية والحياة المعنوية للبشرية أو بين الحياة المعنوية والفكر والدراية.

ومثلما حث هذا الترغيب في بداية الأمر المسلمين على كسب التعاليم الدينية وتعزيز البنية الإيمانية، فانه كان الدافع في المرحلة اللاحقة للمسلمين في جمع العلوم البشرية والدنيوية أياً كان مصدرها.

ولا ريب في أن بعض الآيات والروايات الواردة في كتب حديث الفريقين (في باب فضل العلم والعلماء) وبنحو وافر، من مثل ].. يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات...] (10) و (أعلم الناس من جمع علم الناس إلى علمه) و: (الحكمة ضالة المؤمن أخذها من حيث ما وجدها) و: (اطلب العلم ولو بالصين) و (طلب العلم فريضة على كل مسلم (ومسلمة) على بعض الروايات هذه النصوص المقدسة تجعل المؤمن متعطشاً للعلم، وتدفعه لطلبه أينما كان حتى وإن كان في الصين التي كانت تعتبر قديماً أبعد نقطة في العالم وقيل أن المسلمين تعلموا صناعة الورق من الصين، إذ لم يكن في الصين علم بالدين.

 

المنطق القرآني سبيل التفكير الصحيح

تعقيباً على المبدأ السابق في تعبئة الأذهان للتفكير والتدبر، نقول: إن القرآن الكريم علم

الإنسان طريقة التفكير الصحيح وأسلوب التعلم الأصلح، بحيث يبدأ في بحوثه واستدلالاته من المحسوسات التي تحيط بالإنسان ويتعامل معها باستمرار: السماء والأرض والليل والنهار والموت والحياة والطعام واللباس والنوم واليقظة والجبال والبحار والشمس والقمر وأمثالها، كل هذه استدل بها القرآن الكريم، وخلافاً لأسلوب الفلاسفة وأرباب العلوم العقلية لم يجعل مقدمة برهانه مقدمات عقلية صرفة بعيدة عن أذهان العامة. وهذا هو الفرق البارز بين الفكر القرآني والفلسفة اليونانية.

وبالطبع فان المنطقيين اشترطوا أن تكون مقدمات القياس من سنخ البديهيات والمسلمات وأمثالها إلاّ أنهم يضطرون حينما يطبقون موازين المنطق إلى استخدام مقدمات عقلية أبعد ما تكون عن المحسوسات. وبهذا يمكن القول أن أسلوب القرآن في الاستدلال وكشف المجهولات هو أقرب إلى الأسلوب العلمي الذي يستند إلى الحس المحض والتجربة منه إلى الفلسفة، أو بتعبير أصح فان القرآن يرى حجية القياس والاستدلال متى ما كان مؤلفا من أسس حسية، ومن الوضوح بمنزلة التجربة الحسية. ولهذا نرى أن الاستدلالات القرآنية تبعث على الاطمئنان ومفهومة من قبل الجميع، ولا يمكن الطعن بها، ولربما كان الأمر الذي دفع المسلمين في بداية نهضتهم العلمية إلى التعامل أكثر مع العلوم الحسية والتجريبية هو تعرفهم على هذا المبدأ، وبقي العلماء المسلمون إلى قرن أو قرنين يمارسون العمل التجريبي والتحليلي في المواد الكيمياوية، وانتشرت بين العلماء المسلمين آنذاك علوم كالطب والكيمياء والهيئة والنبات والتشريح وكلها مقرونة بالحس والتجربة، بيد أنهم تخلوا تدريجياً لبعض الأسباب عن التجربة والعلوم الحسية واتجهوا نحو الطريقة الفلسفية إلاّ في بعض الحالات النادرة، وخاضوا في العلوم العقلية، وكانت هذه بداية الانحراف الذي أشرنا

  إليه سلفا والذي كان يفصل بين الفلسفة القرآنية والبشرية.

 

العلاقة بين الفكر والأخلاق

ربما أمكننا أن نجد فرقاً آخر بين هذين الاتجاهين الفكريين:

فبينما يدقق منطق أرسطو في صور القياس والشروط الصورية وأشكالها، نجد أن القرآن يوجه عنايته نحو الحالات الروحية المساعدة أو المتضاربة مع الفكر الصحيح، ويعتبر مراعاة الأسس الأخلاقية أهم من أية أسس أخرى للوصول إلى الحقيقة ؛ فمن الركائز التي تحظى بكمال الأهمية من النظرة القرآنية والإسلامية التحري عن الحقيقة وقول الحق والإذعان والتواضع له، وسؤال أهل الذكر، والرجوع إلى العلماء، والمجاهدة للوصول إلى الحق، والأمل بحل جميع المشكلات العلمية، ومراعاة الأنصاف، والاعتراف بالجهل وقلة العلم ]... وما أوتيتم من العلم إلاّ قليلا] (11) وعدم اتباع الهوى وتجنب إبداء الرأي سلباً أو إيجاباً دون علم، وعدم اتباع الظن والحدس، واجتناب الصفات الرذيلة كالكذب والافتراء والتهمة والبهتان وقول الزور والمراء والمجادلة والغرور والتعصب في قبول الحق وتقليد الآباء والأجداد واتباع الأكثرية الجاهلة والاعتقاد بالخرافات وبأساطير الأولين والسحر، ومراجعة الكهنة والمنجمين وغيرها، فبمراعاة هذه الأصول تتضح الحقيقة للإنسان دون أي شك، ويتطلب هذا الموضوع تفصيلاً أكبر ليتضح أكثر فأكثر دور هذه المبادئ والخصال في الوصول إلى الحق والحقيقة والابتعاد عن الخطأ والانحراف.

وبشكل عام فان الميول النفسية كالتعصب وتقليد الماضين وأمثال ذلك تعد بمنزلة الغل

الذي يقيد الفكر ويسلب حرية التفكير من الإنسان، ولهذا منعها الإسلام وذمها ذما شديداً.

ولقد ربط القرآن بين عقل الإنسان وقلبه وأحاسيسه بشكل دقيق، وجعل علاقة مباشرة بين الفكر والأخلاق، الأمر الذي لا وجود له في منطق أرسطو، ومن هنا يمكن أن ندرك أن القرآن جمع بين أسلوب الفلاسفة الذي يعتمد الاستدلال المحض، وأسلوب العرفاء وأهل السلوك والأخلاق، وتوأم بين الاستدلال والطهارة القلبية ؛ بعبارة ثانية فان الأسلوب القرآني هو خليط من فلسفة أرسطو وأفلاطون وجمع بين الفلسفة المشائية والاشراقية، اللتين تستند إحداهما إلى الاستدلال العقلي والأخرى إلى السير والكشف الباطني من خلال تزكية النفس، وقد حاول بعض الفلاسفة العرفاء الجمع بين هذين السلوكين وعلى رأسهم الحكيم صدر المتألهين الشيرازي الذي أرسى هذه الحكمة من خلال: (الحكمة المتعالية).

وهنا قد يسأل سائل: هل من المفروض ابتداءً تزكية الباطن وسلوك سبيل الإشراق ومن ثم الدخول إلى عالم الاستدلال على أساس الفلسفة المشائية، أم بالعكس، الابتداء بالاستدلال، لتأتي نتيجة هذا الاستدلال ملموسة من خلال تزكية الباطن والكشف والشهود؟

يبدو ان أسلوب صدر المتألهين ـ وحسب ما وصلنا من بعض تلامذة مدرسته، وربما كان محي الدين ـ من هذا الاتجاه هو الاحتمال الثاني، غير أن الأسلوب القرآني لنيل الحقائق والجمع بين طريقي الاستدلال والشهود ينطبق على الاحتمال الأول، لأننا قلنا بأن شرط الاستدلال الصحيح هو التعقل الصحيح المنطقي وصفاء الباطن وتزكية الأخلاق.

وبالطبع فان الكشف والشهود يستمران بعد مرحلة الاستدلال، ويمكن أن يجتمع الاحتمال الأول مع الاحتمال الثاني، أو بتعبير أدق فان تزكية الباطن هي شرط الاستدلال الصحيح، أما الكشف والشهود بعد الاستدلال فيفيضه مبدأ الفيض.

 

تهذيب النفس وتعديل الغرائز

قلنا أن البرنامج الإصلاحي للقرآن الكريم يبدأ من إصلاح الفكر والقلب الإنساني وينتهي بالعمل، ولقد تطرقنا باختصار إلى إصلاح الفكر بما يكفي لادراك الموضوع، وفيما يلي نبحث باقتضاب أيضاً حول إصلاح الباطن وتزكية النفس وجلاء الروح، أو كما يقال بعبارة واحدة تهذيب النفس.

من الطبيعي أن تتناسب أعمال الإنسان مع طريقة تفكيره، وهذا الفكر ـ كما وضحنا سابقاً ـ يرتبط بصفاته الباطنية، فالفكر الصحيح النزيه ينطلق من باطن طاهر، والفكر المتطرف والمنحرف يصدر عن روح ملوثة وباطن قاتم، إذن تعتبر تزكية النفس الشرط الأول للفكر الوضاء والضمير الطاهر والعمل الصالح ] قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها] (12).

 

الطغيان أصل الانحراف الأخلاقي

لا يسعنا هنا أن ندخل بحث الأمراض الباطنية وأسباب الانحرافات الخلقية، إلاّ أنه ينبغي القول أن القرآن اعتبر الطغيان علة العلل والمصدر الرئيس لجميع الرذائل النفسية،

وما ضلال فرعون وادعاؤه الألوهية وقوله ] أنا ربكم الأعلى] (13) إلاّ ناجم عن طغيان الروح وعدم اعتدال الغرائز النفسية، وقد بعث الله تبارك وتعالى موسى إلى فرعون ليقدم له علاج التزكية لهذا المرض الخبيث: ]اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى](14).

كما أن جهنم هي مأوى أهل الطغيان ] للطاغين مآبا] (15)، وما ألسنة لهيبها وأصوات نيرانها إلاّ تجسيد للشرر المتطاير من نفوس الطغاة الجامحة.

فما هو الطغيان؟

إن حقيقة الطغيان هو الخروج عن الاعتدال، والإفراط أو التفريط في الغرائز، ولهذا يطلق القرآن الكريم لفظ (الفاسقين) على أهل الطغيان والمنحرفين وحتى الكافرين، لأن الفسق في اللغة بمعنى الخروج والانحراف عن الطريق الصحيح، والفاسقون هم المنحرفون عن جادة الفطرة واعتدالها، والخط الوسط.

وبالطبع فان النفس الإنسانية تتوفر على ميول وغرائز عديدة منها الغريزة الجنسية وحب المال والأنانية وحب الجاه والسلطة وحب الجمال والميل إلى الطعام واللباس الأفضل وخلاصة القول: إن الإنسان يعشق اللذة ويحب أن يعيش الحياة الأفضل، وهذه الميول ليست عيباً في الإنسان، إنما هي ضرورة له، ولكن ضمن حدود معينة ومقادير محدودة، إن قلت عنها أو كثرت عليها سببت للإنسان المتاعب والمشاكل، والإنسان الكامل هو الذي يستطيع تحديد مقدار الضرورة لإشباع هذه الغرائز، والاقتناع بذلك.

ومثل هذه الغرائز والميول للنفس الإنسانية، مثل المواد الكيمياوية المختلفة التي يحتاج البدن إلى المقدار اللازم المتعادل منها، فإذا اختل هذا التعادل وتغيرت الكمية أصيب الجسد بمختلف الأمراض.

وتأتي الأهواء النفسية لتؤجج هذه الميول، بينما تقضي الضرورة أن يصار إلى كبح جماحها وتعديلها وتحديدها، لأن في ذلك الفلاح والسعادة، وقد قال القرآن الكريم كلمته الفصل في ذلك، في قوله تعالى: ] فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى] (16).

جذور الطغيان

إذ قلنا أن النفس الآدمية والميول الباطنية للإنسان خلقت هكذا، تطغى ولا يستطيع الإنسان أن يسيطر على غرائزه ويحددها، وبالتالي فان هذا المرض طبيعي ومزمن وليس له علاج، فان القرآن الكريم يرد علينا بأن الله تبارك وتعالى خلق الإنسان سويا على الفطرة، بمعنى أن الميول التي أودعها فيه ممكنة التعديل، ويمكنه التعديل، ويمكنه بنفسه أن يبادر إلى تعديلها، ولكن بشرط  أن يطلب ذلك ويريده، ويجاهد في سبيل حفظ تعادله، ذلك أنه لو ترك لجام النفس، فان نيران ميولها ورغباتها ستلتهم الوجود الإنساني كله.

هذا الاشتعال والطغيان يعتبر خاصية طبيعية للنار والميول النفسية، وبالطبع فان مما يؤثر على هذا الطغيان التربية الأسرية والبيئة والوراثة إلى حدٍّ ما والوضع المزاجي، إلاّ أن أيا من هذه العوامل لا تستطيع المقاومة أمام الإرادة الإنسانية التي تستطيع تطويع النفس

خلافاً لما قال الشاعر الخراساني:

لا يمكن تطويع هذه النفس الأمارة

ولا يمكن أن يُسلم هذا الكافر.

فالقرآن الكريم يؤكد بأن النفس الإنسانية تتقبل الموعظة، وهذا يعني إمكانية إيقاف الميول والغرائز عند حدود العدالة والحكمة، ولا يمكن القضاء عليها كلياً، بل ليس من مصلحة الإنسان ذلك، لأن القضاء على الميول يوجد نقصا في الخلقة الآدمية الكاملة مثلما يوجده قطع أحد الأعضاء والجوارح.

كما أن الشاعر بابا طاهر لا يسلك الطريق الصحيح حينما يحاول تزكية باطنه، ويضيق به المقام ويتمنى أن يغرز خنجرا في عينيه ليطمئن قلبه، إذ أن العين يجب أن يبقيها لمصلحته في تشخيص الطريق السوي عن الطريق المنحرف والصديق عن العدو، ويبادر إلى إصلاح نفسه، لكيلا تهوى كل ما تراه العين ؛ وقد أجازت بعض المدارس الأخلاقية الإخصاء ليتخلص السالك من شيطان شهوته، وأما الإسلام فيرفض بشدة مثل هذه الأساليب، لأن على السالك أن يتجنب استعمال آلة الشهوة في غير مواردها، ويبقي عليها من أجل بقاء النسل وحفظ مصلحة النوع.

التقوى علاج الطغيان

التقوى في الطب القرآني هي العلاج الناجح لمرض الطغيان، والتقوى من الوقاية هي بمعنى حفظ النفس وحراستها من الطغيان والتمرد والتقوى عبارة عن كبح جماح الغرائز النفسية وتحديد استعمال الغرائز وإشباعها، وهي مصدر كل خير وحسن وعمل صالح، واختلالها يؤدي إلى وقوع  الفساد والشر، وقد جعل الله تعالى المتقين في مقابل الطاغين:

 ]إن جهنم كانت مرصاداً. للطاغين مآبا.. إن للمتقين مفازا] (17).

إن بحث التقوى يحتاج إلى كتاب كامل، ولا يسع المجال في هذا المقال للخوض في هذا الموضوع المهم. وبلحاظ ان كبح جماح الميول ليس أمراً مستحيلا وإنما مشكلا وصعبا، فان القرآن الكريم استعمل في هذه الحالة صيغة (افتعال) الذي يعني القيام بالعمل مع مشقة وتعب، وكلمة (اتقى) و(متقين) وأمثالهما في القرآن الكريم إشارة لهذا المعنى.

وقديماً قيل: ما أسهل أن يكون المرء عالماً، وما أصعب أن يصبح إنساناً، وقد علق أحد كبار علماء الحوزة العلمية في قم على هذا القول حسب ما سمعته من الامام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، وقال: ما أصعب أن يكون المرء عالماً، أما أن يصبح إنساناً فذلك مستحيل؛ ولا شك أنه أراد المبالغة في صعوبة المبادرة إلى اكتساب محاسن الأخلاق ومكارم الفضائل ؛ وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك بالجهاد الأكبر، واعتبر مقاومة العدو الباطني أهم من مجاهدة العدو الخارجي، ولعل هذه الصعوبة هي التي دفعت ببعض السالكين إلى تشبيه النفس بالكافر الذي لا يسلم، أو تمنى فقء العين بخنجر أو قطع العضو التناسلي لردع الرغبات النفسية أو القيام برياضة عسيرة وشاقة تشل الجسم، ولكن هذه الأمنيات أو الممارسات تعبر عن ضعف الإرادة وفقدان التقوى، لأن القرآن الكريم يؤكد بأن الإنسان يستطيع تقييد هذا الشيطان الجامح وتطويقه بقوة العقل وسلاح التقوى والإرادة، ولهذا جعل الله تعالى الحكمة في الكثير من العبادات ومنها الصيام حيث يقوي الإرادة ويرسخ التقوى في النفوس: ] يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون] (18).

 

سبيل الوصول إلى التقوى

تقوم أسس التقوى على معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته الجلالية والجمالية والخوف منه ورجاء لطفه، كما أن الاحتكام إلى العقل ومعرفته والأنس بالأحكام يساعد الإنسان كثيراً على التمسك بالتقوى. هاتان المعرفتان تبعثان في المرء الرغبة في اتباع العقل والشرع، وكلما اشتد الانقياد لهما واتباعهما، اشتدت قدرة النفس على هذا الانقياد وازدادت رغبتها فيه وهنا يؤثر كل من العقيدة والأخلاق والعمل على الآخر تأثيراً متبادلا بالشكل الذي تتعاضد هذه العناصر مع بعضها، وفي ظل هذا التلاحم يمكن للبشرية أن تتطور وتتقدم علمياً وعملياً.

 

التقوى أساس تكامل الحضارة الإسلاميّة

لا نريد أن نبحث في هذه الفقرة بدايات التعاليم العلمية القرآنية ونهاياتها، ورأي الإسلام في إصلاح عمل الفرد والمجتمع والمسائل الاجتماعية والسياسية وتطور العلم والحضارة، إنما نكتفي بالإشارة إلى أن جميع الأعمال الفردية والاجتماعية والتعاليم العملية في القرآن والمسار العلمي والفكري الإنساني، كلها تستند إلى التقوى الباطنية والنوايا النزيهة.

إن المرور الإجمالي على الآيات المرتبطة بالعقائد والأخلاق والأعمال، يوضح لنا بدون لبس أو غموض أن الرابط بين هذه الأمور ومقدمتها ونتيجتها هو التقوى، كما أن المتقين هم

الفائزون بالهداية الإلهية والسعادتين الدنيوية والأخروية وجميع المواهب الربانية، ومنها السلطة السياسية السليمة والعلم المفيد والحضارة: ] إن للمتقين مفازا[.

والبرنامج الإصلاحي القرآني يتناول الإصلاح الاجتماعي ككل ولا يقتصر على الجانب الفردي، ويتوقف إصلاح المجتمع على إصلاح الفرد، ولا يمكن أن يتركب المجتمع الصالح من أفراد فاسدين، وهذا لا يعني أننا يجب أن نقف مكتوفي الأيدي إزاء إصلاح المجتمع حتى يتم إصلاح كل أفراده، بل ينبغي أن نبذل الجهود والهمم نحو إصلاح النفوس وتربيتها على التقوى، بموازاة الجهود الإصلاحية الأخرى. ولابد أن نعترف أن أي علم ـ وحتى العلوم التجريبية والطبيعية فضلا عن العلوم الإنسانية ـ ينفع في المجتمع المتقي، ويضر في غيره لأن العلم هنا سيكون كالشفرة بيد السكران ؛ وللأسف فان العالم يعاني اليوم من هذه الحالة، وإن الغرب الذي يحمل لواء العلم والمدنية والصناعة بعيد كل البعد عن التقوى، وبالتالي فان معظم الكوارث والفجائع التي تقع في العالم تنشأ عن هذه الحالة أجل، فعالم اليوم أصبح عالماً جاهلياً، أو كما أثبت الشهيد سيد قطب في كتابه (جاهلية القرن العشرين) أن جميع رذائل العهد الجاهلي تتكرر اليوم، ولكن تحت ستار التطور والعلم والصناعة في العالم الغربي. إن مدنية العالم الغربي مدنية مريضة ولابد من أن تعالج لكي يشفى العالم من هذا المرض المعدي. وهذا هو الفارق الرئيس بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلاميّة  التي تقوم على أساس التقوى، ويمكن القول أن نتيجة الحضارة الإسلاميّة  تأسيس مجتمع متطور متكامل، أما نتيجة الحضارة الأوربية فهي الإباحية واستكبار فريق من البشر واستضعاف آخرين.

 
المسؤولية الجماعية

هنا تلعب المسؤولية الجماعية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دوراً رئيساً في ضمان سير الأمور سيراً صحيحاً  وتنفيذ جميع القوانين وإصلاح الأفراد، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى بناء الحضارة النافعة، ولابد من قيام المتقين الصالحين بهذه المسؤولية الخطيرة بشكل متواصل ومستمر.

وكلما صلح أفراد المجتمع ولاسيما شخصياته المؤثرة والقيادية كالمفتين والخطباء والكتاب والمعلمين والقضاة والمسؤولين والمبدعين والمخترعين والعلماء، صلح المجتمع وسار نحو الكمال المطلوب.

إذن، فالمجتمع السليم يصلح بتقوى الأفراد التي اتخذت الطابع العام، أو بعبارة أخرى بالتقوى الفردية المستبدلة بالتقوى الاجتماعية التي تشير إليها الخطابات العامة في القرآن: ] يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة...] (19).

وبعكس ذلك المجتمع الفاسد الذي تحكمه روح الطغيان والعدوان ويتبدل فيه الطغيان الفردي إلى طغيان جماعي ؛ وإذا افترضنا إمكانية إقرار النظم والانضباط في المجتمع الفاسد بالقوة، فإننا لا يمكن أن نثق ببقائه، لأنه أمر مصطنع وحركة اصلاحية كاذبة لم تقم على الخصائص الروحية والتقوى بالطنية للأفراد، وقد يتعرض مثل هذا المجتمع ونظمه للتفتت والانهيار كل لحظة.

هذا هو جوهر وروح التعاليم الإسلاميّة  الإصلاحي للقرآن الكريم من أجل الارتقاء بالمستوى العلمي والفكري وبناء حضارة سليمة بناءة، ولابد أن يأخذ تفسير القرآن بالاعتبار هذا الأجمال بياناً وتوضيحاً وشرحا، ويربط بين الإيمان والعقيدة والتقوى مع العلم والحضارة، لا أن يعتبر كل منهما غريباً عن الآخر مثلما شيدت المدنية الغربية ركائزها على الفصل بين الدين والعلم، فأوجدت الفساد والشر.

هذه المدرسة القرآنية هي التي خرجت آلاف العلماء والمفكرين والعرفاء والفقهاء والقادة والزعماء السياسيين والفلاسفة والأطباء والصناعيين وغيرهم من المتخصصين في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وعبدت الطريق أمام التقدم العلمي للبشر، ويمكن باتباع هذه المدرسة تحقيق الآمال القديمة التي ظلت تراود المصلحين، وإيجاد المدينة الفاضلة، وإنقاذ المجتمع البشري من مستنقع المادية.

 

دور الثورة الإسلاميّة

إننا نعيش حالياً في عصر الثورة الإسلاميّة  التي ترى إصلاح الحضارة البشرية واحداً من أهدافها السامية، وهذا هو معنى تصدير الثورة الذي أشار إليه مؤسس الجمهورية الإسلاميّة  الامام الراحل مرارا، إذ أراد توجيه المسلمين ومن ثم سائر الشعوب العالمية نحو المعنويات، ليصبح العلم والصناعة والحضارة والفن كلها  في خدمة التقوى والإيمان. إن هذا الانفصام الذي فرضته أوربا على الدين والعلم، وجعلت من أحدهما ندا للآخر، يجب أن يزول، لتتجه البشرية نحو حياة جديدة تستلهم من الوحي، ويدخل الإيمان في كل الشؤون الحياتية الإنسانية الفردية منها والاجتماعية، والسياسية والاقتصادية والصناعة والفنية، لكي لا يحصر الدين بين جدران الكنيسة كما هو المتبع في المسيحية، أو جدران المسجد كما هو الحال عند كثير من المسلمين.

إن قضية (الالتزام) التي تبنتها الثورة الإسلاميّة  كشعار يجب أن تدخل كل الزوايا الحياتية للإنسان ولكل إنسان، من القائد السياسي إلى الصناعي والمخترع والمكتشف والى العسكري قيادة وقاعدة، غاية الأمر أن القادة يجب أن يكونوا أكثر التزاما بلحاظ المسؤوليات الملقاة على كواهلهم.

إننا نأمل أن تؤدي هذه الثورة المقدسة دورها في داخل البلاد وخارجها بين صفوف مليار وثلاثمائة مليون مسلم، وفي كل العالم لكي تنشر فيه روح الالتزام والتقوى وتعالج هذه الحضارة المريضة الفاسدة وتوجهها نحو الطريق الصحيح الذي يؤمن المصالح الإنسانية بأذن الله تعالى.

ولا تستبعدوا هذا الأمر لأن العالم قد عانى ما عانى من الفكر المادي الذي انهارت دولته والحمد لله في الشرق وأنفضح أمره، أما الجناح الآخر فله عودة إلى المعنويات، وقد علق كثير من غير المسلمين الأمل على هذه الثورة التي امتد تأثيرها إلى بلدانهم، فلقد نقل عن رئيس الكنيسة الروسية قوله أن رسالة الامام الخميني إلى غوربا تشوف لم تقتصر فائدتها على إيقاظ المسلمين السوفيت، وإنما أيقظت أيضاً المسيحيين هناك، وإن الامام الخميني لم يخدم الإسلام وحسب وإنما قدم خدمة لكل الأديان الإلهية والإلهيين في العالم.

أجل، فقد كان الامام إنساناً مثاليا طوى جميع المدارس الفلسفية والعرفانية بفكره وسيره الباطني، وكان عالما وروحانياً ومسلماً حقيقياً، وليس مسلماً تقليديا وعالما قشرياً أخرج الدين من مهجوريته وطرحه في العالم من جديد، ونبه البشرية إلى القيمة الاجتماعية والسياسية للدين.

إننا نأمل أن تؤدي هذه الثورة المظفرة دورها العالمي على أفضل وجه، وتهدي الحضارة العالمية إلى الطريق القويم، وتحقق عمليا التأثير القرآني على التكامل البشري والحضارة الإنسانية. 


(1)  ـ العصر:3.

(2) ـ الأعراف: 185.

(3)  ـ ق: 6.

(4)  ـ الغاشية: 17 ـ 20.

(5)  ـ البقرة / 269.

(6)  ـ الرعد: 8.

(7)  ـ القمر: 49.

(8)  ـ الحجر: 21.

(9)  ـ الزمر: 9.

(10)  ـ المجادلة: 11.

(11)  ـ الإسراء: 85.

(12)  ـ الشمس: 109.

(13)  ـ النازعات: 24.

(14)  ـ النازعات: 17 ـ 18.

(15)  ـ عم: 22.

(16)  ـ النازعات 37 ـ 41.

(17)  ـ النبأ / 21 ـ 22 ـ 31.

(18)  ـ البقرة / 183.

(19)  ـ البقرة / 208.