كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا لا نفاد له ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد المصطفى الذي بعثه رحمة للعالمين وآله الطيبين الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطيرا .

وبعد ؛ فقد منّ الله سبحانه وتعالى على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ، ويفصّل الآيات لقوم يفقهون ، وحثّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على التفقه في الدين فقال : (إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين)(1).

فالفقه من أجلّ العلوم شأنا ، وأعظمها شرفا ، وأعلاها قدراً ، لأنه معرفة أحكام الله تعالى في أفعال عباده المكلفين ، وقد أتعب أئمة المذاهب أنفسهم في استخراج أدلة تلك الأحكام من الكتاب والسنة ، لكن اختلاف طرق ثبوت السنة عندهم وكذلك عند أهل الفتيا من المجتهدين كان السبب في وقوع الخلاف بينهم لاختلاف مداركهم وأنظارهم خلافاً لابد من وقوعه.

وكان أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي أحد أعلام القرن السادس ، الذين اهتموا في هذا المضمار ، وقد حاول في كتابه ـ الماثل بين يديك أيّها القارئ العزيز ـ الموسوم بـ (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) بيان المسائل الشرعية وأحكامها مع الإشارة إلى ما وقع فيها من الخلاف بين أئمة المذاهب الإسلاميّة الأربعة حيث أبان المصنف في ديباجة الكتاب المذكور ذلك بقوله : (فإنّ غرضي في هذا الكتاب أن اثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها والتنبيه على نكت الخلاف فيها وما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع) .

ونظراً لأهمية هذا الكتاب ، واعتماده من قبل المحققين من الفقهاء ، ومدارسته في أكثر الجامعات الإسلاميّة ، كان من الحريّ أن يطبع طباعة محققة موثقة بالمصادر المعتبرة عند المذاهب المشار إليها ، فكان المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة ـ إضافة إلى مشاريعه العلمية الأخرى ـ السباق لهذه المهمة ، والاهتمام بالاشارة إلى الرأي المشهور مع بيان الدليل عند فقهاء الإمامية الاثنا عشرية ليكون فقهاً مقارناً بين المذاهب الخمسة في جميع مسائله .

فأحالت الهيئة العلمية هذا العمل إلى حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد علي بحر العلوم على أن يكون تحت إشراف سماحة آية الله السيد محمد باقرالحكيم رئيس المجلس الأعلى للتقريب بين المذاهب الإسلامية ، لما تكنّ في سماحته من فضلٍ وعلم وتدقيق ومتابعة وحسن نظر ، فأجهد حفظه الله نفسه في متابعة المحقق منذ اللحظة الأولى حيث كانت لسماحته ملاحظات قيّمة حول منهجية العمل ثم متابعته وارشاداته النافعة المتواصلة.

وبالوقت الذي يقدّم فيه مركز البحوث والدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة هذا السفر القيّم للقرّاء الكرام ، نتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لأصحاب السماحة والفضيلة أعضاء الهيئة العلمية وبالأخص سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم على ما أبداه من لطف وعناية ، كما نشكر المحقق حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد علي بحر العلوم على تقبّله هذه المهمة وما بذله من جهد في إخراج الكتاب على أحسن ما يرام .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

محمد مهدي نجف


1 ـ صحيح البخاري 4 : 92 . أمالي الشيخ المفيد : 158 المجلس 19 ، ح 9 .