تعليق العلامة الشيخ محمد علي التسخيري (1)
على مقال الدكتورالبوطي

طالعت مقال الأستاذ الكريم البوطي تحت عنوان (قواعد تفسير النصوص وأثرها في التقريب بين المذاهب والفرق)... ورغم احترامي الخاص للأستاذ الدكتور وعاطفته الإسلاميّة فقد لاحظت عليه أمورا اختصرها في نقطتين أساسيتين:

الأولى: أن الأستاذ قصر نظره على دلالات الألفاظ والاختلاف فيها ، مع أن علم أصول الفقه لا يركز عليها بل تكاد تكون من مقدمات هذا العلم. ذلك أن الاختلاف الكبير في حجية أمثال القياس والاستحسان والمصالح المرسلة ، ودور العرف والمباحث العقلية والأصول العملية هو الأهم في الموضوع ، وكان الأولى أن يركز عليه بدلا من ذكر بعض النصوص واختلاف الفقهاء في دلالاتها وهي حالة طبيعية لكنها لا تنتج اختلافا مذهبيا كبيرا.

الثانية: ما ذكره عن دور علم أصول الفقه في مسألة رأب الصدع بين الشيعة والسنة في الجانب العقائدي فالملاحظ عليه:

أولا: أن علم أصول الفقه يترك أثره في الجانب العملي الفقهي ويقل دوره في تقرير الجانب العقائدي الذي يعتمد في الأصل على الأدلة العقلية والأدلة النقلية.

ثانيا: أن الاختلاف في بعض شروط الوثاقة ودرجاتها لا يذكر في قبال الاتفاق في كثير من الجوانب الروائية ، والتي تهدف كلها للوصول إلى الاطمئنان الأكبر بصدور الرواية أو التأكد من حجية العمل بالرواية الظنية.

ثالثا: أن الشيعة يركزون على روايات أهل البيت عليهم السلام الصحيحة أو المعتبرة ولكن هذا لا يعني نفي الروايات التي تأتي عن طريق غيرهم إذا كانت واجدة لشرائط الاعتبار وقد حفلت كتب الشيعة الفقهية والحديثة وحتى العقائدية بالاستناد إلى روايات جاءت من غير طريق أهل البيت ، الأمر الذي لا يدع مجالا لمقولة الحصر في روايتهم عليهم السلام إلاّ أن إيمان الشيعة بعصمة أهل البيت عليهم السلام وطول فترة حياتهم عليهم السلام والغنى العظيم لتراثهم الجامع جعل الآخرين يظنون أن الأمر ينحصر بهم.

وما أكثر الروايات التي لم تثبت عن طريقهم عليهم السلام ولكن الفقهاء أخذوا بها واعتبروها.

خذ مثلاً حديث (النهي عن الضرر) فانه حديث نبوي شريف لم تسلم طرقه الواصلة الينا من خلال أهل البيت عليهم السلام من ضعف لكنه يشكل عمادا للفقه الشيعي كما هو لدى الفقه السني.

ثم إن الأمر يعود كرا على الفقهاء السنة ليطالبهم بضرورة الرجوع إلى الحديث الوارد عن أهل البيت عليهم السلام وهم الذين عينوا مرجعا للامة بعد القرآن في أمثال حديث الثقلين ، وفقههم عامر بالعطاء ، وعلى أيديهم تتلمذ الكثير من أئمة أهل السنة.

والحقيقة إننا نطالب الغياري من الطرفين أن ينبذوا آثار الماضي من الإحن والاحتياط المفرط من الاقتراب والمراجعة المتبادلة لذخائر الفريقين ، سعيا وراء الحق وتأكيدا على شرح الصدر ، وبالتالي تأكدا من الوصول إلى الواقع الإسلامي ، وهو المطلوب.


1 ـ باحث وداعية ايراني ، رئيس رابطة الثقافة والعلاقات الإسلاميّة.