المنهج العلمي في تربيب الادلة الإجتهادية

آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي


بسم الله الرحمن الرحيم

توحيد (الاجتهاد) والبحث عن صيغ ورؤى متقاربة في عملية الاجتهاد من اهم عوامل التقارب بين المذاهب الإسلاميّة المختلفة في الفقه والكلام.

واقصد بتوحيد (الاجتهاد) امرين:

الأول: التفاهم على الحجج والادلة التي يمكن الوصول إلى رأي مشترك في اثبات حجّيتها واعتمادها في الاحتجاج والاستدلال.

والثاني: التفاهم على منهج علمي واحد في استخدام وتوظيف هذه الادلة في الاستدلال واستنباط الحكم الشرعي. وهو ما نقصده بالذات في هذه الدراسة.

وقد قدم فقهاء الشيعة الإمامية في (ترتيب الادلة الاجتهادية ) وتنظيم المنهج العلمي في الاستدلال وتقديم بعض الادلة على بعض دراسات علمية عقلية. وقد تكاملت هذه الدراسات وبلغت نضجها العلمي على يد فقيهين كبيرين تعاقبا على موقع الريادة في علم الاصول في القرنين الثاني عشر والثالث عشر في مدرسة كربلاء والنجف، وهما مدرستان علميتان بارزتان في تاريخ الفقه والاصول لدى الشيعة الإمامية.

وهذان الفقيهان هما الوحيد البهبهاني (1118 ـ 1205) والشيخ الانصاري (1214 ـ 1281 هـ ) ـ رحمهما الله ـ ونحن نعتقد أن المنهج العلمي الذي تمخضت عنه هذه المدرسة يصلح اساساً علمياً جيدا لتوحيد المنهج العلمي في الاستدلال وترتيب الادلة والحجج، إذا عرض على دراسات نقدية من قبل فقهاء المذاهب الإسلاميّة.

وفيما يلي احاول إن شاء الله تقديم صورة موجزة عن المنهج العلمي في هذه المدرسة في ترتيب الادلة الاجتهادية وتقديم بعضها على بعض والمنهج العلمي لتوظيفها في الاستنباط.

وقد اقتبست هذه الدراسة من دراسة سابقة في هذا الموضوع كنت قد اعددته من قبل عن مدرسة الشيخ الانصاري ـ رحمه الله ـ في الاصول.

على امل ان يتم تقديم دراسة علمية مشابهة لتوحيد الحجج والادلة الفقهية التي يمكن الوصول إلى رأي فقهي مشترك في اثبات حجيتها وامكان اعتمادها في الاستنباط.

واذا تمت هذه النقطة وتلك على اساس علمي دقيق امكن الوصول إلى اجتهادات فقهية مشتركة أو متقاربة في طائفة واسعة من المسائل المختلف فيها في العبادات والمعاملات (بالمعنى الأعم).

وسوف نتحدث في هذه الدراسة بايجاز عن النقاط التالية:

1 ـ تعريف الحجة والدليل في اللغة والاصطلاح.

2 ـ الحجة الذاتية والحجة بالعرض.

3 ـ مبدأ الاستناد إلى الحجة.

4 ـ منهج ترتيب الحجج من حيث الاستناد.

5 ـ تقسيم الدليل إلى (الامارات) و(الاصول).

6 ـ تقسيم مفاد الدليل إلى الأحكام والوظائف العملية.

7 ـ ترتيب الادلة وتقديم بعضها على بعض.

وهذه النقاط مترتبة ومتسلسلة بترتب بعضها على بعض، وفيما يلي نقدم ان شاء الله شرحا اجماليا لهذه النقاط في ضوء آخر متبنيات مدرسة الاصول عند الشيعة الامامية ـ ومعظم افكار هذه المدرسة الاساسية يعود إلى افكار الفقيهين: الوحيد البهبهاني والشيخ الانصاري ـ رحمهما الله.

1 ـ تعريف الحجة والدليل في اللغة والاصطلاح:

الحجة في اللغة كل ما يثبت به الإنسان دعواه، ويغلب به خصمه.

وفي المصطلح العلمي الخاص: تختلف الحجة في المنطق عنها في الاصول.

ففي المنطق نطلق (الحجة) على مجموعة من القضايا المؤتلفة والمعلومة التي تؤدي إلى استحصال المعرفة والعلم بمجهول تصديقي. وللحجة مصطلح آخر عند اهل المنطق وهو الحد الوسط، لان الحد الأوسط في البرهان لا يخلو من ان يكون علة لثبوت الاكبر للاصغر فيكون البرهان (لميا)، أو يكون الحد الأوسط معلوا للاكبر وليس علة أو يكون الحد الأوسط والأكبر معا معلولين لعلة ثالثة فيكون البرهان (انيا ) وعلى كل حال يكون الحد الأوسط علة لاثبات الأكبر للاصغر وهو (النتيجة).

وأما (الحجة) عند الاصوليين فهو ما يؤدي إلى اثبات حكم شرعي أو وظيفة شرعية أو عقلية بصورة قطعية.

فمن الحجج ما يؤدي إلى حكم شرعي كالكتاب والسنة والعقل، ومنه ما يؤدي إلى وظيفة شرعية أو عقلية كالاصول الاربعة (الادلة الفقاهتية).

وتتقدم (الحجة) دائما بالقطع، ولابد ان تؤدي الحجة إلى اثبات ما تثبته من الحكم والوظيفة الشرعية والعقلية بالقطع، ومن دون القطع لن تكون الحجة حجة.

2 ـ الحجة الذاتية والحجة بالعرض:

وقد تكون الحجية ذاتية للحجة كما في حجية القطع نفسه، وقد تكون حجية الحجة غير ذاتية. وحجية هذه الحجج (غير الذاتية) لابد ان تنتهي إلى القطع، ولو بعدة وسائط، فلا تكون الحجة حجة إلاّ إذا كانت متقومة بالقطع مباشرة أو بالواسطة.

وبتعبير آخر: الحجة إما أن تكون ذاتية وهي القطع فلا تحتاج إلى جعل للحجية واما ان تكون الحجة مجعولة من ناحية الشارع جعلا قطعيا وهي الحجة بالعرض.

ولا يصح اسناد حكم إلى الله تعالى من دون الاستناد إلى الحجة ولن تكون الحجة حجة دون ان ينتهي إلى القطع، والشك في الحجية يساوق عدمها، لان قوام الحجة القطع واليقين وهذا امر هام، وعلى درجة عالية من الاهمية في بحث الحجج.

3 ـ مبدأ الاستناد إلى الحجية:

التزم فقهاء الإمامية بمبدأ الاستناد على الحجة وقالوا: ان الدليل ما لم يبلغ حد القطع والعلم لا يكون حجة ولا يجوز الاستدلال به، والاستناد اليه في استنباط الحكم الشرعي.

كما لا يجوز التنزل من الحجة إلى اللاحجة عند فقدان الحجة على الحكم الشرعي.

ومهما شككنا في حجية دليل، فان الشك فيه يساوق عدم الحجية، لأن قوام الحجية القطع، فإذا تسرب الشك اليه انثلم القطع، وبه تنثلم الحجية.

اذن لا يكون الدليل حجة إلاّ إذا كان بذاته علما وقطعا أو كان يعتمد في حجيته دليلا قطعيا ولو بعدة وسائط.

واما الادلة الظنية التي لا توجب القطع ولا تعتمد على دليل قطعي فلا تكون حجة.

وما لم نعلم علما يقينيا، بان الشارع قد اعتمد سبيلا من السبل الظنية واعتبره وتعبدنا به لا يجوز لنا ان نتمسك به ونسند مفاده إلى الله.

وهذا اصل هام في الاستنباط، ويستدل الشيخ الانصاري ـ رحمه الله ـ على ذلك بالادلة الاربعة:

فمن الكتاب العزيز يقول تعالى: (ان يتبعون إلاّ الظن وإن هم إلاّ يخرصون) (الانعام / 116)

ويقول تعالى: (قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون) (يونس / 59)

وبموجب هذه الآية المباركة فاستناد كل ما لم يأذن به الله تعالى إلى الله من الافتراء على الله القبيح عقلا، والمحرم شرعا، وليس من الإذن والافتراء فاصل.

ومن السنة الشريفة يستدل بما رواه الحر العاملي ـ رحمه الله ـ في (وسائل الشيعة الباب الرابع من صفات القاضي الحديث6).

(رجل قضى بالحجة وهو لا يعلم ).

ومن الاجماع ما ادعاه الوحيد البهبهاني ـ رحمه الله ـ من ان حرمة العمل بما لا يعلم من البديهيات عند العوام فضلا عن الخواص.

ومن العقل اتفاق العقلاء على تقبيح الافتراء على الله تعالى.

ولا يخرج المكلف والفقيه من حالة الافتراء إلاّ إذا استند إلى حجة قطعية على اعتبار ظن خاص كان ذلك الظن حجة بها، ومستندا اليها ومن دون ذلك لا يكون الظن حجة.

وهذا اصل هام في باب الحجج ذكرناه من قبل واطلقنا عليه عنوان الاستناد إلى الحجة.

ومحصل هذا الاصل: ان الظن ليس بحجة بذاته ولا يجوز اعتماده والاستناد اليه، بالنظر إلى ذاته وانما يكون الظن حجة شرعا، إذا قام على حجيته دليل علمي من ناحية الشارع، فيكون الظن حجة من ناحية ذلك الدليل وليس بذاته.

فإذا كان هذا الدليل دليلا قطعيا بذاته انقطع السؤال، وان لم يكن دليلا قطعيا بذاته كان لابد ان ينتهي إلى دليل قطعي.

وبتعبير اوضح: ان حجية الظن عرضية وليست ذاتية فلابد ان تنتهي حجية كل ظن، ثبتت حجيته شرعا إلى القطع ولو بعدة وسائط.

فإذا انتهت سلسلة الحجية إلى القطع، كان ذلك القطع هو الحجة، ومبدأ الحجية في هذه السلسلة، تطبيقا للقاعدة العقلية المعروفة (ما بالعرض لابد ان ينتهي إلى ما بالذات ).

حجية الظنون الخاصة:

وهذه هي النقطة الثالثة في بحث الشيخ رحمه الله في باب الظن و(الظن الخاص ) وهو مصطلح محدد يذكر في مقابل (الظن المطلق ).

ويقصد (بالظن الخاص ) ما ثبتت حجيته بدليل علمي في مقابل (الظن المطلق ) الوارد في دليل الانسداد في بحث حجية مطلق الظن، وان لم يرد دليل شرعي خاص على حجيته.

والبحث عن الظنون الخاصة يعتبر الجانب التطبيقي والمصداقي لبحث الظن، ولهذا البحث اهمية كبرى في علم الاصول.

فنحن إذا رفضنا حجية مطلق الظن واقتصرنا في مسألة الحجية على الظنون الخاصة التي تثبت حجيتها بدليل علمي... لابد ان نعرف ونشخص هذه الظنون الخاصة لنوظفها في عملية الاستنباط والاجتهاد لاكتشاف الحكم الشرعي.

ولكي يتمكن من اكتشاف الحكم الشرعي لابد لنا من ان نتثبت من حجية أخبار الآحاد التي بين ايدينا، ونتأكد من دلالتها على المعنى الظاهر منها، ونتأكد من جهة صدورها.

والوسائل والادوات العلمية التي تمكننا من ذلك هي في الغالب وسائل وادوات ظنية من حيث هي، ولابد لنا في هذا البحث من ان نتثبت من اعتماد الشارع لها واعتبارها ومنحها الحجية ليصح لنا ان نوظفها في اكتشاف الحكم الشرعي. وهذه الظنون على طائفتين:

الطائفة الاولى: الادلة والحجج الشرعية على الحكم الشرعي (أو ما يسمى بالطرق والامارات) كالسنة غير المتواترة والاجماع والشهرة.

والطائفة الثانية: المنهج والاسلوب العلمي الذي نوظفه للاستفادة من هذه الطرق في سبيل اكتشاف الحكم الشرعي مثل مسألة حجية الظهور.

فان ظهور الدليل في مؤداه ليس التنصيص والتصريح كثيرا، واذا توقفنا عن الاخذ بظهور الادلة اللفظية بسبب عدم الصراحة والتنصيص الغينا طائفة واسعة من الروايات والاخبار الظاهرة في معانيها غير الصريحة.

وحجية الظهور تمكننا من الاستفادة من هذه الروايات.

والبحث عن حجية الظهور قد يكون بحثا كبرويا (كليا) في أصل الحجية، ومستند العلماء في حجية الظهور هو طريقة العقلاء في الاخذ بالظهور في معاشهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم، ولولا ذلك الاخذ لاختلت حياتهم، والشارع لم يلغ هذه الطريقة بل امضاها، واعتبرها باعتباره سيدهم ورئيسهم وامضاء الشارع لطريقة العقلاء يكفي في حجيتها.

وقد يكون البحث في حجية الظهور بحثا صغرويا كالبحث عن ظهور الامر في الوجوب والفور، والبحث عن ظهور الامر عقيب الحظر في الاباحة. وتتكفل مباحث الالفاظ في الابحاث الاصولية عادة بمثل الابحاث الصغروية ويطلق عليها عنوان (المبادىء) بخلاف الجانب الكبروي من المسألة وهو أصل مسألة حجية الظهور فانه يعتبر من صلب المسائل الاصولية.

4ـ منهج ترتيب الحجج من حيث الاسناد:

ويتم ترتيب الحجج في الحجية وفي الاستناد على المنهج التالي، وهو المنهج الذي يقترحه المحقق الخراساني في كفاية الاصول في تعديل منهج استاذه الشيخ الانصاري ـ رحمه الله ـ في ترتيب الحجج.

يقول ـ رحمه الله ـ: ( فالأولى ان يقال ان المكلف إما ان يحصل له القطع أولا، وعلى الثاني أما ان يقوم عنده طريق معتبر أو لا؟ ).

وتوضيح هذا الترتيب:

1 ـ ان المكلف إذا حصل له القطع بالحكم الشرعي فيعمل به بالضرورة، فان القطع منجز للتكليف في حالة الإصابة، ومعذر عند عدم الإصابة والمخالفة والتنجيز والتعذير لا زمان عقليان للقطع بالحكم الشرعي.

2 ـ واذا لم يقطع المكلف بالحكم الشرعي يرجع إلى الادلة الظنية التي ثبت اعتبارها وحجيتها بدليل معتبر من ناحية الشارع وهو ما سميناه في العنوان السابق بالحجة بالعرض في مقابل الحجة بالذات وهو القطع وهذه الطائفة من الادلة الظنية التي ثبت اعتبارها بدليل شرعي معتبر تسمى عادة بـ (الامارات) و(الطرق) و (الظنون الخاصة ) وذلك مثل (خبر الثقة الواحد) و(الاجماع ) و(الشهرة) وغير ذلك من الالدلة الظنية التي اعتبرها الشارع وتعبدنا بها.

3 ـ وان لم يتيسر للمكلف طريق معتبر (دليل ظني معتبر) يرجع المكلف إلى الاصول العملية التي تقرر وظيفة المكلف في حالة عدم تمكن المكلف من دليل ظني معتبر.

حالة الاستيعاب والترتب في الحجج:

وهذه المخمصة الجديدة في بحث الحجج تجمع من امرين:

الاول منهما: استيعاب كل الحجج وبصورة كاملة فلا تبقى حجة من الحجج ذاتية أو مجعولة تفيد حكما شرعيا أو وظيفة عقلية أو شرعية إلاّ ويدخل ضمن هذه المنهجية، كما سنوضح ذلك ان شاء الله فيما يأتي.

والميزة الأخرى لهذه المنهجية: الترتيب والحالة الطولية في عرض الحجج فالقطع، وهو انكشاف الواقع يتقدم على كل حجة أخرى، ولا تزاحمه حجة، مهما كانت، وبعد ذلك يأتي دور الطرق والامارات التي اعتبرها الشارع، وهي حجة في حالة عدم انكشاف الواقع وفقدان القطع، وان تمكن المكلف من الوصول إلى القطع بالحكم الشرعي، هي حالة مترتبة على الحالة الاولى، بمعنى ان حجية الطرق والامارات المعتبرة تأتي في حالة غياب القطع وعدم انكشاف الواقع، ومع انكشاف الواقع والقطع بالحكم الشرعي لا يصح الاعتماد على هذه الطرق والامارات وان كان لا يجب على المكلف ان يسعى للوصول إلى القطع.

والحالة الثالثة: مترتبة على فقدان الحالة الثانية، فان المكلف إنما يصح له الرجوع إلى الاصول العملية الشرعية والعقلية في حالة غياب وفقدان الطرق والامارات المعتبرة شرعا، وبعد الفحص عنها واليأس منها بالمقدار المتعارف.

5 ـ تقسيم الدليل إلى (الامارات) و (الاصول):

ومن الشرح المتقدم يتضح ان المكلف إذا لم يقطع بالحكم الشرعي فلابد ان يعمل بالامارات والادلة الظنية التي ثبت اعتبارها بدليل شرعي معتبر.

واذا فقد المكلف هذه الطرق الظنية المعتبرة، ولم يتيسر له طريق معتبر شرعا إلى الحكم الشرعي كان المورد مجرى لاحدى (الاصول) المعروفة الجارية في الشبهات الحكمية أو الموضوعية.

أقسام الاصول:

وهذه الاصول بعضها عقلية كالبراءة والاحتياط العقليين، وبعضها شرعية كالاستصحاب والبراءة الشرعية.

ومنها ما تخص الشبهات الموضوعية الخارجية أي ما يكون اللبس والشك في الموضوع الخارجي وليس في الحكم الشرعي وذلك كقاعدة الفراغ والتجاوز وقاعدة سوق المسلمين وقاعدة اصالة الصحة في فعل الغير وغير ذلك.

ومنها ما تعم الشبهات الموضوعية والحكمية (أي ما يكون الشك فيه في الموضوع الخارجي أو الحكم الشرعي )... واهم هذه الاصول التي تعم الشبهات الحكمية والموضوعية هي الاصول العملية الاربعة المعروفة التي يبحث فيها علماء الاصول في باب الشك.

وهذه الأحكام الظاهرية التي تجري عند الشك متميزة عن الامارات الظنية انها تفقد صفة الكشف عن الحكم الواقعي ولا تكسب الشك رؤية إلى الحكم الشرعي الواقعي، أو إلى الموضوع الخارجي ذي الأثر الشرعي بعكس الامارات فانها تملك في حد نفسها درجة من الكشف عن الواقع.

غير انها ضعيفة وغير كاملة، فيتممها الشارع بالاعتبار الشرعي، بالغاء احتمال الخلاف واعتبار ما تؤدي اليه الامارة (كالخبر مثلا) هو الحكم الشرعي الواقعي.

اما الاصول الشرعية والعقلية التي تجري في مورد الشك فتفقد هذه الخصوصية الناقصة عن الكشف، ولا تكسب الشاك في الحكم الشرعي رؤية إلى الحكم وانما تقرر له العملية في ظرف الشك فقط.

ومن هذا المنطلق بدأت تختمر عند العلماء بالاصول فكرة تفكيك الاصول عن الامارات والطرق، وفرز إحداهما عن الأخرى.

وهذا التفكيك بين الامارات والاصول ظهر كما يبدو ولأول مرة على يد الوحيد البهبهاني ـ رحمه الله ـ إلاّ ان الوحيد اقتصر فقط على التفكيك بينهما دون ان يجعل من هذا التفكيك أساسا لتغير منهج الدراسات الاصولية، ودون ان يتناول بالبحث الاثار العلمية الكبرى لهذا التفكيك.

أما الشيخ فقد جعل من التفكيك من الامارات والاصول اساسا لمنهجة حديثة في علم الاصول وتناول الاثار والنتائج المترتبة على هذا التفكيك بشكل علمي وعميق، وخرج بنتيجة ذلك بتصورات وافكار جديدة في علم الاصول.

يقول الشيخ رحمه الله في اول المقصد الثالث عن صاحب الفرائد وهو بحث (الشك):

قال الشيخ في أول المقصد الثالث وهو بحث الشك من كتاب (فرائد الاصول): (قد عرفت ان القطع حجة في نفسه لا بجعل جاعل والظن يمكن ان يعتبر في الطرف المظنون لأنه كاشف عنه ظنا لكن العلم به والاعتماد عليه في الشرعيات موقوف على وقوع التعبد به شرعا وهو غير واقع إلاّ في الجملة وقد ذكرنا موارد وقوعه في الأحكام الشرعية في الجزء الأول من هذا الكتاب واما الشك فلما لم يكن فيه كشف اصلا لم يعقل فيه ان يعتبر فلو ورد في مورده حكم شرعي كأن يقول الواقعة المشكوك حكمها كذا كان حكما ظاهريا لكونه مقابلا للحكم الواقعي المشكوك بالفرض ومطلق عليه الواقعي الثانوي أيضاً لأنه حكم واقعي للواقعة المشكوك في حكمها وثانوي بالنسبة إلى ذلك الحكم المشكوك فيه لان موضوع هذا الحكم الظاهري وهو الواقعة المشكوك في حكمها لا يتحقق إلاّ بعد تصور حكم نفس الواقعة والشك فيه مثلا شرب التتن في نفسه له حكم فرضنا فيما نحن فيه شك المكلف فيه فإذا فرضنا ورود حكم شرعي لهذا الفعل المشكوك الحكم كان هذا الحكم الوارد متاخرا طبعا عن ذلك المشكوك فذلك الحكم حكم واقعي بقول مطلق وهذا الوارد ظاهري لكونه المعمول به في الظن وواقعي ثانوي لأنه متأخر عن ذلك الحكم لتأخر موضوعه عنه ويسمى بالدليل الدال على هذا الحكم الظاهري اصلا واما مادل على الحكم الأول علما وظنا معتبرا فيختص باسم الدليل وقد يقيد بالاجتهادي كما ان الأول قد يسمى بالدليل مقيدا بالفقهاهتي وهذان القيدان اصطلاحان من الوحيد البهبهاني لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه والاجتهاد ثم ان الظن الغير المعتبر حكمه حكم الشك كما لا يخفى ومما ذكرنا من تأخر مرتبة الحكم الظاهري عن الحكم الواقعي لأجل تقييد موضوعه بالشك في الحكم الواقعي يظهر لك وجه تقديم الادلة على الاصول لان موضوع الاصول يرتفع بوجود الدليل فلا معارضة بينهما لا لعدم اتحاد الموضوع بل لارتفاع موضوع الاصل وهو الشك لوجود الدليل.

المنهجية الجديدة لعلم الاصول:

ومهما يكن من امر، فان الشيخ الانصاري قد وضع في هذا التقسيم الذي ذكره للدليل، اساسا قويا لمنهجية جديدة تماما في علم الاصول. وجعل منه منطلقا جديدا لعلم الاصول وانطلق منه إلى اكتشاف ودراسة الاثار والنتائج العلمية الكبرى المترتبة على هذا التفكيك.

وعلى هذا الاساس أدخل الشيخ الانصاري الادلة الاجتهادية في المقصد الثاني من كتابه، في بحث الظن كالبحث عن خبر الواحد والاجماع والسيرة والشهرة، وهي الظنون الخاصة التي اعتبرها الشارع وثبت عندنا اعتبارها بدليل قطعي، بينهما بحث (الادلة الفقاهتية ) وهي الاصول العملية الاربعة في المقصد الثالث وهو مبحث الشك.

وقسم الشيخ الانصاري الاصول العملية الاساسية التي تجري في ظرف الشك إلى اربعة حصرا علميا ودقيقا.

فقال في اول كتابه (الفرائد): (فاعلم ان المكلف إذا التفت إلى حكم شرعي فاما ان يحصل له الشك فيه أو القطع أو الظن، فان حصل له الشك فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، وتسمى بالاصول العملية، وهي منحصرة في الاربعة لان الشك اما ان يلاحظ فيه الحالة السابقة ام لا وعلى الثاني فاما ان يمكن الاحتياط ام لا، وعلى الأول فاما ان يكون الشك في التكليف أو المكلف به.

فالاول مجرى الاستصحاب.

والثاني مجرى التخيير.

والثالث مجرى اصالة البراءة.

والرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

وبعبارة أخرى: الشك اما ان يلاحظ فيه الحالة السابقة اولا. فالاول مجرى الاستصحاب والثاني اما ان يمكن الاحتياط فيه أو لا. فالاول مجرى قاعدة الاحتياط والثاني مجرى قاعدة التخيير.

وما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الاربعة وهو تنظيم جديد وجيد وقائم على اساس علمي متين ).

وعلى هذا الاساس استقر علماء الاصول في تنظيم ابحاث الاصول منذ عهد الشيخ الانصاري إلى اليوم الحاضر. وهذا التمييز بين الادلة الاجتهادية والفقاهتية وتبويب الادلة على اساس منها مما يختص به فقهاء الإمامية المعاصرون منذ عصر الشيخ الانصاري إلى الوقت الحاضر.. وعندما نرجع إلى كتب الاصول للمذاهب السنية، المعاصرة منها والقديمة، لا نجد مثل هذا التفكيك، ونرى انهم يذكرون هذه الادلة في عرض واحد، فالكتاب والسنة والاجماع يذكر في عرض القياس والاستحسان، وهما يذكران في عرض الاستصحاب.

اختلاف المجعول في ادلة حجية الامارات عن المجعول في ادلة حجية الاصول:

ما هو الفرق بين مفاد أدلة حجية الامارات (الادلة الاجتهادية) ومفاد ادلة حجية الاصول (الادلة الفقاهتية)؟

وبتعبير آخر ما هو المجعول في باب ادلة حجية الامارات وادلة حجية الاصول؟ هل هما شيء واحد أم ان المجعول في ظل واحد منهما يختلف عن الآخر؟

وللاجابة على هذا السؤال يرى المحقق النائيني احد ابرز تلاميذ هذه المدرسة ان في كل علم ثلاث جهات: فهو صفة قائمة في نفس صاحبه اولا، وكاشفة عن المعلوم ثانيا، ومحركة إلى العمل بما يقتضيه المعلوم ثالثا.

مفاد ادلة حجية الامارات بعد الغاء احتمال الخلاف:

وادلة حجية الامارات تتكفل بجعل الجهة الثانية للامارات، وادلة حجية الاصول تتكفل باثبات الجهة الثالثة.

ذلك ان الامارة ـ كخبر الثقة ـ تنطوي على درجة من الكشف والاحراز والطريقية بطبيعة الحال، إلاّ انها رؤية ناقصة وادلة حجية الامارات تتكفل بتتميم كشفها تعبدا، بمعنى الغاء احتمال الخلاف تعبدا وهذا امر ممكن(1)

فلا يبقى لاحتمال الخلاف بعد قيام الدليل على اعتبار الامارة وحجيتها قيمة، فاذا تم كشفها بتعبد من الشارع، كان علما، بعناية التعبد الشرعي ومنجزا لمؤداه بطبيعة الحال لان التنجيز هو الأثر العقلي للعلم وهذا هو معنى ما اشتهر من مدرسة الشيخ الانصاري ـ رحمه الله ـ بان المجعول في باب الامارات هو الطريقية والكاشفية.

واما التحرك العملي نحو المؤدي فهو من لوازم العلم بالمؤدي وانكشاف المؤدي للمكلف، ولو على نحو التعبد والغاء الخلاف، وليس هو المجعول ابتداء في ادلة حجية الامارات.

مفاد ادلة حجية الاصول هو الجري العلمي:

واما مفاد الادلة الدالة على حجية الاصول فهذه النقطة الثالثة من جهات العلم، بمعنى ان المجعول في الاصول هو الجري العملي بموجب المؤدي، وليس في الاصول أي كشف أو احراز وروية للمؤدي اطلاقا، وانما تتكفل ادلتها فقط بضرورة الجري العملي بالطريقة التي يقررها الاصل من البراءة والاشتغال والاستصحاب والتخيير، من دون فرق بين الاصول التنزيلية كالاستصحاب وغير التنزيلية كالاشتغال والبراءة إلاّ أن الاصول التنزيلية تختلف عن الاصول غير التنزيلية في ان المجعول في باب الاصول التنزيلية هو البناء العملي بموجب الاصل على انه هو الواقع والغاء احتمال الخلاف، واما المجعول في باب الاصول غير التنزيلية فهو الجري العملي فقط دون البناء على انه هو الواقع.

وهذا هو ما اشتهر على ألسنة تلاميذ الشيخ ـ رحمه الله ـ ان المجعول في باب الاصول هو الجري العملي.

نفي حجية مثبتات الاصول:

ومن هذا المنطلق قرروا حقيقتين:

أحدهما: حجية مثبتات الامارة دون الاصول، فان الامارات بعد ان يتم كشفها من ناحية الشارع تكون حجة في لوازمها العقلية والعادية، كما لو كان الكشف تاما تكونيا(2)

واما الاصول فلما كانت فاقدة لصفة الاحراز والكشف بصورة نهائية، ولم يكن لسان حجيتها جعل الكشف لها أو تتميم كشفها، فلا محالة لا يكون لوازمها العقلية والعادية حجة، ويقتصر امر حجيتها على مؤداها فقط إذا كان مؤداها حكما شرعيا وعلى الأحكام التي تترتب على موضوعاتها، إذا كان مؤداها موضوعا لحكم شرعي.

والثانية: تقديم الامارات على الاصول، واعتبارها واردة أو حاكمة على الاصول. وهذا ما سنوضحه ان شاء الله فيما يأتي بناء على متبنيات مدرسة الشيخ الانصاري.

تقديم الادلة بعضها على بعض:

انطلاقا من الشرح المتقدم في التمييز والتفريق بين الادلة (الاجتهادية) و (الفقاهتية) تتولى مدرسة الشيخ الانصاري امر تنظيم الادلة وتقديم بعضها على بعض فليس بين الادلة الاجتهادية والادلة الفقاهتية بناء على هذا التمييز تعارض، كما لا يكون بين العام والخاص تعارض إلاّ ما يكون التعارض البدوي غير المستقر، فان الامارات ترفع موضوع الادلة الفقاهتية تكوينا وبالوجدان، أو بالتعبد والتشريع وبارتفاع موضوع الادلة الفقاهتية ترتفع الوظيفة العملية الثابتة بالعقل أو بالشرع لهذا الموضوع، فتقدم الادلة الاجتهادية على الادلة الفقاهتية قهرا ويتم ذلك من خلال منهجين مختلفين هما: (الورود) و (الحكومة).

وسوف نتحدث عنهما في الفصل القادم عند الحديث عن تعارض الادلة.

تقسيم مفاد الدليل إلى الأحكام والوظائف العملية

ما هو مفاد الدليل؟

تحدثنا عن الحجة والدليل، والان نتحدث عن مفاد ومدلول الدليل. ولكي نتحدث عن مفاد ومدلول الدليل لابد ان نفرق في البحث عن مفاد الدليل بين امرين مختلفين (الجعل ) و(المجعول).

الجعل: يتم مرة بانشاء من ناحية المشرع، تحقق موضوعه في الخارج أم لم يتحقق.

وأما (المجعول) فيتوقف بثبوته على حصول موضوعه في الخارج.

ففي قوله تعالى: (واعلموا إنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) قد ثبت بتشريع هذا الحكم وتبليغه جعل وجوب الخمس على الغنائم على كل مكلف أحرز الغنيمة:

وهذا الجعل قد تم وثبت بأصل التشريع ولا يتوقف ثبوته على تحقق الغنيمة في الخارج. أما الوجوب (المجعول ) على عهدة المكلف فيتوقف تحققه على وجود المكلف وحصول الغنيمة.

فايهما هو مفاد الدليل؟

ان مفاد الدليل دائما هو (الجعل ) وليس (المجعول) فان الدليل لا يتعهد بغير بيان اصل جعل وجوب الخمس على الغنيمة، أما تحقق وثبوت هذا الوجوب في الخارج على عهدة المكلف فلا علاقة له بالدليل وانما يتم بتحقق موضوعه وينتفي بانتفاء موضوعه في الخارج.

الحكم والوظيفة:

واذا اتضحت هذه المقدمة نقول: ان مفاد الدليل ليس فقط جعل الحكم الشرعي.... فقد يكون مفاد الدليل جعل الحكم الشرعي، وقد يكون احيانا مفاد الدليل جعل الوظيفة الشرعية أو الوظيفة العقلية للمكلف في ظرف الجهل بالحكم الشرعي.

وهذه الوظيفة ليست هي الحكم الشرعي قطعا، وانما هي وظيفة المكلف العملية في ظرف الجهل بالحكم الشرعي.

الاقسام الثلاثة للاصول:

وتوضيح ذلك ان الادلة الفقاهتية على ثلاث طوائف:

الطائفة الاولى: الاصول المؤمنة كالبراءة العقلية والشرعية.

الطائفة الثانية: الاصول المنجزة والمثبتة للوظيفة الشرعية والعقلية كالاشتغال والاستصحاب (في بعض الموارد).

الطائفة الثالثة: ما يفيد التخيير ويرفع كلية التعيين عن عهدة المكلف، وهو اصل (التخيير) العقلي.

الوظيفة الشرعية والعقلية في موارد الاصول المؤمنة:

ومن الواضح ان الطائفة الاولى وهي الاصول المؤمنة ليست ناظرة إلى نفي وجود الحكم الشرعي المشكوك، ولا تزيد على براءة ذمة المكلف عن التكليف في ظرف الشك بالحكم الشرعي والجهل به وقد يكون الحكم الشرعي قائما بالفعل ولكنه لا يتنجز على عهدة المكلف إلاّ بالعلم، وفي فرض الجهل لا يكون المكلف مطالبا بالتكليف.

فالاصول المؤمنة اذن لا تدل على نفي وجود الحكم الشرعي ويبقى المكلف حتى بعد اجراء البراءة شاكا في وجود الحكم الشرعي ولا يقطع بانتفائه، إلاّ أنه يقطع ببراءة ذمته عن التكليف المشكوك فقط في ظرف الجهل به.

الوظيفة العقلية في موارد الاصول المثبتة للتكليف:

وكذلك الامر في موارد الاصول العملية التي تنجز وتثبت حكما على عهدة المكلف كأصل الاشتغال والاستصحاب وهي الطائفة الثانية من الاصول فانها لا تثبت وجود حكم شرعي كان يجهله المكلف وانما تثبت فقط على عهدة المكلف وظيفة شرعية أو عقلية بالاحتياط في مورد الاشتغال وباستصحاب الحالة السابقة في مورد الاستصحاب والاحتياط والاستصحاب وظيفتان للمكلف في ظرف الجهل بالحكم الشرعي ولا يمكن ان يكون مؤداهما هو الحكم الشرعي الثابت على عهدة المكلف، لانهما يقعان في طول الجهل بالحكم الشرعي وفي رتبة متأخرة عن الحكم الشرعي، فكيف يمكن ان تتحد الوظيفة والحكم مع اختلافهما في الرتبة.

الوظيفة العقلية في مورد اصل التخيير:

وكذلك الامر في الطائفة الثالثة وهي أصالة التخيير. والامر فيها أوضح من الطائفتين السابقتين، فان التخيير في مورد تردد التكليف بين المحذورين ليس هو الحكم الشرعي الواقعي قطعا، لان الحكم الشرعي الواقعي لا يخلو من ان يكون احد المحذورين، اما الوجوب أو الحرمة وليس أحدهما على نحو الترديد والتخيير قطعا. فالتخيير بينهما اذن هو وظيفة المكلف في ظرف تردده بين الوجوب والحرمة (المحذورين ) مع العلم بثبوت أحدهما قطعا على نحو الاجمال.

الفرق بين الحكم والوظيفة من حيث الرتبة:

وهكذا يتضح من هذا الشرح ان مفاد الدليل في موارد الاصول العملية (الادلة الفقاهتية) هي الوظيفة الشرعية أو العقلية.

وليست ادلة حجية الاصول ناظرة إلى اثبات الحكم الشرعي اطلاقا، لا اثباتا ولا نفيا، وانما تفيد فقط تبيين الموقف العملي للمكلف في ظرف الشك والجهل، وهو امر آخر غير الحكم الشرعي، بل لا يمكن ان يكون مفاد الاصول هو الحكم الشرعي لان الأحكام الشرعية مفاد الامارات (الادلة الاجتهادية) فلا يمكن ان تكون مع ذلك مفاد الاصول نظرا لتأخر مفاد الاصول عن مفاد الامارات، فاذا كان مفاد الامارات هو الحكم الشرعي الواقعي، فلا يمكن ان يكون الحكم الشرعي الواقعي مفادا للاصول في نفس الوقت.

فاننا إنما نلجأ إلى الاصول عند الجهل بالحكم الشرعي الواقعي الذي هو مفاد الامارات فهما يأتيان في رتبتين مختلفتين فكيف يمكن ان يكون مفاد أحدهما هو مفاد الآخر؟ هذا من حيث الاختلاف في الرتبة.

الفرق بين الحكم والوظيفة من حيث المؤدي:

وكما يختلف الحكم عن الوظيفة من حيث الرتبة يختلف (الحكم) عن (الوظيفة) من حيث المؤدي أيضاً فان الأحكام ناظرة إلى وجود المصلحة والمفسدة في المؤدي، فقد تكون المصلحة أو المفسدة في المؤدي ملزمة فيكون الحكم واجبا أو حراما. وقد تكون المصلحة والمفسدة في المؤدي غير ملزمة فيكون الحكم مستحبا أو مكروها.

وقد تتوازن المصلحة والمفسدة أو يخلو الواقع من المصلحة والمفسدة فيكون الحكم مباحا.

اما الوظيفة فليست ناظرة إلى وجود مصلحة أو مفسدة في المؤدى والمجعول اطلاقا وانما هي ناظرة إلى مصلحة في اصل الجعل، لا المجعول لغرض التسهيل والتيسير على العباد كما في مورد البراءة أو لغرض المحافظة على الأحكام الواقعية كما في مورد الاشتغال والاحتياط.

7 ـ ترتيب الادلة وتقديم بعضها على بعض:

انطلاقا من الشرح المتقدم في التمييز والتفريق بين (الادلة الاجتهادية ) و (الادلة الفقاهتية) تتولى المدرسة الاصولية عند الشيعة الإمامية امر تنظيم الادلة وتقديم بعضها على بعض.

فليس بين الادلة الاجتهادية والادلة الفقاهتية بناءا على هذا التمييز تعارض حقيقي، كما لا يكون بين العام والخاص تعارض إلاّ ما يكون من التعارض البدوي غير المستقر.

فان الامارات ترفع موضوع الادلة الفقاهتية تكوينا، وبالوجدان، أو بالتعبد والتشريع، وبارتفاع موضوع الادلة الفقاهتية ترتفع الوظيفة العملية الثابتة بالعقل أو بالشرع لهذا الموضوع فتتقدم الادلة الاجتهادية على الادلة الفقاهتية قهرا، ويتم ذلك من خلال منهجين مختلفين هما (الحكومة) و(الورود).

ولابد لهذا الامر من ايضاح وتفصيل وشرح، واليك هذا الشرح:

التعارض البدوي غير المستقر بين الادلة:

هناك اربع حالات من حالات العلاقة بين الدليلين تبدو ابتداء انها داخلة ضمن حالات التعارض بين الادلة ولكن ببعض الامعان والتأمل نجد انها خارجة من دائرة التعارض بين الادلة وهذه الحالات هي:

1 ـ التخصص.

2 ـ التخصيص.

3 ـ الورود.

4 ـ الحكومة.

وبموجب هذه الحالات يتم تقديم دليل على دليل آخر، دون ان تدخل هذه الحالات في دائرة التعارض بين الادلة.

وسوف نتحدث ان شاء الله عن هذه الحالات الاربعة واحدة بعد أخرى.

1 ـ التقييد والتخصيص:

التخصيص هو خروج موضوع الدليلين عن موضوع الدليل الآخر كما إذا حكم احد الدليلين باكرام العالم، ونهى الدليل الآخر عن اكرام الجاهل. فان موضوع الدليل الثاني هو (الجاهل) وهو خارج عن موضوع الدليل الأول بالوجدان فلا منافاة بين هذا الدليل وذاك ولا تعارض بين هذا الامر وذاك النهي.

2 ـ التخصيص:

لا شك في ان دليل (الخاص ) يتقدم على (العام)، ويعتبر قرينة على ان المتكلم لم يكن يقصد من اول الامر العام بالمعنى الظاهر منه غير ان الدليل إذا كان متصلا بالعام كان قرينة مانعة من انعقاد ظهور العام في معناه من اول الامر. واما إذا كان الدليل المخصص منفصلا عن العام فان ظهور العام ينعقد لا محالة في معناه الظاهر فيه غير ان المخصص المنفصل يكشف لاحقا عن ان المتكلم لم يكن يقصد المعنى الظاهر من العام في استعماله الأول. فيتقدم على كل حال الدليل المخصص على الدليل العام، ولا يكون ثمة تعارض وتناف بين الدليلين، إذ ان الدليل المخصص بعينه قرينه موضحة لمراد المتكلم من الاستعمال الأول.

فلو امر الآمر باكرام الفقراء، ثم نهى عن اكرام الفقراء الفساق فان النهي الثاني يعتبر قرينة على ان المتكلم لم يكن يقصد في الاستعمال الأول من كلية الفقراء عموم الفقراء وانما كان يقصد الفقراء العدول.

اذن الجمع العرفي والعقلائي بين هذهين الدليلين بعد ضم أحدهما إلى الآخر يقتضي تقييد المطلق وتخصيص العام من الاستعمال الأول ما لاستعمال الثاني، واعتبار الدليل الثاني شارحا وموضحا لمراد المتكلم من الاستعمال الأول.

وبذلك فلا يدخل التخصيص والتقييد في باب تعارض الادلة.

3 ـ الورود:

نستطيع ان نفهم معنى اجماليا عن (الورود) بملاحظة العلاقة بين (الامارات) وبين الاصول العقلية العملية وهي البراءة العقلية والاحتياط والتخيير العقليان.

ان خبر الثقة الواحد من الامارات الظنية التي تثبت حجيتها بالدليل القطعي، بعكس النصوص المتواترة والمستفيضة الموجبه للقطع بنفسها والتي لا تحتاج إلى دليل من الشرع على حجيتها.

فإذا ورد خبر من ثقة على حكم شرعي بعد ثبوت حجة خبر الثقة الواحد يعتبر هذا الخبر بيانا من قبل الشارع على ذلك الحكم، وبه يرتفع موضوع البراءة العقلية وهو (عدم البيان) من ناحية الشارع بناء على القاعدة العقلية المعروفة بـ (قبح العقاب بلا بيان ) فان خبر الثقة الواحد بيان من ناحية الشارع قطعا وبه ينتفي موضوع الأصل، وهو عدم البيان.

وكذلك يتقدم خبر الثقة الواحد على اصالة الاحتياط العقلية، فان موضوع اصالة الاحتياط هو احتمال العقاب على ترك الوجوب المحتمل أو ارتكاب الحرمة المحتملة، ومع حصول خبر الثقة الذي ثبتت حجيته من ناحية الشرع يحصل للمكلف الامن من العقوبة على مخالفة الوجوب المحتمل أو ارتكاب الحرمة المحتملة. لان المكلف حينذاك يستند في ترك الواجب المحتمل أو ارتكاب الحرام المحتمل إلى ترخيص واذن من الشارع، وبه يأمن من عقوبة الشارع، ولا يبقى موضوع ولا مجال لجريان اصالة الاحتياط من الناحية العقلية).

كذلك يتقدم خبر الثقة الواحد على اصالة التخيير العقلية فان موضوع التخيير العقلي هو عدم وجود مرجح لاحد الطرفين على الطرف الآخر وخبر الثقة الواحد يصلح ان يكون مرجحا للطرف الذي يدل عليه الخبر على الطرف الآخر، فلا يبقى مع وصول الخبر موضوع ولا مجال لجريان اصالة التخيير العقلية. وبناء على هذا الايضاح فان الامارات والطرق (الادلة الاجتهادية ) يتقدم على الاصول العقلية من البراءة والاحتياط والتخيير العقلي (الادلة الفقاهتية) ولا يكون بينهما تعارض، لان معنى التعارض هو تكاذب الدليلين، ولا يتكاذب الدليلان إلاّ إذا كانا في عرض واحد واما إذا كان أحدهما في طول الآخر فلا يتكاذبان، الامر هنا كذلك فان الاصول العقلية تجري عند انتفاء خبر الثقة، ولا معنى لجريان هذه الأصول مع وجود خبر الثقة، ويسمي الشيخ الأنصاري ـ رحمه الله ـ هذه العلاقة بين الأدلة بـ (الورود) ويحدده بما لو كان الدليل الوارد ينفي موضوع الدليل (المورود) نفيا تكوينيا ووجدانيا، بعناية التعبد من الشارع.

وهذا نوع من العلاقة بين الأدلة الاجتهادية والفقاهتية اكتشفه الشيخ الأنصاري ـ رحمه الله ـ في جهده العلمي في المباحث العقلية من الأصول.

4 ـ الحكومة:

والنوع الثاني من العلاقة بين (الأدلة الاجتهادية والأدلة الفقاهتية) هي (الحكومة وهي أيضاً تقتضي تقدم الدليل الاجتهادي على الدليل الفقاهتي ولكن ببيان آخر وطريقة أخرى تختلف بعض الشيء عن (الورود).

وتطلق (الحكومة) في مدرسة الشيخ الأنصاري ـ رحمه الله ـ على حالة خاصة من العلاقة بين الدليلين يكون فيها أحد الدليلين ناظرا إلى مفاد الدليل الآخر وشارحا له ومبينا لكمية مدلوله، حتى إذا كانت هذه النظارة والشرح من الدليل الثاني للدليل الأول بغير الألفاظ المستعملة للشرح والتفسير نحو قولنا (بمعنى أي التفسيرية ).

وفي مورد (الحكومة ) لا تنفي الأدلة الاجتهادية موضوع الأصول العملية نفيا تكوينيا بالوجدان كما (الورود) وانما تنفيه نفيا تشريعيا وبتعبد من الشارع، وبحكم من الشارع، ولعل ذلك هو سبب تسميته بـ (الحكومة) وهذه (الحكومة) ترد كثيرا في العلاقة بين الامارات والاصول الشرعية البراءة الشرعية والاستصحاب )، فان موضوع البراءة الشرعية بمقتضى حديث الرفع: (رفع عن امتي ما لا يعلمون ) هو الجهل بالحكم الشرعي، وبوصول خبر الثقة يرتفع الجهل بتعبدنا من ناحية الشارع، فان المكلف يبقى من الناحية التكوينية لا محالة شاكا بالحكم الواقعي الشرعي، وجاهلا به ولا ينفي خبر الثقة الواحد جهلة وشكه تكوينيا وبالوجدان، ولكن بما ان الشارع تعبدنا بحجية خبر الثقة واتم الكشف الذاتي الناقض الموجود في هذه الامارة فان وصول خبر الثقة إلى المكلف يرفع الجهل بالحكم الواقعي الشرعي لدى المكلف بتعبد وتشريع من ناحية الشرع، ومع انتفاء الجهل تعبدا ينتفي موضوع الأصل فيثبت الدليل الاجتهادي ويتقدم على الدليل الفقاهتي ولا يعارضه الدليل الفقاهتي. وهو يختلف عن طريقة تقدم خبر الواحد الثقة على الأصول العقلية فان خبر الثقة بعد ثبوت حجيته من الشرع بيان من دون شك وهو يرفع موضوع البراءة العقلية ـ مثلا ـ وهو اللابيان بصورة تكوينية قطعا.

وهذه (الحكومة) على ما اصطلح عليه الشيخ ـ رحمه الله ـ نحو آخر من تقدم الامارات على الأصول العملية.

العلاقة بين الأصول العملية:

ويتحدث الشيخ بعد ذلك عن العلاقة بين الأصول العملية نفسها، فان الممكن ان تتعارض الأصول العملية بعضها مع بعض، وهذا التعارض يكون بين الاستصحاب وسائر الأصول العملية (البراءة والاحتياط والتخيير) أو بين استصحابين.

العلاقة بين الاستصحاب والاصول العقلية:

اما في العلاقة بين الاستصحاب والاصول العقلية (البراءة العقلية والتخيير والاحتياط)، فالاستصحاب لا محالة يكون واردا على هذه الأدلة بموجب مصطلح الشيخ، ورافعا لموضوعها رفعا تكوينيا، لان الاستصحاب عندئذ يعتبر بيانا من الشارع، ومع وجود البيان ينتفي موضوع كل من أصالة البراءة والاحتياط والتخيير، فان موضوع البراءة العقلية عدم البيان، ومع وجود البيان الشرعي ينتفي موضوع الأصل، بصورة تكوينية، وموضوع الاحتياط عدم الأمن من العقاب في ارتكاب محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب، وبالاستصحاب يتحقق الأمن من العقاب شرعا بصورة تكوينية كذلك ولا يبقى موضوع للاحتياط...

وموضوع التخيير عدم وجود مرجح لاحد الطرفين، والاستصحاب يصلح شرعا ان يكون مرجحا حقيقيا للطرف الذي يدل عليه الاستصحاب، وبذلك ينتفي موضوع التخيير وهو عدم وجود المرجح.

وبناء عليه يتقدم الاستصحاب على كل من الأصول العقلية الثلاثة، وتكون العلاقة بين الاستصحاب وبينها علاقة (الورود) على مصطلح الشيخ ـ رحمه الله ـ.

العلاقة بين الاستصحاب والبراءة الشرعية:

واما العلاقة بين الاستصحاب والبراءة الشرعية فهي من (الحكومة) لان الاستصحاب يرفع موضوع البراءة الشرعية وهو (الجهل بالحكم الشرعي الواقعي ) بتعبد من الشارع لان للاستصحاب نظرا إلى الواقع، ويختلف الاستصحاب بذلك عن سائر الأصول العملية، التي لها صفة وظيفية محضة، وليس لها نظر إلى الواقع، وعليه فان الاستصحاب بتعبد من الشارع يرفع حالة الجهل فيكون حاكما على البراءة الشرعية بالتوضيح المتقدم.

الأصول التنزيلية:

ومن هنا انفتح على هذه المدرسة باب جديد من العلم في التمييز بين نوعين من الأصول العملية (التنزيلية) منها وغير التنزيلية ). فقد وجدوا ان مهمة طائفة من الأصول العملية كالاستصحاب هي تنزيل احد طرفي الشك منزلة الواقع في البناء العملي، بينهما وجدوا ان مهمة طائفة أخرى من الأصول العملية تحديد الوظيفة العملية للمكلف في ظرف الشك بمقتضى ما يؤدي اليه الأصل دون النظر إلى الواقع وتنزيل المؤدي منزلة الواقع.

وسموا الطائفة الاولى بالاصول التنزيلية والطائفة الثانية بالاصول غير التنزيلية، وقالوا بحكومة الأصول التنزيلية على غير التنزيلية، لان مهمة الأصول التنزيلية هي تنزيل مؤدى الأصل منزلة الواقع في مقام العمل.

وبهذا التنزيل العملي يرتفع الشك والجهل بالحكم الشرعي ويرتفع بذلك موضوع الأصول غير التنزيلية بالتفصيل الذي تحدثنا عنه تعبدا وبذلك تكون الأصول التنزيلية حاكمة على الأصول غير التنزلية بتقدمه عليها، ولا يكون بينهما تعارض لتقدم الأول على الثاني إلاّ ما يبدو لاول وهلة بينهما من (التعارض البدوي ) الذي يزول بعد النظر والتأمل.


1 ـ يرى المحقق العراقي ـ رحمه الله ـ ان الكشف وتعميمه امر تكويني غير قابل للجعل والرفع بالتشريع ولكنه من الممكن ان يتعلق التشريع بالغاء احتمال الخلاف.
2 ـ حجية مثبتات الامارات وان اشتهرت على السن المتأخرين لكنها ليست قطعية وللمناقشة فيها مجال واسع.