السيد البروجردي والتقريب
 

آية الله الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني


بسم الله الرحمن الرحيم

ليس (التقريب) وسيلة لتحقيق هدف.. بل إنه هو الهدف. لأنه لابد من وجود (الأمة الواحدة) لكي تتحقق (عبودية رب العالمين) على ظهر الأرض: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).

لا نريد أن نقف عند هذه المسألة الهامة، بل أشرنا إليها لنمهد لحديثنا عن بعض نشاطات التقريب لدى أستاذنا الفقيد آية الله العظمى السيد البروجردي(1) لنقدم بذلك من تاريخنا الحديث مثالا على مساعي علمائنا في حقل التقريب، ولنعبد ما قد يتبادر إلى الأذهان من أن التقريب وسيلة لتحقيق هدف سياسي مرحلي.

السيد البروجردي علم من أعلام الفقه، وأستاذ كان يحضر درسه جمع كبير من المجتهدين، والمهم أنه كان صاحب طريقة خاصة في الاستنباط والاستدلال لها علاقة هامة بالتقريب.

من ذلك أنه كان يعتقد بأن الرجوع إلى فتاوى علماء أهل السنة ييسر السبيل لفهم روايات أهل البيت(عليهم السلام)، لان هذه الروايات صدرت غالبا تعليقا على الفتاوى الرائجة الرسمية آنذاك. وكان السائل يأتي الامام فيذكر الفتوى الرائجة من علماء أهل السنة ويسأله عن رأيه فيها، والامام يجيب.

كان السيد يرى أن الرجوع إلى فتاوى علماء السنة على مر التاريخ هو مقدمة للاجتهاد عند الشيعة.

والمهم أنه كان يؤكد مرارا أن هذه الطريقة هي سنة علماء السلف من فقهاء الشيعة الإمامية فالقدماء كانوا يهتمون بمقارنة فتاوى أهل السنة والشيعة، وخلفوا لنا في هذا المجال كتبا هامة سميت بالخلاف، واهتم السيد البروجردي بهذه الكتب، وحرص على التعليق على كتاب الخلاف للشيخ الطوسي (385 ـ 460 هـ) وظلت هذه السنة الحسنة بعده رائجة في الحوزة العلمية، متمثلة بدراسات الفقه المقارن.

والظاهرة الثانية في مدرسة السيد الفقهية، أنه كان يفصل بين الظاهرة الأموية وظاهرة أهل السنة في التاريخ إن سعي الأمويين لتحريف أحكام الإسلام دفع ببعض العلماء لأن يعتقد بأن الأحكام الموجودة لدى أهل السنة قد حرفت عمدا من قبل علماء السلطة.

ولكنه كان لا ينظر إلى فقه أهل السنة بهذا المنظار المتشائم، بل كان يجهد لاستبيان علة الاختلاف في الفتوى. على سبيل المثال حين يتناول مسالة الصلاة في أول وقتها، يطرح رأي أهل السنة القائل بعدم جواز التأخير بدون عذر، وأن التأخير بدون عذر ذنب (وهو أحد القولين المشهورين لدى الشيعة الإمامية)، حتى أن بعض أهل السنة يرى أن تأخير الصلاة عن أول وقتها يستدعي أداءها قضاء. وأمام هذه الآراء كان السيد الأستاذ يقول: إن فتوى أهل السنة مستنبطة من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ كان يؤدي الصلاة دائما في أول وقتها.

لكن الرسول (صلى الله عليه وآله) فعل ذلك لأنه كان يؤم المسلمين في جماعتهم. والتزام النبي بالصلاة في أول وقتها باعتبار إمامته في الصلاة، ومن هنا جاز في مدرسة أهل البيت تأخير الصلاة عن أول وقتها، مع أن التأكيد حتى عند أئمة أهل البيت على أدائها في أول وقتها، وكانت سنة مستمرة عندهم ولا تزال قائمة في مدرستهم. لكن التأخير لا يوجب القضاء.

بهذا الأسلوب كان يتعامل السيد الأستاذ مع مسائل الخلاف، يحاول أن يجد المبرر الموضوعي لها.

إضافة إلى أسلوبه الفقهي التقريبي، كانت للسيد البروجردي مساع عملية في التقريب. أتذكر قوله يوما في أحد دروسه: (أمر التقريب ـ والحمد لله ـ في تقدم، وأشكر الله أن كان لي سهم فيه ).

وفهمنا بعد ذلك أن استبشار السيد في تقدم أمر التقريب كان نتيجة رسائل وصلته من شيوخ الأزهر الشريف في هذا المجال وإجابته عليها.

كتب إليه الشيخ محمود شلتوت مرة يقول:

(أثمن جهودكم، وأسال الله القادر العليم أن يحقق آمالكم الإسلاميّة... وبشراكم فان خطواتكم على طريق التقريب كانت مدعاة للصلاح والسير نحو الله ).

كما كتب إليه الشيخ عبد المجيد سليم رسالة في مرضه وأجابه السيد عليها.

كان السيد الأستاذ يعقد الأمل الكبير على (دار التقريب) في القاهرة، ويرعى أمينها الشيخ محمد تقي القمي.

وحين كنت أراجع السيد البروجردي في بيته إكمالا لمشروع (جامع أحاديث الشيعة) رأيت الشيخ القمي مرارا في البيت منتظرا لقاء السيد.

ومن الظواهر الهامة في نشاط السيد البروجردي على الصعيد العلمي تغيير مسير الحوار بين أهل السنة والشيعة، نحو ما يمكن أن يتفقوا عليه، وإبعاد الحوار عن المسار الذي لا يمكن أن يتفقوا عليه..

على سبيل المثال لم أر السيد الأستاذ يطرح مسألة (الخلافة) على الإطلاق في جلساته العامة والخاصة، في الدروس وفي خارج الدروس. بل سمعته في جلساته الخاصة يقول: (مسألة الخلافة لا جدوى فيها اليوم لحال المسلمين، ولا داعي إلى إثارتها وإثارة النزاع حولها. ما الفائدة للمسلمين اليوم أن نطرح مسألة من هو الخليفة الأول ؟ ما هو مفيد لحال المسلمين اليوم هو أن نعرف المصادر التي يجب أن نأخذ منها أحكام ديننا).

من هنا كان السيد يؤكد على حديث الثقلين: (إني تارك فيكم الثقلين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي. وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(2).

ولا يكاد يمر شهر على دروسه دون أن يذكر في مناسبة هذا الحديث. وكان هذا أسلوب السيد المرحوم عبد الحسين شرف الدين أيضاً فقد كان يؤكد في حواره مع شيخ الأزهر الفقيد الشيخ سليم البشري أن دليلنا على أخذ السنة من طريق أهل البيت هو حديث الثقلين.

وسمعت أن السيد البروجردي أهدى شيخ الأزهر الراحل عبد المجيد سليم كتاب (المبسوط) للشيخ الطوسي، وكان لهذا الكتاب أثر كبير على الشيخ عبد المجيد، وروى عنه في أواخر حياته قوله:

(سواء حين كنت مفتيا لمصر، أو حين أصبحت بعد ذلك عضوا في لجنة إفتاء الأزهر، متى ما تصديت لمعالجة مسألة للإفتاء كنت أراجع كتاب المبسوط). وكان هذا الشيخ المبجل من مؤسسي (دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة ) وعضوا في جماعة التقريب.

وكان السيد الأستاذ يتحدث عن شيوخ الأزهر ويتحدث عن الشيخ محمد عبده وغيرهم من علماء أهل السنة بتقدير وإجلال، كما أنه كان يراجع دائما كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لابن رشد الأندلسي باعتباره من أحسن الكتب في الفقه المقارن. وطالما رأيت الكتاب مفتوحا أمامه على منضدته. وتعرف طلابه على هذا الكتاب عن طريقه(3).

وهذه خصائص المدرسة الإسلاميّة الأصيلة في التعامل بين العلماء، والحوار بين المذاهب. والمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة يستهدف أن يواصل جهود السلف الصالح من العلماء في إحلال التفاهم وإبعاد التناحر والتباغض، فتلك ضرورة لابد منها لعودة (الأمة الواحدة) وما ذلك على الله سبحانه وتعالى بعزيز.


1 ـ هو الحاج آقا حسين الطباطبائي ابن السيد علي الطباطبائي ولد في مدينة بروجرد سنة 1292 هـ. ق، ودرس في مسقط رأسه مقدمات العلوم ثم رحل إلى النجف الأشرف وتتلمذ ثماني سنوات على الآخوند ملا كاظم الخراساني وعاد إلى بروجرد ثم رحل إلى قم واصبح مرجعا كبيرا للتقليد وتوفي فيها سنة 1381 هـ. ق، له مؤلفات كثيرة في الفلسفة والرجال والفقه.
2 ـ جمع أحد علماء قم كل أسناد هذا الحديث مشيرا إلى اختلاف جاء في متنه في كتاب نشرته (دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة ) في القاهرة وأعاد طبعه (المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة ) وقدمت للموضوع مقدمة وافية نشرت في مجلة (رسالة التقريب ) العدد 5.
3 ـ لنا مقال حول هذا الكتاب بعنوان (ابن رشد المالكي والفقه المقارن) ألقيناه في ندوة ابن رشد في الكويت ونشر في (رسالة التقريب) العدد 8.