الاجتهاد ضرورة للتقريب(1)

الدكتور عمر مختار القاضي ـ المغرب


بسم الله الرحمن الرحيم

يرى الكتاب ضرورة التطبيق المعياري للشريعة الإسلاميّة، بالتركيز على إحياء علم أصول الفقه لتحكيمه في جميع مسائل العصر، فبواسطته نستطيع قياس الشرعية من عدمها قياسا معياريا.

والعمل بأصول الفقه ـ في رأي الباحث ـ يؤدي إلى إمكانية الرؤية المعاصرة لتطبيق الشريعة والى التقريب بين المعايير الفكرية الإسلاميّة.

مقدمة

يقتضي منا الدخول في هذا الموضوع توضيح حدود الإمكانيات النظرية والعملية لمحاولة التقريب بين المذاهب في نقاط محددة بمفاهيم سهلة التناول من القارئ العادي.

إن العلماء، حتى الذين نشأوا في ظل تعاليم مذهب محدد، ليس من شيمتهم التعصب المذهبي، فهم وإن كان بعضهم يتمسك بمذهب معين إجمالا، إلاّ أنهم يعلمون بالثوابت والمتغيرات داخل الشريعة الإسلاميّة، بحيث تجدهم في الأمور التفصيلية، عند مناقشة مسألة محددة من المسائل الاجتماعية، لا يتحرجون من انتقاء الفتوى من مذهب آخر غير المذهب الذي نشأوا في ظله، وتجدهم أيضا كثيرا ما يجتهدون باستعمال معايير أصول الفقه لإخراج حل شرعي معاصر لم يطرق أذهان الفقهاء والأئمة قديما نظرا لاختلاف العصر.

لذلك فإننا نوجز للجمهور من القراء مفهوم التقريب بين المذاهب ونبلوره في النقاط الواضحة التالية فنقول:

نستطيع ابتداء أن نشرح فكرة التقريب بين المذاهب في أمرين:

الأمر الأول: نشرح فيه التصورات النظرية للتقريب بين المذاهب.

والأمر الثاني: نشرح فيه مدى إمكانية تحقيق هذه التصورات أو بعضها في الواقع العملي في مجتمعنا الإسلامي المعاصر باختلاف أقطاره.

أولا: التصورات النظرية للتقريب بين المذاهب

لا تخرج هذه التصورات عن الأوجه الثلاثة التالية:

الوجه الأول: مضاهاة المذاهب بعضها البعض، ثم اعتماد ما هو مشترك ـ من حلول وفتاوى ـ بين أغلبها، وإسقاط الحلول الخلافية المرجوحة.

الوجه الثاني: اعتماد جميع المذاهب بما فيها من حلول وفتاوى راجحة ومرجوحة، وجعلها مادة نظرية أولية، لكل مجتمع أن يستقي منها ما يشاء من آراء تناسب ظروفه ثم يقنن ما اختاره.

الوجه الثالث: استخراج المعايير الفكرية الأصولية من المذاهب القديمة والعمل بها للحكم على المشكلات وحلها وفقا لهذه المعايير العلمية الإسلاميّة بغض النظر عن النتائج والحلول التي يمكن أن تنتج عن العمل بتلك المعايير. فلا مانع أبدا من الوصول إلى نتائج وفتاوى لم تطرق أذهان الفقهاء والأئمة القدماء طالما كانت هذه النتائج مستندة إلى حجة صحيحة ومقنعة، كشف عنها العمل المنضبط بعمل أصول الفقه.

ثانيا: الإمكانيات العملية لتحقيق هذه التصورات

لابد أن يفهم القارئ أن الغرض من التقريب بين المذاهب هو البحث عن التطبيق المثالي للشريعة الإسلامية في المجتمع الإسلامي باختلاف أقطاره إذن فإن لكل وجه من الأوجه الثلاثة النظرية السابقة أبعادا وآثارا في التطبيق العملي.

نعود للتصور الأول، وهو اختيار الفتاوى الراجحة من مختلف المذاهب المعتمدة وإسقاط المرجوح منها، فنجده يصعب تحقيقه في العمل لأنه يحتاج إلى مجهود ضخم جدا، فهو يعتمد في تحقيقه ـ أولا كمشروع ـ على مقارنة المذاهب بعضها ببعض، وكيف يكون ذلك مع هذا التراث الغني كما وكيفا.

إن حصر ما هو موجود لازم لعملية المقارنة بين ما هو راجح وما هو مرجوح. وهناك تفاصيل دقيقة وعديدة اختلف عليها الفقهاء غير تلك التي وصلت إلى علمنا اعتمادا على شهرة بعض الفقهاء والأئمة، وقد يتعرض من يقول بإمكانية حصر فقه التراث إلى تهكم من يعلم بحقائق هذا البحر العظيم.

هذا من ناحية صعوبة حصرما هو لازم للقيام بالمقارنة بغرض إبراز مذهب مشترك.

أما من ناحية الآثار التطبيقية، إذا ما فرض وتمت ولادة المذهب الموحد ليجتمع عليه المسلمون، فإننا نستطيع إجمالها في تحليل يسير وهو التأمل في تجربة الدولة العثمانية حين أخرجت مجلة الأحكام العدلية كقانون موحد، من المذهب الحنفي نظرا لسهولته.

بالنظر إلى هذه التجربة نستطيع أن نقرر أنها تلغى ميزة هامة تعتبر من أهم خصائص الشريعة الإسلاميّة، وهي شرعية اختلاف الحلول وتعددها باختلاف الزمان والمكان. وذلك هو اليسر الذي تميز به الدين الإسلامي.

وليس كل ما هو سهل الفهم والاستيعاب يكون ميسورا في التطبيق العملي، وقد قامت محاولة في عهد الدولة العباسية لحمل الأقطار على اتباع مذهب مالك رضى الله عنه ولكن صرف عنها النظر، نظرا لأن الإمام مالك كان حيا وقتها ولم يكن ليرضى بهذا.

وجميع الأئمة متفقون على عدم جواز الحمل على مذهب معين أو التقليد له من جانب علماء أي عصر من العصور.

ونقلت لنا بعض كتب التاريخ أن قوانين الدولة العثمانية كانت غير مطبقة في بعض البلاد نظرا لتعلق أهلها بمذاهب أخرى غير المذهب الحنفي.

أما بالنسبة للتصور الثاني وهو دمج جميع المذاهب المعتمدة وجعلها مادة أولية لانتقاء أيسر الآراء وأنسبها للعصر، فهو وإن خلا من النقد الموجه للتصور الأول من صعوبة المقارنة بين المسائل الخلافية والمسائل الاتفاقية في محيط فقه التراث العريض، إلاّ أنه لا يخلو من نقد هام، وهو أنه يبحث عن ايسر الآراء وأنسبها للعصر ولو كانت من بين الآراء المرجوحة، فقد أشرنا من قبل أن الرأي السهل أو الذي يوحي بأنه يسير قد ينتج آثارا غير محمودة في التطبيق المعاصر، وقد وقع المشرع المصري في هذا حين أصدر قانون الأحوال الشخصية في عهد الرئيس السادات فانتقى ـ بواسطة فقهاء الشريعة والقانون ـ حلولا قد بدت يسيرة وسهلة في صالح المرأة، ونتج عنها آثار غير محمودة في التطبيق العملي، مما حدا بالقضاء إلى التحايل بالحيل القانونية لإيقاف بعض النصوص في ذلك القانون، ولا يزال الباقي المطبق غير مرض لكثير من الناس.

وينتج عن التصورين السابقين لتطبيق الشريعة بالتقليد المذهبي سواء بالاختيار من أجود الآراء وطرح الضعيف ولمرجوح منها، أو بجعل الكل جيدا بما فيه من قوى وضعيف، أن تكون عملية تصحيح القوانين الحالية المطبقة في البلدان الإسلاميّة جذرية. ذلك لأن أخذ المذاهب قاعدة لقياس ما هو شرعي وما هو ليس كذلك، يقتضي منا عدم الإبقاء على أي نص من نصوص القانون الحالي طالما كان يتعرض لمسألة أفتى فيها القدماء ولم يجد مستندا يوافقه من هذه الفتاوى القديمة، فحجم التغيير الذي يجب أن يحدث في القوانين سيكون كبيرا جدا.

لقد اجتهد القدماء في القضاء، ودرجة القضاء كانت واحدة على مر عصور الفقه المذهبي، ووضعوا قواعد مرافعات كثيرة كانت تناسب عصرهم، ولدينا من قواعد المرافعات المعاصرة ما يختلف عن تلك التي صنفها القدماء وهذا وذلك إنما وضع توخيا للعدل والمساواة.

وكذلك الشركات تعرض لها الفقه المذهبي قديما وهي وليدة الأعراف، وكيف نحيي الشركات بصورها الموجودة في الفقه القديم؟ وهل كل الشركات المتعارف عليها في عصرنا الحاضر منافية للأسس والمعايير الإسلاميّة؟ أم أنها مخالفة فقط من حيث الصورة للفقه القديم، دون مساس بالمبادئ الإسلاميّة.

إن جعل الفقه المذهبي القديم قاعدة إلزامية وحيدة لقياس الشرعية من عدمها، معناه حكم على الشرعية الإسلاميّة بأن معاييرها لا تتسع لإخراج حلول شرعية أكثر مما أخرجه القدماء، ومعناه أيضاً جعل المتغيرات الاجتهادية من الثوابت، وفي درجة القرآن والسنة، علما بأن نصوص القرآن والسنة في كثير من المسائل تمتاز بالمرونة الكافية التي تسمح باستنباط آراء معاصرة على ضوئها لم تطرق أذهان القدماء.

ومؤدى ذلك أن يحصر مفهوم الشريعة الإسلاميّة في نطاق ضيق جدا، لأن مقتضى هذين الاتجاهين السابقين أن تكون جميع نصوص القانون المعاصر في جميع المسائل والموضوعات التي لم يتعرض لها الفقه المذهبي قديما، محكوما عليها بالشرعية وتنال الرضا بصرف النظر عن المصالح أو المضار الناجمة عنها وبصرف النظر عن عدالتها أو ظلمها.

وما ذكرناه من آثار في مجال القانون المعاصر يصدق أيضاً على الإدارة والمؤسسات العصرية، فسوف نقضي بعدم شرعية الكثير من قواعدها، قياسا على الفقه المذهبي القديم.

يبقى التصور الثالث وهو التطبيق المعياري للشريعة الإسلاميّة، بالتركيز على إحياء علم أصول الفقه لتحكيمه في جميع مسائل العصر، فبواسطته نستطيع قياس الشرعية من عدمها قياسا معياريا.

إن العمل بعلم أصول الفقه ومعاييره بعيدا عن التقليد في الفروع سوف يؤدي إلى أمور هامة ومحمودة منها:

إمكانية الرؤية المعاصرة للمفهوم التطبيقي للشريعة الإسلاميّة، الذي لا يؤدي إلى قلب جذري فيما تعارفنا عليه من قوانين وأعراف، وإنما يقتضي فقط تصحيح بعض ما فيها من مناقضات للشريعة الإسلاميّة بوصفها قرآنا وسنة ومعايير علمية أصولية للتعامل مع نصوصهما وفهم روحهما.

وكذلك تكون هناك إمكانية قياس جميع الأمور والمسائل ـ التي لم يتعرض لها القدماء ولم تتعرض لها نصوص القرآن والسنة بطريق مباشر ـ من حيث الشرعية الإسلاميّة أو عدمها، ومن حيث موافقتها للروح العامة للشريعة أو مخالفتها لها.

وبذلك يظهر مفهوم الإسلام الحقيقي الذي هو تصحيح معياري لأوضاع المجتمعات، ولا يقصد الإسلام أبدا جعل جميع الشعوب المسلمة ذات شكل واحد وسلوك واحد، وإنما يقر الاختلافات الاجتماعية والبيئية والعرفية طالما كانت لا تمس بمبدأ جوهري أساسي في هذا الدين. والتوحد المطلوب في الإسلام هو التوحد في عبادة الله الواحد، والدفاع عن هذا الدين، إذا ما اعتدى عليه، ولكل مجتمع ظروفه وإمكانياته التي يستحيل أن تكون مطابقة لمجتمع آخر.

إن المفهوم المعياري للشريعة الإسلامية وتطبيقها بعيدا عن التقليد وباللجوء إلى معايير أصول الفقه هو الذي يساعد أيضاً على نشر الدعوة الإسلاميّة، لأن المجتمع غير المسلم إذا فكر بعض أفراده في اعتناق الإسلام ولم يحتكموا إلى معايير فكرية أصولية لفهم ذلك الدين، وإنما حكموا على ما يجب عمله وما لا يجب من خلال التقليد السطحي للمذاهب القديمة دون تمييز بين الثوابت والمتغيرات في الفتاوى، لوجدوا أنفسهم أمام محيط كبير يتطلب منهم تغييرات جذرية في كل أمورهم، فيؤدي بهم ذلك إلى التخوف من اعتناق هذا الدين، أو التخوف من انتشاره داخل بلادهم.

على ضوء المرونة التي تتسم بها قواعد ومعايير علم أصول الفقه يمكن أن نصل إلى فكر إجمالي موحد في عمومه، ونتفهم أن الخلافات التفصيلية في بعض الأمور يحتمها اختلاف الموقع الجغرافي والمناخ الاجتماعي، وهذا هو جوهر الهدف الذي يسعى إليه القائلون بالتقريب بين المذاهب.

ولا ننسى في هذا الصدد أن إحياء علم أصول الفقه هو في الواقع توحيد للمنهج الفكري وإحياء للمذاهب القديمة في ثوب شرعي معاصر، خاصة وأننا نهتم بإحياء نفس المعايير التي كان يعمل بها كل العلماء القدامى وهو السبيل الميسور لقيام علاقات تعاونية سليمة وتقدمية بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، متسمة بالشرعية الإسلاميّة وفي نفس الوقت مستوعبة ومقبولة من غير المسلمين. لأن إحياء الفكر المعياري الأصولي سيكون له تأثير كبير على إعادة صياغة الأسس والمبادئ في أسلوب خطاب عصري، بمصطلحات ولغة ومعان معاصرة.

إحياء العمل
بأصول الفقه وقواعده الكلية
للتقريب بين المعايير الفكرية الإسلاميّة

أولا: أهمية أصول الفقه

إن (أصول الفقه) هو ذلك العلم الذي يشتمل على المعايير المجردة التي بمقتضاها يقيس المجتهد المشكلات والمسائل الفرعية العملية على ضوء القرآن والسنة، لإعطائها الوصف الشرعي المناسب لها من حيث الحكم بالحلية أو الإباحة أو التحريم أو الكراهة أو الوجوب أو الندب.

لا يقتصر علم أصول الفقه على معايير فهم نصوص القرآن والسنة مستقلة عن بعضها ـ بما يشتمل عليه من قواعد كلامية ومنطقية تفسر هذه النصوص ـ وإنما يتعدى ذلك إلى شموله معايير فهم الروح العامة للشريعة الإسلاميّة التي ترمي إلى تحقيق المصالح في إطار من السماحة والتيسير على أفراد المجتمع. لذلك وجدنا الفقهاء قديما يجتهدون بكل ما يملكون من قدرات لتحقيق المصالح، في ضوء روح التيسير، فيحكمون على بعض الأعراف بالشرعية بالرغم من مخالفتها لصراحة النصوص العامة، لأنها من جهة أخرى موافقة للروح العامة للشريعة.

ومن ناحية أخرى، هناك أمور ومسائل سكتت عنها المصادر فلم يتناولها القرآن ولا السنة تناولا مباشرا، وإنما رسما طريقة عامة في إطارها يجب الاجتهاد والنظر فيها (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)(2). وإطاعة أمر الله بالشورى في حل هذه الأمور لا يقتصر على جيل بعينه، فالقرآن يخاطب العباد في كل زمان ومكان، إذن فالأمر بالشورى باق والعمل به واجب علينا، وذلك يدعونا إلى الاجتهاد.

والاجتهاد له ضروب وأنواع عديدة، لأن التأمل والتفكير هو عملية عقلية فردية، تختلف باختلاف الحاجات والأهداف المتنوعة، ومن صورها اجتهاد الفقيه والمفكر الذي هو موضوع بحثنا هذا.

أما الاجتهاد الجماعي بالتشاور، فهو تجميع للاجتهادات الفردية ومضاهاتها بغرض معرفة الرأي أو الفتوى ـ التي هي محل مشترك بين العدد الغالب للاجتهادات الفردية ـ لاتباعها والعمل بها احتراما لأمر الله سبحانه وتعالى بالشورى.

وللشورى ضروب وصور عديدة، وهي بجميعها لا تخرج عن التحليل السابق، لأن الجماعة ليست عقلا واحدا يفكر، وإنما هي عقول فردية يفكر كل منها ويحلل باستقلال عن الآخر.

إن أهل السلف تركوا لنا تراثا ليس فيه ـ بعد القرآن والسنة ـ اثمن من علم أصول الفقه وقواعده الكلية. والعمل بهذا العلم يقتضي الاعتماد على معاييره بعيدا عن تقليد الفروع الموروثة عن السلف التي تكدست في مكتباتنا وجعلتنا نتكاسل عن رؤية واقعنا المعاصر، استسهالا منا لنقل الفتوى عن غيرنا. وبذلك قلبنا الأوضاع السليمة وصار المناخ العام هو جعل الرجوع إلى الفروع وتقليدها أولى من الرجوع إلى القرآن وفهم نصوصه وروحه على ضوء واقعنا المعاصر. وصرنا أحزابا متعصبة لمذاهب دون أن نفهم أو نعي أن المذهب كان مدرسة أصولية فكرية تربي التلاميذ على الاشتغال بالأصول الفكرية، وعلى عدم تهيب مخالفة رأي الأستاذ فقد كان تلاميذ الأئمة ـ بالرغم من أنهم يتبعون منهجهم العلمي الأصولي ـ يخالفونهم الرأي في أمور عديدة.

إذن، فالزمان يتغير والأحداث لا تنتهي، والعمل المستمر لطاعة أوامر الله سبحانه وتعالى يقتضي منا الاجتهاد المستمر باتباع قواعد أصول الفقه. والاشتغال بهذا العلم لن ينتج عنه تغيير الثوابت بل العكس فهو يحافظ عليها.

إن المتغيرات الاجتهادية، أي الفتاوى التي لا حرج في تغييرها باتباع معايير أصول الفقه، كثيرة في كتب التراث، والمطلوب وضع تلك الفتاوى والآراء في نصابها بإعطائها قيمة استشارية من جانب العلماء المعاصرين، وعدم التهيب من التعديل فيها أو مخالفتها باتباع منهج أصول الفقه، وإلا ّ صارت مثلها مثل أحكام القرآن.

إن الإمام الشافعي قديما غير من فتاواه التي قال بها في العراق عندما جاء إلى مصر، بالقدر الذي دفع المؤرخين إلى القول بأن له مذهبين: مذهب قديم عراقي، ومذهب جديد مصري.

ونظرا لأن كتب التراث كانت مخطوطات كتبت للتداول بين أيدي المتخصصين آنذاك، ولم تكن بحوزة الجمهور العريض من عامة الناس ومثقفيهم، لذلك لم يهتم مؤلفوها بوضع إشارات توضيحية كافية تبين المصدر المباشر الذي استقى منه الفقيه الحكم أو الفتوى التي أصدرها، لأن قارئي هذه الكتب وقتها لم يكونوا بحاجة لمثل هذه الإيضاحات لمعرفة ما هو راجع إلى النصوص أو العرف أو الاستحسان أو المصلحة من أحكام.

أما اليوم، وقد صارت هذه الكتب ـ بفضل الطباعة ـ بين ايدي العامة من الناس، فقد أدى ذلك إلى إعراضهم عن علماء العصر، اعتقادا منهم بعدم الحاجة لهؤلاء العلماء طالما كانت تلك الكتب، حسبما يعتقدون، تحوي جميع أبعاد المسائل المطروحة فيها، ويعتبرون أن جميع ما بها هو من الثوابت قياسا على الأجزاء الخاصة بالعبادات(3).

ولهذا السبب يظهر من بين العامة من يدعي العلم، وهو في واقع الأمر مجرد تماما من الملكات الاجتهادية ولا يعدو أن يكون مجرد حافظ مردد لأقوال غيره، دون تأمل أو تمحيص فيما يمكن تغييره وتعديله وما لا يمكن. ويتجمع الناس حول هذا الشخص معتقدين أن جميع ما يردده له قيمة القرآن المنزل من السماء.

وللأسف، ليس هناك إلى الآن مجهودات كافية من علماء عصرنا لوضع الإشارات التوضيحية في كتب الفقه المنتشرة بين أيدي الناس ـ بسبب الطباعة وتقدم التكنولوجيا ـ حتى يكونوا على علم بالثوابت الراجعة إلى القرآن والسنة والمتغيرات الراجعة إلى العرف والمصلحة والاستحسان وغير ذلك من الأدلة الشرعية.

إن العمل بقواعد أصول الفقه، فيما هو جديد وكذلك فيما هو موروث، هو الأصل في الشريعة. والفقهاء القدماء هم الذين نهوا عن التقليد وقالوا إنه يؤدي إلى تعطيل الشريعة(4).

ومن الثابت أن المعايير الأصولية كان يعمل بها جميع الفقهاء القدماء، وإنما تميز الإمام الشافعي بالفضل الكبير في الكشف عن هذه المعايير وتنظيرها.

إن الإخلاص الحقيقي لأهل السلف هو بالعمل على طريقتهم الفكرية واتباع منهجهم الأصولي ـ دون تقليدهم في الفروع والفتاوى ـ لأننا بذلك نكون امتدادا حقيقيا لهم، بل وكأننا أحييناهم. أما ترديد أقوالهم وفتاويهم، دون اجتهاد وتبصر، فمعناه أننا نحكم عليهم بضيق الافق ونحكم على الشريعة كلها بأنها ليست منبعا مستمرا متدفقا للحلول والتقديرات في كل زمان ومكان.

إن المسؤول عن العمل بأصول الفقه بفكره الشخصي هو العالم بمعايير هذا العلم.

أما العمل بأصول الفقه ومعاييره من حيث الموقع فهو عام ويجب أن يكون في شتى المجالات في المجتمع الإسلامي الذي يبغي تطبيق الشريعة تطبيقا معياريا عصريا صحيحا.

والعمل بهذه المعايير في المواقع المختلفة ليس معناه أن يكون جميع المسؤولين على دراية بها، وإنما قد يرجعون في هذا الشأن إلى أصحاب هذه الدراية أو يكون لهم مستشارون متخصصون في ذلك. إذن فيجب أن يتوافر عدد كبير من علماء الفقه وأصوله في المجتمع الإسلامي.

ثانيا: قواعد الفقه الكلية

رأينا أن علم أصول الفقه يرمي إلى تكوين عقلية العالم والخبير تكوينا علميا وفنيا بغرض خدمة المجتمع العريض في كل زمان ومكان وفي شتى نواحي الحياة، (في الثقافة والتعليم والقانون والسياسة... الخ )، فيجب أن تكون له صلة بتقدير السياسة العامة للحكومة في إصدار القوانين وإنشاء المؤسسات والمرافق اللازمة للمجتمع وتقدمه. ويجب أن نأخذ في الاعتبار أن هذا العلم يحتوي على أصل من أهم الأصول المتعلقة بالسياسة الشرعية، وهو مبدأ الشورى الذي يجب أن نلمس له في الواقع صورا مختلفة تتسع وتضيق حسب الموقع التدرجي للمصالح داخل المجتمع الواحد، وتختلف بين المجتمعات الإسلاميّة المتعددة تبعا لاختلافات التكوين الثقافي والفكري والاجتماعي والسياسي والاقتصادي...

هذا العلم تلحق به قواعد الفقه الكلية التي تعتبر مرحلة تلي في الدرجة الأصول الكلية لتتوسط ـ في الفكر والتحليل ـ بين تلك الأصول والفروع التي يجب أن تقاس عليها لمعرفة صفاتها الشرعية من الحظر والإباحة في كل زمان، وذلك بواسطة العلماء وأهل الخبرة الفنية والسياسية.

إذا نظرنا إلى علم أصول الفقه باعتبار أنه خطوات للبحث والمعرفة تبدأ بالرجوع إلى أحكام القرآن والسنة، فرجعنا إلى هذه الأحكام، وعلمنا منها أن الشرع الإسلامي روحه التيسير وعدم المشقة، سنعلم قطعا أن هذا الشرع يخاطب الناس في ظل الظروف العادية الطبيعية، أما الظروف الاستثنائية التي يكون فيها التطبيق الحرفي لحكم من أحكام الشريعة مؤديا إلى مشقة وضرر، فيحق في هذه الحالة ـ وبالاعتماد على النصوص ذاتها ـ مخالفة الأوامر بلا حرج عملا بالآية (إلاّ من أكره وقلبه مطمئن) أو بحديث (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) لأنه ليس ثمة جرم. أو يخفف قدر الجزاء إذا كان الفعل الاضطراري لا يزال يشكل بعض الخطر وينتج آثارا ضارة أو كان الفاعل باستطاعته الإعراض عن المخالفة إلى فعل آخر أقل منه ضررا وخطورة.

أمام مثل هذه الإشكاليات التفصيلية يأتي دور (قواعد الفقه الكلية ) للصياغة النظرية المجردة مثل: (الضرورات تبيح المحظورات) و(الضرورات تقدر بقدرها).

هذه القواعد تعين القضاة على حسن البصيرة في الدعاوي المنظورة بمعرفتهم، وكذلك تعين المشرع وهو يسن القوانين اللازمة لتحقيق الصالح العام.

نتبين من ذلك أن قواعد الفقه الكلية منها ما هو مشتق من النصوص مباشرة، ودور الفقيه المفكر اقتصر على صياغة مضمونها في قالب ميسور ومستساغ وواضح الفهم لمن أراد الرجوع إليه. وذلك مثل قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) , (رفع الضرر) ومنها ما يعتبر من قبيل الإبداع (البدعة الحسنة) الفني لضبط سير الأمور والنظام مثل قواعد الإثبات (البينة على من ادعى واليمين على من أنكر).

وبما أن هذه القواعد من قبيل الصياغة والابتكار الفني في سبيل حسن فهم الشرع وتطبيق مبادئ العدالة، فلا يكون هناك أي مانع من تطوير هذه الصياغات والطرق الفنية، حتى يتسنى حسن فهمها واستيعابها في ظل الثقافة الحاضرة، ويستطيع المجتمع مواصلة المسيرة في توخي العدالة وتحقيق المساواة في ظل الشرع والقانون.

ثالثا: ضرورة الاجتهاد

إن اتباع المنهج الفكري الأصولي الإسلامي يملي على المفكر ألا يقيس الأمور ويحكم عليها على ضوء فتاوى غيره ـ قديما كان عهد هذا الغير أم حديثا ـ وإنما على ضوء المعايير العلمية الأصولية والصدق في التعبير ودقة الصياغات. ولا يهم بعد ذلك أن تجيء النهايات موافقة أو مخالفة للفروع الموروثة عن السلف، طالما كانت هذه النهايات ثمرة تحليل أصولي، لأن معايير الشريعة الإسلاميّة الغراء تسمح بتعدد الحلول في كثير من المسائل، وليس من الحكمة في شيء محاولة حصر هذا التعدد في عدد محدد، وإنما استمرار الاشتغال بأصول الفقه هو الذي يتكفل بإضافة اختيارات شرعية معاصرة على الفتاوى والحلول القديمة.

إن الأمر الهام دائما هو التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير. إن العلم بذلك والتصديق به لن يأتي إلاّ باتباع العلماء لمنهج أصول الفقه الإسلامي وبشعور العامي بصدق هؤلاء العلماء وقوة حجتهم.

والأمثلة على حتمية الاجتهاد في الشريعة لانهاية لها، وهو الأصل في الشريعة فبدونه لا يحدث الإيمان، فالاجتهاد درجات أعلاها الاجتهاد في فهم الخطاب الإلهي، فالقرآن يحتاج إلى اجتهاد في فهمه وتقدير إعجازه بالإضافة إلى ما يشعه في القلب من راحة لمن يفهمه، أما من لا يفهمه فلا يصل إلى أذنيه إلاّ طنينا، ولا ينفذ إلى قلبه الإيمان.

وليس على الأرض من الناس من يؤمن، أو يستمر في إيمان بعقيدة ورثها عن سلفه، إلاّ إذا كان هذا الإيمان وذلك الاستمرار فيه له ركيزة عقلية من اجتهاده الشخصي.

إن توخي رضا الله، بمعرفة الروح العامة للشريعة الإسلاميّة ومبادئها والاجتهاد في تنظيم المجتمع على ضوء سماحتها، أمر مطلوب، والنصوص تناولت بعض الأمور الأساسية وتركت أمورا لا حصر لها ولا عد، وهذا المتروك هو أيضاً على قدر كبير من الأهمية، وهو متروك من الله عمدا ليجتهد المجتهدون بالشورى، حتى لا يكف الناس عن التعاون ولا تقف العقول عن الفكر. وبذلك يتمرن العقل باستمرار حتى يصل إلى التذوق الحسن لمنظور العدل والإحسان، وتكون لديه القدرة المستمرة على الربط السليم بين النظرية والواقع.

إن العلماء المجتهدين اليوم قلة، والحفظة المرددين لأقوال غيرهم كثيرة وهم في كسال عن إعمال العقل حتى في اختيار مثال عصري لتأكيد هذه الأقوال، فتراهم لا يزالون يضربون الأمثلة بالعبد المملوك على الشيوع كيف يقسم فيما بين الشركاء ولا يتعرضون لسؤال أهم وهو هل الإسلام يقبل مبدأ العبودية؟....!

إن أغلب المقلدين يركنون إلى اكتساب أرزاقهم بالنقل من الكتب القديمة لإخراج كتيبات بأسمائهم، ومنهم من يعمل أبحاث ترقيته من درجة إلى درجة أعلى بهذه القصاصات الخالية من فكره الشخصي. وما أسهل ذلك وأيسره. إن أمثال هؤلاء لا يؤدون دورا في التنوير.

إن المجتهدين موجودون ولكنهم قلة وليس المجتهد هو الذي يعبر عن أقوال قديمة بلغة العصر وأمثلة اليوم، وإنما المجتهد هو الذي يفكر بناء على قواعد ومعايير علم أصول الفقه: كيف يرجع إلى المصادر الأصلية من قرآن وسنة و إجماع الصحابة؟ وكيف يجتهد في فهم هذه النصوص وأسباب ورودها ويربط بينها وبين الواقع المعاصر بالتقريب والتبعيد، بحجة أصولية علمية إسلامية؟ فالاجتهاد هو عملية فنية شرعية يجب أن تكون مستمرة مع الزمان، ولابد من وجودها في كل موقع.

ونحن نرى أن عدد العلماء المشتغلين بأصول الفقه قليل لسد جميع حاجات المجتمع الإسلامي العريض. ولكي يمكن الإكثار من أعداد هؤلاء حتى يأتي اليوم الذي تصبح فيه جميع الحاجات إليهم كاملة الإشباع، لابد من التفكير في طريق عملي فعال في هذا المجال، ونعتقد أن أكثر الطرق فعالية في هذا الصدد هي برامج التعليم.

وبما أن البرامج الدراسية في الكليات الإسلاميّة تغرق في الدراسات الأكاديمية النظرية، وتهمل تدريب الطلاب فكريا على الاجتهاد، فإننا نرى وجوب إدخال بعض المواد الغائبة عن الدراسة في البرامج الحالية وهي تلك المواد المنشطة للفكر والباعثة على التأمل والتروي في تقدير الأمور مثل (أسباب ورود الحديث الشريف ) وغيرها.

وكذلك يجب الاهتمام بالتدريب، بطريق الأبحاث المبنية على الاشتغال بعلم أصول الفقه، دون تقليد ما أفتى به أهل السلف ودون القياس على الفروع. ويجب أن يكون التدريب متوازنا مع الدراسة النظرية في الحجم والأهمية.


1 ـ من ندوة التقريب في مراكش، وهذا المنشور جزء من بحث مفصل حذفنا منه بعض أقسامة توخيا للاختصار (التحرير).
2 ـ الشورى / 38.
3 ـ أوضح الإمام السيوطي أن العامي لا يستطيع فهم كل أدلة الأحكام بالرجوع إلى كتابات فقهاء المذاهب الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، تحقيق خليل الميس / 118، بيروت 1403 هـ / 1983م.
4 ـ المرجح السابق / 70.