حوار مع: د. محمود البستاني

أستاذ سابق في كلية الفقه.


الفهم المتجدد لآيات الكتاب المجيد في ضوء منهج التفسير البنائي

س:  يعتمد كل مفسر منهجاً محدداً من خلاله يتعاطى مع نصوص القرآن الكريم، باعتباركم مفسراً ما هو منهجكم في قراءة آيات الذكر الحكيم؟ وهل المنهج من إبداعكم وكيف توصلتم إليه؟.

ج :  المنهج أو النمط الذي اخترته في دراسة النص القرآني الكريم يتنوع تبعاً لما تفرضه اللغة (الجمالية) من التناول المقطعي أو الكلي للنص. ويمكن الذهاب إلى ان الدراسات القرآنية الكريمة تنشطر إلى نمطين، أحدهما يتناول (لغته) الجمالية، والآخر لغته العلمية.

واصطلاح (التفسير) ينسحب عادة على اللغة العلمية أو مادتها، وهو اثر من الممكن ان نتحفظ حياله إذا أردنا التدقيق في المفردة المشار إليها أي: (التفسير) وما يقترن به من الاستخدام المتميز عنه وهو (التأويل حيث تصطنع المصادر اللغوية فارقاً بين (التفسير) الذي يعني: الكشف عن الدلالة الظاهرة (الظهور اللفظي) وبين (التأويل) الذي يعني: الكشف عن الدلالة الباطنية للنص.

ومن البيّن ان الدراسات الجمالية للنص القرآني الكريم لا تختلف عن الدراسات العلمية في تناولها لكل من التفسير والتأويل، كل ما في الأمر ان الدراسة الأدبية تتحدث عن كيفية التعبير عن دلالة النص، أما الدراسة العلمية فتتناول الدلالة ذاتها...
وما يعنينا من هذه الإشارة هو: ان أحد أنماط الدراسة الجمالية هو دراسة النص المستقل (أي: السورة القرآنية الكريمة) من حيث بناؤها الهندسي، أي دراسة موضوعاتها ولغتها من حيث صلة جزئياتها: بعضها مع الآخر.

وبتعبير بديل: دراسة عمارة السورة القرآنية الكريمة من حيث صلة آياتها جميعاً بعضها مع الآخر، ومن حيث صلة موضوعاتها: بعضها مع الآخر، ومن حيث صلة أولئك جميعاً بالعناصر الأخرى: كالصورة والإيقاع والحوار والقصة... الخ ،... وهذا النمط من التناول يختلف عن سواه بكونه يتوفر على دراسة البُعدين: الجمالي والدلالي (العلمي)، فتكون دراسته اكثر سعة من الدراسات القرآنية الأخرى.

 
وقد أسميت هذا النمط من الدراسة بـ (التفسير البنائي) بصفة أنها تتناول (بناء) السورة القرآنية الكريمة من حيث كونها هيكلاً عضوياً يتماثل في وظيفته مع العمارة الخاضعة لهندسة خاصة أو الجهاز الجسمي في توا شج أعضائه: بعضها مع الآخر..

س : بماذا يفترق التفسير البنائي عن الدراسات التجزيئية والموضوعية التي يعتمدها المفسرون الآخرون؟

ج : يمكن تلخيص مسوغات التفسير البنائي في جملة نقاط، منها:
ان الدراسات القرآنية الموروثة قد اقتصرت على التفسير الترتيبي أو التجزيئي، أي دراسة: الآيات القرآنية الكريمة منعزلة عن الهيكل الهندسي العام للسورة،... والأمر نفسه بالنسبة إلى غالبية الدراسات الحديثة، عدا البعض النادر منها، حيث نلحظ اقتصارها على بعض سور القرآن الكريم دون التوفر على السور جميعاً، أو دراسة المناخ العام للسورة، وهي تختلف بطبيعة الحال عن دراسة البناء العضوي لها، لان المناخ العام للسورة ينحصر في تبيين المحور أو المحاور الفكرية التي تتناولها السورة، أما البناء العضوي فيتناول الصلة العضوية بين المحاور المذكورة، أي الرابطة (السببية) بين عناصر السورة جميعاً، سواء أكانت موضوعاً واحداً ذا جزئيات أو موضوعات مختلفة، أو عناصر ثانوية... الخ.. وثمة دراسات أخرى هي: الدراسة أو التفسير الموضوعي، حيث يقتصر هذا النمط من الدراسة على المحور الدلالي الخاص بهذا الموضوع أو ذاك، من خلال اقتناصه من النصوص القرآنية بنحو عام، وهو بدوره يدرس الظاهرة منعزلة عن استقلالية الهيكل العام للسورة القرآنية... وهذا يعني: ان دراسة البناء العضوي للسورة تظل غائبة عن الساحة التفسيرية، وهذا ما شكّل مسوغاً للتوفر عليه...

س : يبقى ان نتساءل عن المسوّغ لهذا النمط من الدراسة من حيث المعطيات المترتبة عليه، فما هي تلك المسوغات؟

 ج : يمكن تحديد ذلك على النحو الآتي (حيث كررت الإشارة إليه في مناسبات مختلفة):

ان أول ملاحظة ينبغي الانتباه إليها هي: ان القرآن الكريم ينتظم في شكل خاص أو وحدة لغوية خاصة هي (السورة) وليس عبارات منتشرة هنا وهناك (كانتشار الأحاديث مثلاً)... والمؤسف ان الغالبية تغفل عن إثارة السؤال المتقدم، أي: سبب انتظام النص القرآني في (سور)، وحتى في حالة إثارة من مثل هذا السؤال، فذاك منحصر في الإشارة إلى المناخ العام للسورة لا (سببية) ذلك ... هذه الفجوة أو الشرخ الذي نلاحظه في الدراسات القرآنية يحمل الباحث على محاولة تلافيه، وهو ما يضطلع به المنحى البنائي في الدراسة...

ومما لاشك فيه، ان سراً خاصاً يكمن وراء طرح الأفكار (الفكر) ضمن (سور) وليس ضمن فقرات متناثرة، حيث لا يمكن التفسير التجزيئي ان يفسر لنا مثلاً: لماذا تتكرر الموضوعات في السورة، حيث يكتفي تناول الآيات بمعزل عن الارتباط العضوي بينها، كما لا يستطيع التفسير الموضوعي ان يفسر لنا ذلك لأنه بصدد ما يطرحه من محاور: يغض النظر عن تكرارها وعدمه، بينما يستطيع التفسير البنائي ان يوضّح الأسرار الكامنة وراء ذلك...

والحق ان دراسة النص القرآني الكريم (من حيث النشأة وامتداداتها) قد تأثرت بالمناخ الثقافي الموروث العام، بخاصة في ميدان النصوص الفنية، حيث نعرف تماماً بأن الدراسات العصرية لم تألف مقاربة النصوص (كالقصيدة منها) من حيث زاوية بنائها العضوي، بل اقتصرت على الدراسة الجزئية في نطاق البيت الشعري، عدا الإشارة المستخبية إلى ما يطلق عليه بـ حسن (الاستهلال) و (حسن التخلص) و(حسن الختام) وهو تناول نادر من جهة، وموضعي محدود من جهة أخرى (كالإشارة مثلاً إلى كيفية التخلص من البكاء على الطلل إلى المدح مثلاً) وهذا لا ينكأ جرحاً بطبيعة الحال... ويكفينا ان نقرأ كتب البلاغة مثلاً، لنجد ان قواعدها جميعاً لا تتجاوز النظر إلى المساحة المحدودة بالمسند والمسند إليه وقيودهما (بحسب الاصطلاح الموروث)، وهذا ما انعكس على الدراسات القرآنية الكريمة بدوره.

والحق: ان دراسة البناء العضوي للسورة القرآنية الكريمة، ينبغي إلا نعزلها عن دراسة أهم الجوانب المعرفية، إلا وهو: جانب (الاستجابة)، أي: عملية (التلقي) بما تواكبها من معرفة قوانين الإدراك الذهني وأساليب استثارته، حيث تقف في مقدمتها: ظاهرة الاستجابة (الكلية) للشيء، فيما تذهب هذه القوانين إلى إننا (وهذا ما يعززه التجريب اليومي لحياتنا) نتلقى الأشياء من خلال النظر إلى (الكل) الذي هو (اكبر) من أجزائه التي تنتظمه، وأهمية هذه الاستجابة تتمثل في طبيعة النص المدروس (كالنصوص البشرية مثلاً) من حيث كونه مجموعة متماسكة من جزئياته التي تتألف أم متخلخلة أو متناثرة لا تماسك بينها، ...

فالنصوص الناجحة هي المراعية لمبادئ التماسك، متمثلة في مراعاة النقطة التي تبدأ رحلة النص منها، ثم في (تناميها) أو (تجانسها)، أو تداعياتها) أو (سببيتها المنطقية) الخ، أو سائر الخيوط أو الأسلاك التي تنظم شبكة النص من حيث بطانته الفكرية وموضوعاتها وعناصرها الصورية والإيقاعية و..و.. الخ، حيث تتأثر جميعاً في توهيج الدلالة المستهدفة. وهذا ما يتجسد تماماً في مواجهتنا للنص القرآني الكريم،.. فنحن حينما نقرأ (السورة) (وفق شرط مهم هو: ان نعي ما نقرأ، وإلا فالقراءة الغافلة كعدمها إلا في نطاق ما تنشره العناصر الإيقاعية والتركيبية من الاستثارات)، نكون حيناً (واعين) بعناصرها (كقارئ القصيدة مثلاً من حيث معرفته بقوانين عروضها) أو متحسسين بانتظامها الصوتي فحسب دون معرفتنا بأسباب ذلك (أي القوانين التي تجعل عروض القصيدة بهذا النحو مثلاً)، ولكن في الحالتين ـ أي سواء أكنا واعين بقانون العروض أو غير واعين ـ فان الانتظام الصوتي للقصيدة يفرض أثره الإيقاعي علينا، أي: يحقق إشباعاً للحاسة الجمالية المركبة فينا، وهي الحاسة التي تتطلع إلى ما هو منتظم من الأصوات... والأمر نفسه بالنسبة إلى قارئ السورة القرآنية الكريمة فالقارئ (الواعي) عندما ينتهي من قراءة السورة يتحسس بأن (أثراً) ما، قد تركته في خاطره، وهذا (الأثر) قد يعيه: كما لو كان على معرفة بقوانين الاستجابة البشرية لإدراك الشيء، وقد لا يعيه من حيث القوانين بقدر ما يعيه من حيث الأثر الدلالي الذي تركته السورة الكريمة...

س:  هل أعطيتم للقارئ صورة واضحة عن هذا المنهج ترسم المعالم الرئيسية له من خلال الأمثلة؟

ج : ان سورة الكهف (طالما استشهدت بهذه السورة نظراً لوضوح دلالاتها وتضمنها عنصراً قصصياً وابتنائها على محور عام واحد، وعدم طولها أو قصرها) نموذج بيّن لأحد أنماط البناء العضوي (والأبنية العضوية متعددة المستويات والخطوط والأشكال مما لا مجال للحديث عنها الآن)، وهو بناء يقوم على (هدف مركزي) وأهداف ثانوية... الهدف المركزي هو (زينة الحياة الدنيا وكيفية التعامل مع هذه الزينة)... والقارئ بمقدوره أن يستكشف هذا الهدف سريعاً حينما يضع في ذهنه ان السورة تتضمن نمطين من الصياغة اللغوية: النثر القصصي والنثر غير القصصي. وبالنسبة إلى النثر الأخير يواجه القارئ ثلاث آيات أو ثلاثة مواقع متفاوتة أو متباعدة تتحدث عن (الزينة) في السورة المذكورة، (أنا جعلنا ما على الأرض زينة لها...) (ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا...) (المال والبنون زينة الحياة الدنيا...)، ويواجه مجموعة من القصص أيضاً تتحدث عن زينة الحياة الدنيا (ولكن بالنحو غير المباشر بطبيعة الحال، وهو أحد أشكال (المنبّهات) الادراكية للشيء، حيث نجد حيناً ان تمرير الأهداف يتم من خلال الطرح المباشر، وحيناً من خلال الطرح غير المباشر... وأول القصص: قصة أهل الكهف حيث أوردها النص مباشرة، بعد آيتي الزينة (أنا جعلنا...) و (أنا لجاعلون ما عليها صعيداً جُرزا) حيث تأتي القصة مباشرة بهذا الافتتاح (أم حسبت ان أصحاب الكهف...) ومن البين ان إحلال القصة مباشرة بعد الحديث عن زينة الحياة الدنيا وتحوّل الزينة صعيداً جرزا، له مغزاه الفني الخطير، حيث تدع القارئ (بنحو لاواع يواجه تطبيقاً أو سلوكاً عملياً لنبذ زينة الحياة الدنيا دون أن تشير القصة إلى هذه الظاهرة لفظياً، وهذا النبذ لزينة الحياة الدنيا ليس نبذاً عادياً، بل النبذ للزينة بأقصى صورها ألا وهو اللجوء إلى الكهف حيث تنطفئ الحياة تماماً، كما ان أبطال الكهف ليسوا أشخاصاً عاديين بل يحتلون مواقع اجتماعية أو سياسية من الدرجة العليا، بمعنى ان الشخصية العادية من الممكن ان تنبذ زينة الحياة الدنيا العامة، ولكنها تشبثت بأمتعتها المباحة: كالحياة الزوجية والأسرية والقرابية والصداقية ...الخ. أما ان تدلف إلى الكهف مع أنها شخصية ذات موقع اجتماعي رفيع، فأمر يجسّد ـ كما قلنا ـ أقصى النبذ لزينة الحياة الدنيا، مما يترك أثره الاستجابي على المتلقي بنحو حاد كما هو واضح.

وما ان يمضي القارئ في متابعة النص حتى يواجه الآية الثانية للزينة، ثم ما ان يدعها حتى يواجه القصة الثانية المجسدة بدورها لأحد أنماط التعامل مع زينة الحياة الدنيا، ألا وهي قصة صاحب الجنتين (المزرعتين)، حيث يواجه القارئ موقفاً مضاداً تماماً للموقف السابق الذي لاحظه لدى أصحاب الكهف، فهذه الشخصية (أي صاحبة المزرعتين) قد تشبثت ـ على عكس أصحاب الكهف ـ بزينة الحياة الدنيا حيث قالت لصاحبها (أنا اكثر منك مالاً وولدا) وقالت عن مزرعتها (ما أظن ان تبيد هذه أبداً) بل شككت حتى بقيام الساعة (وما أظن الساعة ...).

أيضاً: لم تقل القصة مباشرة ان هذه الشخصية متشبثة على عكس أصحاب الكهف، بل تركتنا ـ نحن المتلقين ـ نستكشف ذلك من خلال الصياغة غير المباشرة ... بل أنها قدمت بنحو غير مباشر أيضاً تطبيقاً أو تجسيداً لما قالته الآية الأولى من الآيات التي تحدثت عن الزينة (أنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزا) حيث أوردت على لسان المحاور (صاحب الجنتين) بفقرة (... فتصبح صعيداً زلقا)..

فجاء التعبير بالفقرة المذكورة نمواً عضوياً للآية الأولى، وهذا هو أحد أشكال الترابط البنائي بين أجزاء النص، أي طرح (فكرة) ما، ثم إنماءها وتطويرها في الأجزاء اللاحقة من النص إلى تجسّدات جديدة...

بعد ذلك نواجه قصتين هما: قصة موسى والخضر عليهما السلام، ثم قصة (ذي القرنين) وقبلهما، الآية الثانية والثالثة للزينة،... بيد ان الملاحظ ان شخصية ثالثة هي شخصية ذي القرنين تقف بدورها تجسيداً لأحد أنماط التعامل مع زينة الحياة الدنيا، وهو التعامل الإيجابي، أي عدم التشبث بالزينة، ولكن من خلال سلوك مضاد تماماً لسلوك أبطال الكهف من جانب، ومن خلال سلوك مضاد لصاحب الجنتين لهم جانب آخر... أما السلوك المضاد لأبطال الكهف، فهو: السيطرة على المعمورة جميعاً، فإذا كان أهل الكهف انطلاقاً من نبذهم للزينة قد التجأوا إلى كهفهم، فان ذا القرنين (سيطر على الحياة الدنيا) ولكن من خلال نفس السلوك غير المتشبث بزينة الحياة الدنيا، وهذا يدع المتلقي بنحو غير مباشر أيضاً يستخلص دلالة هي: ان نبذ زينة الحياة الدنيا من الممكن في سياقات خاصة ان يتجسّد في العزلة الاجتماعية بأقصى صورها، ومن الممكن ان يتجسد أيضاً عكس ذلك: في الحضور الاجتماعي بأقصى صوره... طبيعياً، هذا التقابل بين أقصى العزلة وأقصى الحضور، ومع كونهما في خط (التماثل) في الأهداف، يشكل أحد أجنحة البناء العماري الجميل للنص... بالمقابل نجد تقابلاً من الخط الآخر بين شخصين، صاحب الجنتين وذي القرنين، فذو القرنين ملك (شرق الأرض وغربها) بحسب ما ورد من التعبير اللفظي عن ذلك، حيث قال النص (حتى إذا بلغ مغرب الشمس..) وقال (حتى إذا بلغ مطلع الشمس) أي: مغرب الأرض ومشرقها، حيث نواجه حدين للتملك هما: مغرب الأرض ومشرقها، وهذا ما يتقابل مع حدين للتملك أيضاً عند صاحب الجنتين، أي: تملكه لمزرعتين، ويقابل ذلك تملك ذي القرنين المغرب والمشرق، الأول يجسد أصغر المساحات الأرضية، وهما: المزرعتان، والآخر يجسّد أوسع المساحات وهما مشرق الشمس ومغربها... فهذا التقابل (يتم أيضاً بنحو غير مباشر)، التقابل بين من يملك شرق الأرض وغربها، ومع ذلك لا يتشبثت بزينة الحياة الدنيا، وبين من يملك مزرعتين فحسب، ولكن يتشبث بالزينة، ... الأول يقول بعد ان يسيطر على شرق الأرض وغربها (هذا رحمة من ربي)، والآخر يشكك كما لاحظنا بقيام الساعة..

إذن: هذه القصص (وتداخلات المساحة العظمى أو الغالبية من السورة) حامت على تجسيد هدف خاص، كل ما في الأمر ان الهدف قد (ينصّ) عليه مباشرة، وقد يتم التنصيص بنحو غير مباشر، كما لاحظنا بالقياس إلى النثر القصصي والنثر غير القصصي، ومن ثم: قد يعي القارئ هذه الصياغات، وقد لا يعيها، ولكن في الحالتين، ثمة آليات وعمليات ذهنية تستجيب (في أحد أشكال الاستجابة الشكلية) إلى النص المقروء: استجابة تترك أثرها أو انطباعها العام على الشخصية المتلقية، بحيث يتحسس المتلقي وهو ينتهي من تلاوة السورة بنحو واع، لما يتلوه أنها قد تركت انطباعاً مجملاً عن أهدافها ومواقفها في ذهنه بنحو غير واع بالنسبة إلى الغالبية عدا الدارس بوعي لهذا الجانب...

كذلك، نجد ان العناصر الثانوية المقوّمة للنص: كالإيقاع أو الصور وسائر مقدماته تسهم بلا أدنى شك في توهيج الدلالة المستهدفة في النص (وقد أوضحنا نماذج متنوعة منها في دراستنا للسور القرآنية الكريمة، كما أوضحنا نماذج منها في دراستنا للعنصر القصصي والعنصر الصوري فيما لا يسع المجال الآن للاستشهاد بها.

س : نجد كل مفسر يعتقد بصحة تفسيره وفقاً لمنهجه، ويفهم النص ضمن قوالب فكرية معدة سلفاً، فالعارف يقصر فهم القرآن على العرفاء، والفيلسوف يعتقد بانفراد الفلاسفة بفهمه، وذو المنحى الأخباري يعطّل فهم القرآن خارج دائرة الأخبار. ولاشك ان هذا التوجه في التفسير يتنافى مع خلود القرآن وشموليته، ويحرم شرائح واسعة من مقاربته والاستفادة من إيحاءاته وحينئذ لا يصدق ان القرآن «هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان».

فهل انتم مع هذه التوجهات؟ وهل بإمكانها إثبات صدقية ما تدعيه؟ واساساً كيف تبلورت هذه التوجهات وما هي مناشئ تكوّنها؟

ج: من الواضح ان النص القرآني الكريم يتميز بكونه ـ كما نعرف ذلك جميعاً ـ نصاً خاصاً من حيث لغته ومادته، فمن حيث اللغة يتسم بجماليته الفائقة، ومن حيث المادة يتسم بتنوع ضروب المعرفة، لذلك يتناوله المعنيون بدراسته من زوايا متنوعة: بحسب اختصاص الدارس،... فالباحث النفسي والتربوي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والأدبي يتناوله: كل واحد منهم بحسب تخصصه، وكذلك بالنسبة إلى مادته المنتسبة إلى العلوم الطبيعية والبحتة،... ففقرة (... لا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا) يتناولها الفقيه من زاوية الحكم (كالحرمة..) والباحث النفسي من زاوية السلوك العصابي (كالنزعة العدوانية)، والباحث الاجتماعي من زاوية العلاقات الاجتماعية (علاقات التنافر...) وهكذا... وحينئذ كيف يتنافى هذا البحث أو ذاك مع خلود القرآن وشموليته، وتحرم شرائح واسعة من الإفادة منه؟ هذا مالا نوافق عليه.

س: لاشك ان القرآن المرجع الأول للمسلم في العقيدة والتشريع والسلوك، وهذا يفترض ان يتواصل المسلمون معه، غير ان هناك من يستنكر التماس المباشر مع القرآن ويرفض قدرة الإنسان المسلم العربي الذي يتوافر على مقومات الفهم اللغوي والبياني للنص العربي المبين، على فقه النص القرآني بمنأى عن قول المفسّر، ويفترض ان يكون القارئ متلقياً وصاغياً جيداً لما يقوله المفسرون، فتعطّل القرآن، بعد ان حجبت نصوص المفسرين النص القرآني، وصارت وظيفتنا تقديم قراءات ترفع التناقض بين أقوال المفسرين، وتفرّد المفسر بمرجعيته النهائية واصبح يحتج بقوله طالب العلم فضلاً عن الإنسان العادي، كما تعطلت مرجعية القرآن.

فكيف يمكن المحافظة على مرجعية القرآن وهناك من يعتقد بتعذر فقه النص القرآني بمنأى عن المفسرين.

ج:  بالنسبة إلى مرجعية القرآن الكريم، يظل التعامل من خلالها محكوماً بسياقات متنوعة، ولا يمكن حصر ذلك في أحد مسارين: أمّا فهمه من خلال النص التفسيري أو بمعزل عنه... مضافاً إلى ان النص التفسيري هو نمطان، أحدهما: النص الشرعي (أي: تفسير المعصوم عليه السلام، وهو الحجة بطبيعة الحال، والآخر:

النص العادي حيث لا قيمة له البتة قبالة النص الشرعي.. هذا من جانب... من جانب آخر: نواجه تضارباً (في بعض النصوص التفسيرية الشرعية)، وهذا النمط (يُحّل) على نحو ما تتضارب خلاله سائر النصوص الفقهية وسواها، حيث يخضع الدارس ممارسته للأساليب المعروفة في ميدان العلاج بين الأخبار... والحق، ان بعض النصوص القرآنية من الممكن ان يتعامل مباشرة من خلالها دون الحاجة إلى النص المفسّر، .. والبعض الآخر: لابد من الرجوع فيه إلى نص المعصوم عليه السلام، والثالث: لابد من التوكؤ على التخصص في هذا الضرب المعرفي أو ذاك، ... وفي هذا النطاق ينبغي التفريق بين النص في لغته الجمالية حيث يملك المتخصص حق التوفر على تأويله، وبين النص في مادته المضمونية حيث ينبغي التوقف أو التحفظ حيال ذلك: في بعض أشكاله المشار إليها.. وهكذا...

إذن: لا مشكلة بالنسبة إلى مرجعية القرآن الكريم في ضوء الحقائق المتقدمة.

س: تفترض القراءة المتجددة للقرآن انه نص مفتوح قابل للقراءة في كل عصر وهذا هو سر خلوده، ويستدلون لذلك بسيرة الرسول ـ صلى الله عليه وآله ـ حيث لم يترك النبي الأكرم تفسيراً كاملاً لجميع آيات القرآن وإلا سوف لا يجرؤ أحد على تأويله في مقابل النص النبوي.

بينما يرفض البعض منهج التجدد في قراءة النص المقدس ويجمد على ما قاله المفسرون في العصور المتاخمة لعصر النص وما بعده، أو ينقب عن الروايات والأخبار الواردة بخصوصه متساهلاً في صحة أسانيدها، وبهذا يفقد القرآن مرونته التي تؤهله للإجابة عن الأسئلة المتجددة بسبب تغيّر الظروف والأزمان.

الدكتور البستاني مع أي المنهجين؟ ولماذا؟

ج: ما تقدم يقتادنا إلى الإجابة عن هذا السؤال، وهو ظاهرة: القراءة المتجددة من حيث صلتها بأحد أشكال التعامل الذي أشرنا إليه الآن، حيث يمكن الإجابة عنه على النحو الآتي:

لا يمكن الذهاب إلى ان القراءة المتجددة للقرآن الكريم تفرض بنحو مطلق، انه (نص مفتوح) بالمعنى الذي تذهب إليه بعض الاتجاهات، بل ينبغي التفرقة بين أنماط النص: كما قلنا، فهناك نص مفتوح (من حيث اللغة الجمالية ولكن أيضاً ليس بالنحو المطلق الذي تجنح إليه الاتجاهات العابثة كالتفكيكيين وسواهم)، كما ان هناك نصاً مفتوحاً بالنسبة إلى الدلالة المطروحة في بعض أنماطها التي تمثل بُعداً إنسانياً مشتركاً وليس بالنحو المطلق،... مقابل ذلك: ثمة نصوص (مغلقة) بحسب تحديدها الشرعي الذي توفر النص الشرعي عليها حيث ورد النهي عن التفسير الشخصي حيالها، مما يعني أننا نتعامل (نسبياً) مع النص القرآني الكريم، وهو أمر أشارت (المجلة) إليه عندما ذهبت إلى ان النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ لم يُلق الإنارة التفسيرية على جميع آياته، وهذا أمر ينسحب على مطلق النصوص الشرعية ولا يخص النص القرآني الكريم وحده، وذلك لأسباب ترتبط بطبيعة المهمة العبادية التي أوكلتها السماء إلى البشرية حيث أخضعتهم إلى (التجربة) أو (الاختبار) أو (الابتلاء) بما يصاحب ذلك من (فعاليات متنوعة، ومنها: فعالية (القراءة) حيث تركت نصوصاً (مفتوحة) في مجال العقائد والأحكام والأخلاق، وإلاّ كان من الممكن ان تقدّم السماء لنا (أفكاراً أو قوانين) جاهزة، وتحسم المشكلة.

والحق، ان مسألة النص المفتوح والقراءة المتجددة قد أثيرت في العقود الأخيرة بنحو ملّح بخاصة عند حفنة من الفلاسفة المشككين بالبُعد المعرفي أساساً، وانسحبت عملياً على القراءات المتعددة للنصوص الفلسفية والأدبية، وهو أمر إذا كان المناخ الأوربي يتحمل إثارته، فان مناخنا الإسلامي لا يأتلف ألبته مع هذه الاتجاهات المنحرفة، التي ترى ان أية قراءة للنص هي: إساءة قراءة، وان القراءة تظل مفتوحة لا نهاية لتأويلاتها، وهو أمر يتسق مع الانحراف العقائدي للمجتمعات أو الاتجاهات المذكورة، أي: عدم رسوها على يقين في المرجعية المعرفية.

والحق أيضاً، ان مسألة النص المفتوح والقراءة المتعددة أو التأويل المتعدد للنصوص تظل (إذا سلخناها من الأجواء المنحرفة الأخيرة) تراثاً معروفاً في المناخ الأوربي وفي مناخنا الإسلامي أيضاً، كل ما في الأمر ان السياقات المتفاوتة تفرض حيناً ضرورة القراءة متعددة التأويل (وقد تناولنا في دراستنا لعمارة السور القرآنية الكريمة، ودراساتنا للعنصر الصوري في القرآن الكريم) وللعنصر القصصي عشرات النماذج المتسمة بهذا الطابع ـ أي إمكانية ترشح النص بإيحاءات متنوعة، ليس في ميدان اللغة الجمالية فحسب، بل حتى في نطاق (المعرفة الإنسانية والطبيعية والبحتة مما لا مجال للاستشهاد بها الآن)...

س: ماذا يمثل السياق بالنسبة لكم كمفسر؟ علماً ان السياق يعكس دلالات الآيات المصطفة داخله ويمنع من تأويلها بعيداً عن دائرة إشعاعاته.

فهل تلتزمون بسياق الآيات بفهم دلالات وإيحاءات النص القرآني أم تفككون بين ترابطها لتنسجم مع ركائز عقائدية ومذهبية قبلية؟ ولماذا لا تكفي الثوابت القرآنية في النص لفهم دلالات الآيات بشكل مستقل عن خارج دائرة القرآن الكريم؟

ج: السياق ـ بصفته الاصطلاحية ـ قد لا يأتلف في محدداته عند الحديث عن المنهج البنائي في مقاربة النصوص مع بعض وجهات النظر التفسيرية لذلك، سأشير إلى السياق بالنسبة إلى عمارة السورة القرآنية الكريمة، وأحدده بالسياق النفسي للموقف. وأما الحديث عن تناول النص القرآني بصفته نصاً مكتفياً بذاته أو نصاً يعتمد على تسليط الأضواء الخارجية عليه، فأمر لا علاقة بالسياق بل بظاهرة أخرى طالما طرحها المعنيون بشأن القراءات للنصوص... وهذا يقتادنا أيضاً ـ إذن ـ إلى طرح مسألتين، إحداهما: تتحدث عن السياق ومحدداته، والأخرى عن الإضاءة الداخلية أو الخارجية للنص.

فبالنسبة إلى السياق عبر المصطلح الذي أعنيه في بناء النص القرآني الكريم، فان الإشارة لتجدر إلى ملاحظة هذا البناء والعودة إلى خطوطه المتنوعة، وفي مقدمة ذلك: كيفية صياغة الأهداف الرئيسة والثانوية والطارئة، وإذا كانت الكتابات الموروثة تعتمد على ما يسمى بالاستطراد في تمرير ما تستهدفه من ملاحظات خارجة عن الموضوع الرئيس، فان الكتابة الحديثة تعتمد تقنيات متنوعة: كالتداعي أو التجانس أو التنامي أو الفكر المعترض الخ ... سواء كان ذلك في ميدان الكتابة الإبداعية أو الوصفية، حيث يواجه المتلقي نصاً تتداعى من خلاله الموضوعات غير المترابطة في المظاهر مع أنها خاضعة لعملية (التداعي) النفسي أو خاضعة لخيط فكري رابط بين شبكة الموضوعات المختلفة التي لا يواجه المتلقي العادي رابطة ظاهرية بينها، بينما هي محكمة تمام الأحكام في الواقع، أو حتى في حالة طروء موضوع لا علاقة له البتة بسلسلة الموضوعات (كالإعلانات التي تفرض مسلسل التلفزة مثلاً) يظل ـ في الواقع ـ أيحد أشكال التقنية الحديثة... وبعودتنا إلى النص القرآني الكريم نواجه أبنية شتى في الحقل المشار إليه، إلا ان الحديث عن هذا الجانب يمكن حصره في نمطين من البناء، أحدهما: البناء العضوي الذي تتلاحم موضوعاته أو جزئياته برابطة (سببية) خفية أو ظاهرة، والبناء الذي (يعترضه) موضوع أو فكرة طارئة، كالحديث عن الصلاة مثلاً في سياق السلسلة المرتبطة بالطلاق، وأما النماذج المرتبطة بالنمط الأول من البناء فمتنوعة لا يسع المجال للحديث عنها، بقدر ما تمكن الإشارة إلى ان سياق بعض الموضوعات (كالحديث عن الأسرة ونطاقاتها التي يحددها علماء الاجتماع مثلاً) يستدعي الإشارة إلى واحد من نطاقاتها المتمثلة في «أهل البيت ـ عليه السلام ـ» حيث يستهدف النص تأكيد الظاهرة المرتبطة بهم ـ عليه السلام ـ وهو (التطهير) أو (العصمة)، فيجيء الحديث عنها في سياق الحديث عن زوجات النبي صلى الله عليه وآله، كما ان النطاقات الأخرى المرتبطة بالظهار وبالتبني وأولي الأرحام ومن ثم نساء النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ وأرداف ذلك بالمسلمين والمسلمات والقانتين والقانتات الخ، والتزويج من المطلقة «بالنسبة إلى النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ»، والنكاح مطلقاً والطلاق ثم العودة إلى أسرة النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ من جديد، والحديث عن الدخول إلى بيوته وتناول الطعام... الخ، ...

هذه الموضوعات المتشابكة التي تنتقل من الخاص إلى العام ومن العام إلى الخاص، من نساء النبي ـ صلى الله عليه وآله ـ إلى مطلق النساء، ومشاركتهن الرجال في موضوع آخر هو: السلوك العبادي العام (القنوت، الصوم، الصدقة، الصبر، الخشوع، الإيمان الخ) هذا النمط من التشابك بين مختلف الأجنحة المرتبطة بالأسرة ونطاقاتها، وانسحابها على مطلق المنتسبين إلى الإسلام بالنحو الذي لاحظناه، يجسّد واحداً من الأبنية المتماسكة عضوياً (حيث أوضحنا بناءها مفصلاً في دراستنا لعمارة سورة الأحزاب) وحيث كانت السورة قد انتظمها موضوعان رئيسان، وموضوعات ثانوية جاءت في سياقهما، إلا أنها جميعاً قد انتظمت في شبكة معقدة من العلاقات الممتعة التي تبهر المتلقي في حالة كونه يمتلك قدرة على التحليل لعمارة السورة الكريمة.

المهم في ضوء هذه المستويات من التلاحم المباشر وغير المباشر بين الجزئيات التي تنظم السورة القرآنية الكريمة، ينتفي المسوّغ لإثارة السؤال القائل بكيفية تفكيكنا بين سلسلة (أو ترابط) الموضوعات (لتنسجم مع ركائز عقائدية ومذهبية قبلية ـ كما هو نص التساؤل الوارد في المجلة)، حيث ان التفكيك (ظاهري) كما لو نظرنا إلى أحد أسلاك الشبكة الكهربائية منعزلاً عن ملاحظته وصلاته بالأسلاك المتشابكة...

والإشارة إلى الركائز العقائدية والمذهبية يقتادنا إلى الإشارة السريعة إلى الشق الآخر المرتبط بالنص من حيث التعامل مع بنيته الداخلية المغلقة أو تسليط الإضاءة الخارجية عليها حيث تساءلت المجلة: (لماذا لا تكفي الثوابت القرآنية في النص لفهم دلالات الآيات بشكل مستقل خارج عن دائرة القرآن الكريم)... هذا التساؤل في واقعة هو بدوره تساؤل قد طرحه العصر في ميدان دراسة النصوص، ومنها: النص الأدبي حيث انشطرت الآراء حيال ذلك إلى فريق يجد ضرورة الإضاءة الخارجية، وآخر لا يجد ضرورة ذلك، مضافاً إلى فريق يرى الإضاءة في سياقات محدودة،... وما يعنينا فيها هو: كيفية تعاملنا مع النص القرآني، ودون الدخول في التفصيلات التي لا تسعها هذه المحاورة، نسارع إلى القول بان القضية تتسم بـ (النسبية) أيضاً، فكما انه لا وجود لـ (نص مفتوح) أو (قراءة متجددة)، بالنحو المطلق، بل يتنوع التناول بتنوع المواقف النسبية، كذلك فان تسليط الضوء الخارجي أو الوقوف عند الثوابت القرآنية يظل محكوماً بـ (بالنسبية) بدوره...