نحن والصحوة الإسلامية

 

الصحوة الإسلامية المعاصرة ظاهرة ضخمة بارزة من ظواهر العالم الإسلامي، برزت بوادرها الأولى في العشرينات، ثم نمت على مر نصف قرن من الزمن، وأصبحت اليوم أهم مسألة على الساحة الإسلامية، خاصة بعد أن تبلورت في مشروع كامل لإدارة دفة الحياة، تتبناه قاعدة جماهيرية عريضة حققت تنفيذه في بقاع، وتسعى لتحقيقه في بقاع أخرى.

وتحمل هذه الصحوة خصوصيات أهمها:

الأولى: توجه هموم الرساليين إلى تعبئة طاقات الأمة ورص صفوفها.

الثانية: السعي لتقديم الطرح الإسلامي لمختلف جوانب الحياة.

الثالثة: مقاومة القوى المضادة المتضررة من تنامي الوعي الإسلامي 

وهذه الخصوصيات تتجه حتماً وبشكل طبيعي إلى «التقريب» بين فصائل المسلمين بمختلف انتماءاتهم المذهبية والقومية.

أما الأولى: فهي ملازمة للصحوة التي تضع نصب عينيها ضرورة استعادة عزة المسلمين وكرامتهم، واستعادة دورهم التاريخي على ظهر الأرض. ولا يمكن أن يتحقق ذلك والأمة مشتتة مبعثرة ممزقة، فلابد ـ أولاً ـ من رأب الصدع ورتق الفتق حتى تتظافر القوى، وتتجمع الطاقات، وتتوحد الجهود نحو الهدف الكبير ؛ ولذلك يضع الرساليون نصب أعينهم مسؤولية جمع الفصائل، والبحث عن المشتركات، والتعاون بينهم فيما اتفقوا عليه، ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه.

ومن هنا نرى: أن الصحوة الإسلامية رافقتها دعوة لتجاوز الخلافات المذهبية والذوقية والإقليمية والعنصرية في التعاون والعمل المشترك، ومن هنا كان رموز الصحوة الإسلامية في عالمنا المعاصر دعاة تقريب أيضاً.

وأما الثانية: فهي تستدعي بطبيعتها أيضاً الاعتماد على كل الاجتهادات الفقهية القائمة على أساس القرآن والسنة للوصول إلى هذه الغاية ؛ لأن كل واحد من هذه الاجتهادات يستطيع أن يسهم في إثراء المشروع الإسلامي وتطويره، وجعله أكثر ملاءمة لمتطلبات الحياة المتطورة.

ولئن كانت المذهبية تخلق تمايزاً في بعض الأحكام الفرعية فإننا لا نرى مشروعاً سنياً وآخر شيعياً: في حقل الاقتصاد الإسلامي، ونظام العلاقات السياسية، والنظام الاجتماعي، والنظام القضائي، بل وحتى في نظام الحكم...؛ لأن الفريقين ـ إن اختلفا في الإمامة والخلافة من قبل ـ يتفقان اليوم في صفات ولي الأمر الصالح لحكم المسلمين، ويتفقان في الشورى وفي مشاركة الأمة، بل وحتى في فرعيات نظام الحكم الإسلامي.

وهذا هو السبب وراء تجاوز الكتب التي طرحت هذه المشاريع: الحدود المذهبية، حتى أصبحت كتابات مفكري الصحوة من أهل السنة والشيعة تتداولها أيدي القراء المسلمين على اختلاف انتماءاتهم المذهبية.

وأما الثالثة: فهي قد جمعت القلوب والعواطف والأفكار المسلمة لمواجهة جبهة كبيرة ضخمة معادية، انفتحت لتصب غضبها ونقمتها على الصحوة الإسلامية إعلامياً وسياسياً وعسكرياً دون تفريق بين فصائلها السنية والشيعية، وفي هذا الإطار أيضاً ذابت الفوارق المذهبية، فاصبح الإعلام الإسلامي الحركي بعيداً عن الصراعات المذهبية، وأصبحت ساحات الجهاد تجمع أهل السنة والشيعة. كما وأصبحت القوى المضادة توجه سهام الاتهام إلى الفريقين معاً، وتربطهما في خطط وبرامج وأهداف مشتركة، وكثيراً ما تكون هذه الاتهامات لا واقع لها، غير أن القوى المعادية تنطلق في اتهامها مما تراه من عواطف مشتركة وأفكار مشتركة، بل ومصير مشترك يجمع كل جماهير الصحوة وروادها.

في الصحوة إذن، خير كثير... خير (التقريب)...؛ لأنها مظهر حياة...، والحياة تجعل بين الجسم ترابطاً عضوياً.

ودعاة التقريب يجب أن يركزوا على تنامي هذا المظهر الحياتي في الأمة، ويعمقوه من خلال لقاءات ودراسات مشتركة، وإعلام مشترك، وتوجه صادق نحو قضايا إسلامية مشتركة.

وتبقى نقطة هامة يجب أن يلتفت إليها رواد الصحوة، وهي: أنهم جميعاً يواجهون مؤامرة «الإحباط»...، وتقوم على أساس هدم الصحوة من داخلها، وخلق حالة يأس في الأمة من الأمل الإسلامي والعودة الإسلامية، ووسيلة الأعداء لتحقيق هذه المؤامرة مواضع الضعف الطبيعية والمفتعلة الموجودة في العالم الإسلامي، وقد درس الأعداء هذه المواضع بجد وتحروها بدقة وبنوا خطتهم على أساسها.

لا نريد استعراض كل مواضع الضعف التي تعاني منها امتنا، فهذا مالا يستوعبه مقال، بل نشير فقط إلى ما يرتبط منها برواد الصحوة وطلائعها المفكرة، عسى أن نسهم بخطوة على طريق حماية مسيرة الصحوة من الأخطار، وهي مسيرة يشكل التقريب لها سدى ولحمة، أما مواضع الضعف فهي:

الأول: مشكلة الأصالة والمعاصرة:

غير خاف أن إنسان الصحوة يتطلع إلى تطبيق الإسلام، انطلاقاً من واجب شرعي يؤمن به، وانبثاقاً من يأس عم العالم الإسلامي من طروحات الشرق والغرب وهنا تبرز أمام العلماء والمفكرين مسؤولية تقديم المشروع الإسلامي لجميع جوانب الحياة، جامعاً بين «الأصالة» و«المعاصرة».

فالأصالة تفرض عمقاً اجتهادياً في مصادر الشريعة..، والمعاصرة تفرض تفهماً واسعاً لآخر ما أنتجه الفكر البشري وقدمته التجارب البشرية من معطيات في حقل إدارة دفة المجتمع ؛ ليكون التطبيق الإسلامي مواكباً لتطور المسيرة البشرية، مع المحافظة على كل خصائصه الثابتة.

وتبدو المسألة ميسورة للوهلة الأولى، لكن الواقع أثبت خلاف ذلك، فهناك عوامل عديدة أدت إلى ظهور تيارات داخل الصحوة يفرط بعضها في الأصالة على حساب المعاصرة، ويفعل بعضها العكس.

وقلما جلس أصحاب هذه التيارات حول مائدة حوار هادف بناء، بل غالباً ما تراشقوا التهم بينهم. فيضيعوا على الأمة جهوداً كان من المفروض أن تثري المسيرة بفكرها وعلمها، لكنها اتجهت إلى تهيئة فرصة لأعداء الصحوة ؛ كي يصنفوا طلائعها إلى يمين ويسار، ورجعي وتقدمي، وأصولي ومعاصر، وأمثال ذلك من التصنيفات التي لا تخدم مسيرة الصحوة وأهدافها التقريبية.

الثاني: تركة عصور ما قبل الصحوة بكل ما فيها: من اختلافات ونزاعات طائفية وقومية وإقليمية وقبلية تركت آثارها ورواسبها في الأفكار والنفوس، فتتاح لمن يثيرها من داخل رموز الصحوة، فتجد لها تجاوباً في القاعدة الجماهيرية بسبب بقاء تلك الرواسب، وتثار الحساسيات من جديد وليس صعباً على أعداء الصحوة أن يشتروا بعض الذمم من داخل الصف الإسلامي، أو أن يخترقوا الصف الإسلامي ببعض الصنائع لإثارة هذه المعمعات، وتصعيد الحزازات متى ما تطلب الأمر ذلك.

ولكن لا سبيل إلى التصدي لهذا اللون من الإثارات إلاّ بتكريس قادة الصحوة جهودهم نحو ترسيخ مفهوم الأخوة الإسلامية، ومفهوم وجوب توحيد صفوف المسلمين... والعمل للقضاء على الحواجز النفسية الموروثة، حتى يسود الشعور بالأمة الواحدة ذات الهدف الواحد والمصير الواحد وعندئذ سيكون كل صوت مفرق نشازاً مرفوضاً في مجتمع الصحوة الإسلامية.

الثالث من مواضع الضعف: سهولة اغتيال شخصية رموز الصحوة والمقصود باغتيال الشخصية: إحاطتها بتهم وافتراءات تسقطها في المجتمع، وتلغي دورها الفاعل في الأمة.

ويعود سبب سهولة الاغتيال إلى قلة الوعي الشعبي، وهبوط النضج الجماهيري تجاه مؤامرات أعداء الإسلام والإنسان خطاء، ورصد أخطاء الآخرين ليس بالأمر الصعب ثم تهويلها ونشرها أمر كان يمارسه الفرقاء منذ أقدم العصور، فما بالك بعصرٍ أصبحت «الدعاية» فيه فناً من فنون الإعلام، تجند له أعقد التنظيمات البشرية وأحدث التقنيات ؟!

وشخصيات الصحوة وقادتها لا يظهرون على الساحة بسهولة، بل إن ظهورهم يأتي نتيجة كفاءات فكرية ونفسية وقيادية، ونتيجة مواقف ومسيرة لاحبة شائكة طويلة، ونتيجة تجاوز لعقبات إعلامية وسياسية واجتماعية ضخمة.

من هنا: فإن وجودها نعمة عظيمة من نعم الله على الأمة، وإذا سقطت فليس من السهل التعويض عنها. ولذلك فإن جهود جيل الصحوة يجب أن تنصب على صيانة هذه الشخصيات من هذا اللون من الاغتيال، عن طريق رفع مستوى الوعي الجماهيري، والسعي لنشر تعاليم الإسلام بشأن موقف الإنسان المسلم مما يصله عن أخيه المسلم من خبرٍ ومعلومةٍ، وكيف يجب أن يتبين «النبأ» كي لا يطعن أحداً عن جهل وعدم تمحيص؟

وثمة ثغرة أخرى ينفذ منها أعداء الصحوة هي: وجود ظاهرة خشية أعداء الله خشية الله وحده توحد القلوب والصفوف، وخشية غير الله تمزق وتبعثر، وتدخل في الحساب أموراً لا يمكن أن يجمع عليها رواد الصحوة، فيختلفون ويتناحرون.

وتواجه الصحوة اليوم أعظم عملية إرهاب باسم مكافحة الإرهاب، وأعظم بطش حاقد متعصب باسم محاربة التعصب والأصولية.

وأمام هذه الهجمة الشرسة نجد من يحاول أن يظهر الإسلام بمظهر المهادن المداهن والمسالم والمتعايش مع كل الذئاب الكاسرة والوحوش المفترسة.

ونجد من يحاول أن يبرئ نفسه من تهمة الإرهاب بقطع علاقاته مع من توجه إليهم سهام التهمة أكثر من غيره. مع أن جميع فصائل الصحوة الإسلامية تعلم علم اليقين أن أعداء الإسلام لا يخافون منها إلاّ لأنها«مسلمة ملتزمة» فقط، لا غير.

وهذا خوف تقليدي طبيعي قديم، يساور كل أعداء الإسلام من المسلمين، لأنهم إرهابيون...، بل لأنهم مسلمون صدقوا ما عاهدوا الله عليه، قال سبحانه: ]لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون] (1)

 

ومن هنا: فإن رواد الصحوة مطالبون بأن يعمقوا في النفوس روح خشية الله تعالى دون سواه، وروح الاستهانة بالطواغيت المتعملقين ؛ كي يقوا النفوس من الاهتزاز أمام بطش الجبابرة وطغيان الطغاة.

نسأله سبحانه أن يتم نعمة الصحوة على الأمة بتوحيد الخطى والصفوف واستعادة العزة والكرامة بفضله ومنه إنه لطيف خبير.

الدكتور محمّد علي آذرشب


(1) ـ الحشر: 13.