منهج الأصوليين في التقريب بين المذاهب الإسلامية

الدكتور محمد فتحي الدريني ـ الأردن ـ


بسم الله الرحمن الرحيم

لقد بات من المسلّم به أن التشريع بطبيعته من أكبر العوامل المؤثرة في الكيان الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للأمة، بل والحضاري بوجه عام، ولذا كان ينبغي أن يكون من أولى وظائفه واختصاصاته تحقيق (التوازن) في تلك الكيانات وفق نظام متسق، لاّ يعتريه في ترتيبه للمصالح الحقيقية المعتبرة ـ للفرد والأمة ـ اختلال أو تناقض، إقامة لتلك المصالح وتنمية وحفظا.

المنهج القرآني:

غير أن التشريع الإسلامي بوجه خاص ـ بما هو إلهي المصدر ـ يتضمن نظاما: كليا، وعاما، ومطلقا، وإنسانيا، وأبديا، محكما بنيانه، ومتوازنا بين الفرد والأمة، وبين مصالح الدنيا والآخرة، دون افتئات لاحداهما على الأخرى فيما ينهض به من (مفاهيم كلية) تجلت في منهج القرآن نفسه في بيانه للأحكام، حيث لم ينزل إلى (التفصيلات الجزئية) إلاّ في القليل، وعلى وجه كلي أيضاً، أي: يكون تطبيقا دقيقا وأمينا لهذا الوجه الكلي.

وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي ـ وهو الأصولي الثبت ـ ما نصه: (تعريف القرآن للأحكام أكثره كلي لا جزئي. وحيث جاء جزئيا فمأخذه على الكلية)(1). ويعلل الإمام الشاطبي هذا المنهج في التشريع القرآني، فيقول:

(وإذا كان القرآن كذلك فهو على اختصاره جامع، ولا يكون جامعا إلاّ والمجموع فيه أمور كليات).

هذا، وعلى الرغم من أن السنة جاءت مبينة لما اجمل القرآن في (مفاهيمه الكلية) بقوله تعالى: (و أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)(2). وبقوله (ص) (أعطيت القرآن، ومثله معه ) فإنه من المعلوم أن الوقائع المستجدة لا تنحصر بدليل: أن كثيرا من النوازل وما ينشيء الناس والدول في كل عصر من تصرفات وعقود قولية أو فعلية لا تزال عارية عن أحكام الشرع، ولاسيما على الصعيد الدولي، مما يفتقر إلى اجتهاد علمي من أهله لتغطية هذه الوقائع والمستجدات والعلاقات الدولية بالأحكام الشرعية في ضوء ما بثت الشريعة من (مفاهيم كلية) وما فسرت (السنة) من أحكام جزئية تتعلق كلها بمصالح حيوية ذات طبائع مختلفة، عامة كانت أم خاصة، فضلا عن المقاصد العامة الأساسية.

وفي تصوري أن هذا الأسلوب البياني الرائع المعجز الذي اتخذه القرآن الكريم من اصطفائه (للمفاهيم الكلية) لتشريع الأحكام غالبا إنما يفسر على اساس أن هذا إيمان من قبل المشرع الحكيم (جل جلاله) إلى المجتهدين في كل عصر أن يسلكوا هذا (المنهج التشريعي) إبان استنباطهم للأحكام، الفرعية أو الجزئية التي يفتقر إليها المجتمع والدولة لتدبير شؤونهما، فيما يعرض لهما من حاجات تفتقر إلى ما يغطيها من أحكام هذا التشريع، وذلك بأن يتنزل (المفهوم الكلي) على ما يتحقق فيه مناطه ؛ كيلا يقع التخالف، أو التناقض بين الأحكام الجزئية الاجتهادية من جهة، وبين (المفاهيم الكلية) المنزلة وحيا في القرآن الكريم من جهة أخرى، دون بتر أو فصل للحكم الفرعي العملي عن (مفهومه الكلي) الذي يندرج تحته. وفي هذا ضبط لعملية الاجتهاد، وتضييق لهوة الخلاف بين المجتهدين في اجتهاداتهم الفردية الفرعية للمسائل العملية التي تطرأ.

وعلى هذا، ينبغي أن لا يكون ثمة انفصال بين (الجزئي والكلي) من المفاهيم القرآنية التي تؤلف في مجموعها بنيانا تشريعيا محكما جاء على وجه نشأت عنه المعجزة الإلهية الخالدة.

الاجتهاد التأصيلي والفروعي:

وأيضا، هذا (المنهج التشريعي) يقتضيه النظر الكلي العام للتشريع الإلهي على ما يقرره الإمام الشاطبي ـ ليجعل من الاجتهاد التشريعي من قبل المجتهدين في كل عصر تطبيقا أمينا (للكليات) من المفاهيم العامة المطلقة للقرآن العظيم، وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي في بيانه الأصولي الدقيق ما نصه:

(إن الجزئيات لو لم تكن معتبرة ومقصودة في إقامة الكلي لم يصح الأمر بالكلي من أصله ؛ لأن الكلي ـ من حيث هو كلي ـ لا يصح القصد في التكليف إليه ؛ لأنه راجع لأمر (معقول) لا يحصل في الخارج إلاّ في ضمن الجزئيات، فتوجه القصد إليه من حيث التكليف به توجه إلى تكليف ما لا يطاق، وذلك ممنوع الوقوع...(فإذا كان لا يحصل الكلي إلاّ بحصول الجزئيات) فالقصد الشرعي متوجه إلى الجزئيات)(3).

ومعنى هذا بيّن نلخّصه فيما يلي:

إن (المفاهيم الكلية ) في القرآن الكريم الذي جاء بها أسلوبا فذا معجزا في بيانه للأحكام ـ أمرا ونهيا وإخبار يتضمن معناهما ـ هي بطبيعتها معان عقلية مجردة، ـ عامة ومطلقة ـ لا يمكن أن تتحقق بذاتها في الوجود الخارجي إلاّ في ضمن جزئياتها، أو من خلال ما يندرج في كل منها من فروع ووقائع عملية يتحقق فيها (مناط المفهوم الكلي) الذي تندرج فيه. وهذا ـ بلا ريب ـ منهج علمي تشريعي يضبط عملية الاجتهاد، ثم هو أمس بمعنى: (التشريع) الذي يتسم بطابع العموم والإطلاق من ناحية، وأقوى من الاستجابة لسنة التطور والتغير في الحياة الإنسانية من (التشريع الفروعي) من ناحية أخرى ؛ لاستعصاء هذا الأخير على العمومية والإطلاق والعجز بالتالي عن استيعاب المستجدات إلاّ عن طريق (القياس) وهذا وان اتسع عقلا مجاله، لانسحاب الحكم القياسي على غير المنصوص عليه منطقيا لاتحاد العلة، يغدو عمومه عقليا ؛ لعموم علته ظنا راجحا، في حين أن (الكليات) وإن كانت مفاهيم كلية غير أنها مصوغة بنص عام يستغرق ما لا يحصى كثرة من الفروع التي تندرج في كل منها مباشرة، لا عن طريق (العلة) أي بطريق غير مباشر، فكان هذا الأخير أتم اتساقا، وأقوى فاعلية، لطبيعة التشريع، وأداء وظائفه من (القياس الجزئي الخاص) بلا مراء !! وأدنى إلى تحقيق قصد الشارع.

على أن مما يغني عن (القياس الأصولي) الفروعي في أصله، والظني من حيث حكمه يغني عنه (العموم المعنوي) الثابت قطعا بالاستقرار التام للجزئيات ـ على حد تعبير الامام الشاطبي ـ بحيث يتصفح المجتهد الجزيئات الواردة في السنة الثابتة، وفي القرآن الكريم ـ وهي جزئيات قليلة نسبيا ـ كما ذكرناه فيستخلص من كل طائفة من تلك الجزئيات (معنى عاما) يسلكها جميعا وإن اختلفت موضوعاتها، وبذلك لا يكتفي المجتهد بالصيغ العامة الواردة في الكتاب والسنة، بل يمتد اجتهاده إلى اقتناص (المعاني العامة) أيضاً ارتقاء من تفصيلات الفروع الجزئية المختلفة موضوعاتها إلى أفق رحب من (المعاني الكلية) وهذا (اجتهاد تأصيلي عام ) ـ كما ترى ـ يكسب التشريع مرونة عجيبة في الاستجابة لمتغيرات الزمن، وتطوير الحياة بالناس، ويستغنى به عن (القياس) في كثير من المجالات ثم هو ـ آخر الأمر ـ تكييف للاجتهاد التشريعي بما يتفق مع (المنهج الكلي) الذي صاغه الله تعالى في بيانه للأحكام في كتابه العزيز.

وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي مشيرا إلى تضييق (هوة الخلف) في الاجتهاد الفرعي الفقهي، وأنه أدعى إلى (التقريب) بين وجهات النظر طالما كان منطلقه العموم الكلي في صيغه العامة في أصل وضعها اللغوي، أو في (العموم المعنوي) الثابت قطعا عن طريق الاستقراء التام في (الاجتهاد التأصيلي) اتساقا مع طبيعة (المنهج القرآني) في معظمه كما بينا، وهذا بلا ريب منهج أصولي علمي تشريعي يضبط ـ كما أشرنا ـ عملية الاجتهاد لتجري على (منطق عام محكم) من شأنه ألا يفتح وليجة أو سبيلا إلى الاختلاف العميق الجذري الذي لا يتأتى معه توفيق ـ لكان (التناقض) فيه ـ نتيجة للاجتهاد بالرأي في المسائل التفصيلية التي بحثت على استقلال، دون إدراجها في (المفاهيم الكلية) نصا أو دلالة، وهذا يعتبر أكبر عامل مؤثر في تشتت التوجه لدى الأمة الإسلاميّة بعامة ؛ لمكان (النتائج ) التي هي مآلات التطبيق الجزئي المستقل، مما لا يرضي عنه الشارع الحكيم على النحو الذي نراه لدى الاجتهاد الفروعي في المذاهب المختلفة.

الاجتهاد والاستقراء:

وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي المدل العريق بسعة أفقه العلمي الأصولي والمتصل بمقاصد الشريعة الأساسية بما تشكل من (كليات الغايات) للمصالح المعتبرة ـ ما نصه:

(العموم إذا ثبت فلا يلزم أن يثبت من جهة صيغ العموم فقط، بل له طريقان:

أحدهما: الصيغ إذا وردت، هو المشهور في كلام أهل الأصول.

الثاني: استقراء مواقع المعنى، حتى يحصل منه في الذهن أمر كلي عام، فيجري في الحكم مجرى (العموم المستفاد من الصيغ) ثم يقيم الأدلة على صحة هذه القضية في الاستدلال )(4).

هذا، ويؤكد الإمام الشاطبي ضرورة هذا (الاجتهاد التأصيلي) عن طريق الاستقراء التام في جزئيات الأدلة من الكتاب والسنة، ضبطا لعملية الاجتهاد أن تتخالف أو تتناقض مع منطق التشريع العام أو روحه، بحيث تجري على نظام واحد، وترتيب لا اختلال فيه، لمكان اتساق الجزئي مع مفهوم كليه، بقوله فيما نصه:

(إن المقصود بالكلي هنا: أن تجري أمور الخلق على ترتيب ونظام واحد، لا تفاوت فيه، ولا اختلاف، وإهمال القصد في الجزئيات يرجع إلى إهمال القصد في الكليات، فإنه ـ مع الإهمال ـ لا يجري كليا بالقصد، وقد فرضناه كليا، هذا خلف ـ أي: تناقض ـ فلابد من (صحة القصد) إلى حصول الجزئيات، وليس البعض في ذلك أولى من البعض، فانحتم القصد إلى الجميع وهو المطلوب)(5).

هذا بيان دقيق حقا، مؤداه: أنه لا يجعل للاجتهاد الفروعي وليجة ينفذ منها إلى نشوء الخلاف القائم على (التناقض المستحكم) الذي من شأنه أن يمس (مبدأ المشروعية العليا) مآلا، وذلك بأن يشتت (التوجيهات التشريعية) في الأمة، أو يحمل على (التناقض) في التصورات الذهنية الجزئية، مما ينعكس بالتالي سلبيا على كيان المجتمع الإسلامي كله، فتنتقض بذلك عرى التآلف والتواد جراء هذا (التناقض) الذي اتسعت رحابه، إذ لا تتم وحدة سياسية، واجتماعية، واقتصادية إلاّ بالاستناد إلى وحدة أحكام التشريع ـ جزئيا وكليا ـ معا، حسب ما يقتضيه العصر.

والشارع الحكيم قد شرع ابتداء في القرآن العظيم(الكليات) ـ كما ذكرنا ـ إيماء إلى أن ينبغي اتخاذها أساسا لكل ما يتفرع من جزئيات لوحدة المناط فيهما، وإذا كانت (الكليات) قد شرعها الشارع الحكيم بالقصد إليها حتما، و إلاّ ما أنزلها وحيا ابتداء، فكذلك (الجزئيات) ينبغي أن تفهم وتطبق أيضاً في ضوء كلياتها، فتكون (الكليات والجزئيات) كلتاهما ـ على هذا النظرـ مشروعتين بالقصد إليهما شرعا، دون انفصال إحداهما عن الأخرى استقلالا، ونتيجة لذلك: أن كل مسألة أو واقعة تطرأ ينبغي أن يتحقق فيها (مفهوم كلي) يتعلق بها مناطه كاملا، وإلاّ ما كان الجزئي تطبيقا لكلية ـ والفرض أنه مطابقه مناطا ـ كيلا يؤول الأمر بالمسلمين ـ من حيث نظام تشريعهم ـ ان يصبحوا مأخوذين بهذا التخالف، أو التناقض، فيما يفرزه الاجتهاد من أحكام في المسائل أو الجزئيات المعروضة، فيفضي ذلك حتما إلى (الإخلال بتوازن المجتمع الإسلامي في كياناته الأساسية من الاقتصاد، والاجتماع، والسياسة، إخلالا ماديا ومعنويا معا) ومن شان ذلك ان يحول بالضرورة دون أداء التشريع وظائفه التي أنزل من اجلها، فضلا من ان يحول دون السعي الحثيث الجاد والمخلص لتحقيق (الوحدة الإسلاميّة ) المفروضة شرعا على الأمة الإسلاميّة قاطبة !! إذ انجاز الوحدة معلوم من الدين بالضرورة أو على هذا فلابد ان تكون تلك المفاهيم الكلية التشريعية في القرآن الكريم. ملكات عقلية راسخة تهيمن على التعقل الاجتهادي وتوجهه لتصبح تلك الملكات بصائر منيرة، ولعل في قوله تعالى: (قد جاء كم بصائر من ربكم فمن ابصر فلنفسه ومن عمي فعليها)(6). إشارة إلى هذا المعنى !!.

وبذلك التوجيه الإلهي الحكيم. يتحدد بل ويستقيم الاتجاه العام للمسلمين فيما يحقق مصالحهم المتعلقة بتلك الأحكام الفروعية، المتكاثرة والمتطورة المندرجة في مفاهيمها الكلية !.

الأساس التشريعي للوحدة:

وفضلا عن ذلك فقد وضع التشريع الإلهي ـ حرصا منه تعالى على تحقيق وحدة المسلمين ـ وضع كافة (الأساسيات) التشريعية (التي تستند إليها هذه (الوحدة في شتى أقطارهم، تلك (الأساسيات) الثابتة في التشريع الإسلامي على سبيل (القطع) مما لا يملك أحد أن يخالف أمرها، شرعها سبيلا ميسرا لإقامة هذه (الوحدة) مما يدل دلالة صريحة على بلوغ هذه (الوحدة) في التقدير الإلهي مبلغ أسمى فرائضه بدليل أنه فرض وحدة الأمة وشرع لها وسائل تحقيقها من الأساسيات الثابته على سبيل القطع، أي: أنه تعالى شرع الغاية والوسيلة العملية لتحقيقها، والأمة الإسلاميّة ـ مهما تعددت حكوماتها وأقطارها ـ مأخوذة ومسؤولة حتما عن أداء هذا الفرض العظيم وإنجازه من الناحية الدينية، ومن الناحية السياسية بوجه خاص، فضلا عن الناحية الاجتماعية والاقتصادية لقوله سبحانه: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) (7) وقوله عز وجل: ( ان هذه امتكم أمة واحدة وانا ربكم فاعبدون) (8) ثم نهى سبحانه نهيا صريحا يفيد التحريم القاطع عن التفرق والتنازع بقوله جل شأنه: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) (9) مما يدل على أن (التقاعس) عن أداء هذا الفرض الذي هو من أجل الفرائض يؤدي حتما إلى انفراط عقد الأمة وانهيار قواها المادية، والمعنوية، وظهور الأعداء عليها بصريح النص الآنف الذكر ! ومن المعلوم أصوليا: أن النهي عن الشيء أمر بضده !!.

هذا الذي أتى به الامام الشاطبي، الأصولي المبتكر المجدد في رسمه لمنهج الاجتهاد في الاستنباط للأحكام التي تفتقر إليها الحوادث أو الوقائع المتكاثرة عبر الزمن، بمقتضى سنة التطور في الحياة الإنسانية، لم نر أحدا من فحول الأصوليين: كالإمام الغزالي والآمدي، والعز بن عبد السلام، وغيرهم. لم نر أحدا من مثل هؤلاء الأصوليين الأقحاح، من تطرق إلى هذا منهم قد أبدى اعتراضا عليه، أو أتى بما ينقضه، فكان ذلك (إجماعا اصوليا) على صحة هذا (المنهج التأصيلي) الذي يتجه بجمعه إلى تحقيق مقصد الشارع من التشريع، جزئيا وكليا، استيحاء من المنهج القرآني الكلي في تقريره للأحكام، لما يتسم به من (العمومية، والإطلاق)، فضلا عن (المفاهيم الكلية) التي تتفق مع طبيعة التشريع نفسه علميا، وفي كل عصر وبيئة وذلك من آيات خلود الشريعة وديمومتها بلا مراءا، ولهذا قال الامام الشاطبي: شرعت أحكام القرآن على وجه كلي وعام ومطلق.

هذا، وكل أمر ـ من التشريع العملي الفروعي الاجتهادي ـ مختلف فيه لو رد إلى (المفهوم الكلي) الذي يتحقق مناطه فيه لارتفع الخلاف غالبا، أو على الأقل لو بقي الخلاف لما كان جذريا يغوص في أعماق (التناقض) الذي خيل بالتصور الذهني الاجتهادي أولا، كما يخل بالنظام المحكم الذي شرعه الله تعالى، وهذا محال، لأن شرع الله تعالى لا تناقض فيه، ولان هذا ينبئ إما عن العجز عن إدراك حقائق الأمور، أو عن العبث، وكلاهما محال عليه سبحانه، ولعل هذا هو المعني بقوله تعالى: ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)(10) !!.

وفي هذا المعنى الجليل يقول الامام الشاطبي ما نصه: (لقد ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الدنيوية والاخروية ابتداء، وذلك على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل، ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات، أو الحاجيات، أو التحسينات، فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تختل أحكامها لم يكن التشريع موضوعا لها، إذ ليس كونها (مصالح) إذ ذاك، بأولى من كونها (مفاسد)، ولكن الشارع قاصد بها أن تكون (مصالح) على الإطلاق، فلابد أن يكون وضعها على ذلك الوجه، أبديا، وكليا، وعاما ومطلقا، في جميع أنوا ع التكليف والمكلفين، وجميع الأحوال)(11).

فتلخص لدينا: أن ما وضعه الإمام الشاطبي من قواعد أصولية، ومن منهج علمي مرسوم يتفق ومنهج الشارع نفسه في تشريعه للأحكام في القرآن العظيم كما بينا، وينبغي أن يتم الاجتهاد الفروعي الدؤوب المتواصل على غرار (المنهج التأصيلي) بما يصون منطقية التشريع، واتساق نظامه المحكم، بحيث لا يعتريه اختلال ولا تناقض، لا بحسب الجزء، ولا بحسب الكل، إقامة للمصالح الحقيقية وتنميتها، والحفاظ عليها، إذ بالاختلال تنقلب المصالح مفاسد، والعكس صحيح، وذلك مناقض للشارع كفاحا، والمناقضة باطلة، بل ومحرمة قطعا فيما يؤدي إليها مثلها!!.

فثبت أن هذا (المنهج التأصيلي العلمي ) الذي يتفق وطبيعة التشريع نفسه ـ فضلا عن التشريع الإلهي ـ هو الكفيل بتدبير شؤون الأمة بما يحقق مصالح الدنيا والآخرة دون افتئات، أو اختلال ما وضع لها من نظام، لا بحسب الكل، ولا بحسب الجزء، كما يرفع أسباب الخلاف الجذري المستحكم في الفروع، أو ـ على الأقل ـ يضيق من هوته، فلا ينخرم مع هذا المنهج نظام المصالح بجميع مراتبها من حيث قوة أثرها في المجتمع الإسلامي مهما ترامت أطراف بيئاته من الضروريات، أو الحاجات، أو التحسينيات، بحيث لا يتخلف حكم فرعي عملي للمسائل أو الوقائع المعروضة على بساط البحث، لا يتخلف كل منها عن مفهومه الكلي، إذ لابد أن يتجه القصد في الاجتهاد إلى (الجزئي والكلي) معا ؛ لأن قصد الشارع اتجه إليهما معا كيلا يقع التناقض، وهو علة بطلان الاجتهاد المتناقض، وما ينتج عنه من أحكام ـ ولا سيما فيما لم يرد فيه نص معين ـ يتناوله بخصوصه ضبطا لعملية الاجتهاد على وجهها الأصولي العلمي المرسوم أن تشتط، أو أن تعتسف المسار الاجتهادي العام الذي حددته هذه (المفاهيم الكلية) في التشريع الإسلامي كما أشرنا، لأنها لم تشرع في القرآن الكريم على هذا النحو عبثا ولا تحكما، فينبغي إذن (تحكيمها) حال طروء العوارض، أو الوقائع المستجدة، أيا كانت طبائعها، أو مجالاتها، وذلك آية خلود الشريعة بلا نزاع !!.

قاعدة المستثنيات:

إن من الأدلة القاطعة على (كمال الشريعة) أنها أقامت اعتبارا خاصا للظروف المستجدة العارضة وللأحوال الطارئة المتغايرة ؛ لأن هذا من سنة الحياة المتطورة في هذا الوجود فبالإضافة إلى القواعد الكلية في التشريع الإلهي فقد شرع الله أحكاما أخرى (استثنائية) حفاظا على (المصالح) أن تنخرم،أو يفضي تطبيق الحكم العام الأصلي إلى نتائج ومآلات ـ نتيجة لتغير الظروف ـ لا يرضى الشارع عنها، بل قد تكون على (النقيض) مما يقتضيه روح التشريع العام، أو ينافي مقاصده العامة الأساسية في التشريع.

ومن هنا وضع الاصوليون واصحاب القواعد العامة (قاعدة المستثنيات)، ومن أولئك: الامام العز بن عبد السلام، إذ أدرج في كتابه القيم (قواعد الأحكام) (قاعة المستثنيات ) هذه يقول فيها ما نصه:

(اعلم: أن الله شرع لعباده السعي في تحصيل مصالح عاجلة وآجلة ـ دنيوية وأخروية ـ تجمع كل قاعدة منها (علة واحدة)، ثم (استثنى) منها ما في ملابسته مشقة شديدة، أو مفسدة تربي على تلك المصالح، وكذلك شرع لهم السعي في درء المفاسد في الدارين، أو في إحداهما، تجمع كل قاعدة منها علة واحدة، ثم (استثنى) منها ما في اجتنابه مشقة شديدة، أو مصلحة تربي على تلك المفسدة، وكل ذلك رحمة بعباده، ونظر لهم، ورفق، ويعبر عن ذلك كله بما (خالف القياس ) وذلك جاء في العبادات، والمعارضات، وسائر التصرفات) (12).

وهذا صريح ـ كما ترى ـ بأن الظروف والأحوال الملابسة عامل مؤثر في تغيير ما ينجم عن تطبيق الحكم الشرعي الفرعي على الوقائع في ظل ما يلابسها من عوارض.

أقول: ما ينجم أو يلزم عن ذلك من نتائج أو مآلات هي: أضرار أو مفاسد تربي على ما كان قد قرر لها الشارع من (مصالح) حين تشريع الحكم الأصلي ابتداء، لتلك الوقائع عرية عن الظروف التي لا بستها بحكم تطور الزمن، فتخرج حينئذ من قاعدتها الأصلية الأولى لتدخل في قاعدة أخرى تناسب (المال) الذي اقتضاها.

ذلك ؛ لان (المفسدة) إذا كانت تربي على ا لمصلحة فالعبرة بالحكم الشرعي الراجح بعد الموازنة، فيكون الحكم في مثل هذا المقام سلبيا، دفعا للضرر الراجح الذي نجم عن تغير الظروف ؛ لأن مفسدة المآل غلبت مصلحة الأصل !! وهذا يحث إلى مبدأ سد الذرائع !!.

وكذلك القول فيما إذا كان الكلي العام يندرج فيه فعل محرم في الأصل، ولكن ظروف الحال استدعت إجازته استثناء لما يلحق الناس من تطبيق الحكم العام وهو التحريم ـ مشقة بالغة، وهذا ضرر عام، فيستثنى حينئذ هذا الفعل بمجرد من اللفظ العام، ليعطي حكما إيجابيا صونا للصالح العام، وهذا ما يطلق عليه ( الاستحسان) وهو ـ كما يقول الإمام ابن رشد ـ: التفات إلى المصلحة والعدل !!!.

هذا الذي نقرره هنا استنادا لما ورد في القرآن الكريم، والسنة الثابتة، من (استثناءات) للوقائع التي لا بستها الظروف تصون المصالح، وتدرا المفاسد، وقررها أيضاً الأصوليون من مثل: الامام العز بن عبد السلام وغيره هو ما جاء به الإمام الشاطبي ( كنظرية عامة في الاجتهاد الفروعي) ولا سيما في تطبيقات أحكام الفروع في ظل الظروف المتغيرة، مراعاة لها لتأثيرها البالغ على نتائج التطبيق، وهو ماسماه (مبدأ النظر في مآلات الأفعال) وقال: إنه معتبر مقصود شرعا، سواء كانت الأفعال موافقة مشروعة ـ أم مخالفة ـ غيرمشروعة ـ وأقام الأدلة التي تنهض بهذا الأصل العظيم الذي يستند إليه أحكام الفروع كيلا يكون التطبيق آليا، غير مستبصر بنتائج هذا التطبيق في ظل الظروف المتغايرة وهذا الأصل العظيم يحول دون اختلاف الأحكام الفروعية، وتضاربها ما دام الحكم ينهض به المآل والنتائج التي تترتب على التطبيق أثرا للظروف الملابسة!! احتذاء بتصرفات الشارع نفسه في هذا الاستثناء حسب الظروف المقتضية(13).

هذا , وتخلف الجزئي عن كلية في هذا المقام لم يكن اعتباطا، بل ( الظروف واقعة، أو متوقعه) درءا للضرر الراجح جلبا للمصلحة الراجحة، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي ما نصه:

(فعلى هذا، تخلف آحاد الجزئيات ـ استثناؤها ـ عن مقتضى الكلي، إن كان لغير عارض ـ أي: لغير ظروف وأحوال طارئة ـ فلا يصح شرعا، وإن كان لعارض فذلك ـ أي: التخلف أو الاستثناء ـ راجع إلى المحافظة على ذلك الكلي من جهة أخرى أو على كلي آخر، فالأول: يكون قادحا تخلفه عن الكلي، والثاني: لا يكون قادحا) (14).

أما إذا كان النص يتعلق بتحريم مسألة جزئية خاصة تحريما قاطعا فلا يجرى فيها الاستثناء في حالة الضرورة.

وفي هذا تفسير لوجوب الاستثناء تطبيقا للأجدر من (الكليات) بما يناسب آثار الظروف من النتائج عند طروئها فعلا، أو توقع طروئها، وهذا مفاده: أن (الجمود الفقهي أو التعصب المذهبي) فيما يتعلق بالمنقولات الاجتهادية من المذاهب المختلفة لا يتفق وقواعد الأصول في الاجتهاد التشريعي المستقاة من منهج القرآن الكريم نفسه في منهجه الكلي من حيث بيانه للأحكام كما فصلنا، استندنا فيه إلى إجماع الأصوليين تلك القواعد الكلية التي تستجيب لتغير الظروف، حذرا أو اتقاء من النتائج التي لا يرضاها الشارع جراء التطبيق المرتجل ـ غير المستبصر أو الآلي ـ دونما اعتبار وتقدير للظروف المتغيرة من حيث هي عامل مؤثر في النتائج، ولأن التصرفات التي يأتي بها المكلفون، أو يصدرون عنها محكومة شرعا بنتائجها، ولهذا أوجب الشارع التحقيق من (مشروعية البواعث والقصود النفسية) لما تؤدي إليه من مآلات ونتائج ولهذا رأينا الامام ابن قيم الجوزية يضع قاعدة عامة في الدوافع النفسية التي تكشف عنها الأمارات والقرائن بقوله: (القصد روح العقد، مصححه، ومبطله) أي: بالنظر إلى ما يؤول إليه الباعث من نتائج ؛ لأن (الدافع النفسي) للتصرف قبل تنفيذه هو باعث مستكن في النفس، وبعد تنفيذه نتيجة ومآل وواقع في الخارج، فالتصرف إذن يصح بصحة مآله، ويفسد بفساد هذا المآل، ولولا أن التشريع الإسلامي يقيم وزنا كبيرا لمشروعية المآل لاعض الطرف عن البواعث والقصود، ولهذا احتفل بها احتفالا كبيرا جدا (إنما الأعمال بالنيات).

وكذلك الأمر إذا كان المآل والنتائج تلقائية غير مقصودة، فينبغي أن تكون على حالة مشروعة أيضاً، وإلا هدمت (المصالح) وصيرتها إلى (مفاسد)، وحكمة الشارع تأبي أن تكون مآل تطبيق شرعه بآي حال من الأحوال مفضيا إلى النقيض مما بني عليه شرعه ابتداء من جلب المصالح، ودرء الأضرار والمفاسد. وهذا هو الشأن في كل تشريع دقيق محكم، لا يعتريه الباطل من بين يديه ولا من خلفه !! وهذا ـ في نظرنا ـ أدعى إلى (التقريب بين المذاهب الفقهية) بلا نزاع إذ اعتمدت هذه (المفاهيم الكلية) إن في الحالات العادية أو في العوارض الاستثنائية على السواء ؛ لأن (وحدة الأصول والقواعد) من شأنها أن تؤدى إلى (التقارب) ان لم تكن مفضية إلى (وحدة) النظر التشريعي والاجتهادي دون ريب !!!.

تاريخ الاجتهاد:

المجتهدون في القرن الثاني الهجري بوجه خاص وما يليه حتى القرن الرابع كانوا على إحاطة تامة بأصول الشريعة وأسرارها، و(مقاصدها الأساسية العامة ) التي يفتقر إلى تحقيقها كل مجتمع إنساني ليستقيم أمره، ويستوي نظام حياته دون اختلال فيه أو إهمال لأي نوع من مصالحه الحيوية التي تحفظ عليه توازنه ماديا ومعنويا، كما كان أولئك المجتهدون على تفهم عميق للأدلة التي تستند إليها تلك الأصول، وتتغيا غاياتها، متمكنين من تبين أنواعها، متبصرين بوجوه الاستدلال بها وبطرق دلالاتها اللغوية والعقلية، بعد (الركون) إلى حجية تلك الطرق بما يقدرهم على استثمار كافة طاقات النص التشريعي ـ كليا كان أم جزئيا ـ من حيث (الإبانة) عن مراد الشارع وقصد فيما شرع من الأصول العامة، ولدلائل الجزئية على السواء، تلك الدلائل التي تبين لهم أنها تطبيق دقيق للمفاهيم الكلية ـ على ما أثبته الامام الشاطبي ـ من حيث إن الشارع الحكيم قد شرعها (وسائل) عملية، وناجعة لتحقيق مقاصده ومراداته في أوسع مدى كيلا يخالف الحكم عن غايته، تطبيقا وتنفيذا، وإلا كان بطلان التصرف، إذ (الوسائل) وإن كانت في الأصل أحكاما شرعية قدرها الشارع تقديرا يحفظ صلاحيتها لتحقيق غاياتها، غير أن تلك (الغايات والمقاصد) أعظم تقديرا ووزنا، حتى إذا تقاعس الحكم عن تحقيق (الغاية) أو المقصد الشرعي من أصل تشريعه ابتداء لظروف وملابسات محتفة، أو أدى إلى نقيض مقصوده، أوقف تطبيق هذا الحكم في تلك الظروف ليطبق على هذا الواقعة المحتفة بظروفها كلي آخر، يفضي إلى (نتائج شرعية) لا تنوب عن مقاصد الشريعة الكلية، حتى لا يكون ثمة تناقض بين الجزئي والكلي في نطاق الشريعة، أو يصادم مقتضى (مبدأ المشروعية العليا) فيها على النحو الذي بسطنا القول فيه آنفا.

أقول: إن هؤلاء المجتهدين من التابعين وتابعيهم قد تفقهوا بسلفهم الصالح من (الصحابة) الكرام الذين اقتعدوا غارب (الاجتهاد الفروعي ) للوقائع المتكاثرة، والمختلفة في طبائعها بفضل اتساع حركة الفتوح، إن الاجتهاد، أو القضاء أو الفتيا، أو تدبير شؤون الدولة سياسيا ؛ لأن معظمهم كانوا رجال دولة، أو أعضاء في (مجلس شورى الحكم) فضلا عن كونهم مجتهدين علماء في الاستنباط بما يناسب ظروف الأمة ـ داخلا وخارجا ـ في هذه الدولة المترامية الأطراف، وإن كانت أصول تلك الأحكام ـ بادئ ذي بدء ـ مستقرة في نفوسهم بالقوة، وفي أذهانهم معاني ومقاصد استقراء اللغة وبلاغتها، وأسرارها في البيان، ثم أعقب ذلك تدوينا.

غيران التابعين وتابعيهم حتى القرن الرابع قد سلكوا سبيل (الاجتهاد التأصيلي) الذي قوامه ارتقاء بالفكر الاجتهادي الأصولي التشريعي بوجه عام إلى (مفاهيم أصولية عامة) و(قواعد كلية) قد اصلوها لضبط التفكير الاجتهادي، وتقويما للتفهم التشريعي وتوجيها لعملية الاستنباط، ضبطا يجعله (علمي الاتجاه)، (موضوعي النظر)، (يعلل الحكم) بما ورث عدالة التشريع، وقناعة المكلف للامتثال الطوعي (بين المقصد) توثيقا للمصالح الحقيقية المعتبرة (كلي المفهوم ) تأكيدا لمنطقية التشريع !!!

الاجتهاد تكليف شرعي:

على أن هذا النوع من الاجتهاد المستقل المبكر بشقيه (التأصيلي والتفريعي) بما ينطوي على عبء من النظر ثقيل استنباطا، وتطبيقا معا ـ وعلل الاجتهاد في التطبيق لا يقل خطرا وأهمية عن الاجتهاد في الاستنباط ـ

أقول: بما ينطوي عليه هذا الاجتهاد بشقيه من النظر العقلي، والبحث الأصولي من عبء ثقيل، وبما كان يترك من (آثار) بالغة في حياة المجتمع الإسلامي سياسيا، واجتماعيا، واقتصاديا إنما كان أداء لفريضة محكمة ـ وإن كانت كفائية ـ ترتقي ـ في اعتقادهم ـ إلى مستوى (العبادات) سواء بسواء، وبما أدركه الإمام الشافعي الذي يعتبر أول مدون لعلم الأصول كملا، بما ينبيء عن (نظرية عامة كاملة للشريعة ) حيث يقول في كتابه (الرسالة): (إن الله تعالى ابتلى عباده بالاجتهاد كما ابتلاهم في سائر فرائضه أي: كلفهم به.

الاجتهاد والتجديد

هذا والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في عصره المبارك لا يفتأ يعلن على الملأ أن الاجتهاد بما هو ضرورة تشريعية وحيوية لتدبير شؤون الأمة فعلا ـ لا لمجرد إظهار قوة النفاذ العقلي، أو الكلمة الاجتهادية المبتكرة المبدعة ـ ولتكييف حياتها بمفاهيم الشريعة ومقتضيات بصائرها وحقائقها، وقد أكد (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يكون اجتهادا متجددا عبر القرون ؛ لتبدل الظروف وتغير المصالح صدى لسنة التطور في الحياة الإنسانية التي هي ما تقتضيه سنة العقل الانساني المبدع نفسه ثمرة في أصل فطرته، مما يتنافى مع (الجمود الفقهي) رأسا، أو (التعصب المذهبي) الذي يقتضي بطبيعته العكوف على المنقولات الاجتهادية ـ ولو كانت معرفة في القدم ـ يعكف المجتهد عليها دون نظر متجدد بما يناسب الوقائع بظروفها المستجدة في كل عصر بيئة ! قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها) ولهذا يقول الإمام القرافي: (إن الجمود على المنقولات أبدا ضلال في الدين ) غير أن (التجدد في الاجتهاد) الذي ينافي الجمود الفقهي لا ينبغي تغيير النصوص التشريعية في الكتاب والسنة، ولا يخالف عن أمرها ومقتضاها ؛ لأن الشريعة الإسلاميّة قوامها هذه النصوص المقدسة الموحاة، فكان ارتباطها بها أبديا، وبيان ذلك:

إن (التجديد) الوارد في نص الحديث الشريف الذي رويناه ذو مفهوم ينبغي أن لا يعزب عن تعقل المجتهد فليس من مفهوم (التجديد) في الحديث الآنف ـ كما قلنا ـ تغيير أي نص من نصوص الشريعة ـ كتاب وسنة ـ أو العبث بمعانيها الحقيقية، أو المظنونة ظنا راجحا، أو تاويلها تاويلا مستكرها لا يجري على قواعد التأويل الأصولية إشباعا لنزعة التعصب، أو استجابة لرغبة الجمود دون نظر أو اجتهاد ؛ لأن هذا أشبه ما يكون بالتقليد الذي لا يقوم على دليل ولا يدعمه برهان، وهذا محرم شرعا بالنسبة إلى المجتهد في كل عصر، إذ لا يجوز للمجتهد أن يأخذ برأي غيره ما دام هو قادر على الاجتهاد ؛ ولأن رأي المجتهد الفرد لا يلزم إلاّ صاحبه تنفيذا لعملية أو فريضة الاجتهاد المستمرة أبدا، ودون توقف، والى يوم القيامة.

وإذا صح أن يوصف الإسلام بشيء فإنما يوصف بكونه دين الاجتهاد استنباطا وتطبيقا معا، ولا يغني أحدهما عن الآخر ! خلاصة معنى التجديد الذي أعلنه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على الملأ إيذانا بوجوبه في كل عصر وعلى رأس كل مائة سنة.

فتلخص: أن المقصود بالتجديد الذي أوجبه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (على رأس كل مائة سنة) هو: (تجلية حقائق الإسلام ) وبيان (مفاهيمه الأساسية الكلية والجزئية ) مما يقوم عليه (كيانه التشريعي، والعقائدي، والعبادي، والأخلاقي) صونا لها من التزييف، أو الاختلاط، أو التشويه، أو الإبداع، إذ ربما يرين على تلك الحقائق والمفاهيم ظلمات كثيفة من الفكر الأجنبي المستورد، أو المنافي يغشي على جوهرها، أو ربما يؤثر في تعقلها تيارات ثقافية وافدة منحرفة أو معادية تمازج تلك المفاهيم، فتلتاث بها فكرة التدين، بل وحقائق هذا الدين الحنيف، أو عقائده بما تشوهها (المبتدعات العرفية) المحلية القارة، فتستقر في النفوس على أنها (حقائق من الدين) لبعد العهد بها، وتكرر وقوع تلك المبتدعات، واستحكام ألفها، أو لغفلة الناس عن زيفها وتحريفها، وهذا ـ دون ريب ـ يفتقر إلى الاجتهاد من أهله متجددا يتمثل في بحوث علمية لبيان (جوهر الدين) وإظهار(حقائقه) بما ينزع عنه شوائب التزييف والتشويه في الفهم، ويطهره مما الصق به أعداؤه من قضايا عن طريق التأويل المستكره للنصوص بما لا تحتمل، لا لغة، ولا عقلا، ولا مجازا جاريا على سنن بلاغتها في التوسع اللغوي بما نراه في كل عصر من جانب معظم المستشرقين وأقزامهم الذين يكنون للإسلام عداء متأصلا دفينا، وبما يأتون به من افتراءات ملفقة يلصقونها بالإسلام ليشككوا المسلمين في حقيقة دينهم، أو يزحزحوهم عنه، وهذا الأمر قد بلغ حدا من الأهمية والخطورة ـ في نظر الشارع ـ أن افتقر إلى بعض من المجتهدين المخلصين الأحقاء بالبيان والتبليغ على نحو ما بعث الله رسلا مكرمين.

الاجتهاد وراثة الأنبياء:

وهذا المعنى الجليل قد قرره الامام الشاطبي بأجلى بيان، حيث يقول: (فإذا بلغ الإنسان مبلغا يفهم فيه عن الشارع قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة وفي كل باب من أبوابها ـ أي: أصبح مجتهدا مطلقا ـ فقد حصل له وصف هو سبب في تنزله منزلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في التعليم والفتيا لما يحمل بين جنبيه من معاني النبوة، وإن لم يكن نبيا) (15).

هذا، ولا ريب أن قيام المجتهد الحق بهذه (المهمة العظمى) خلفا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في تفهم حقائق رسالته، ومقاصدها الأساسية العليا (وفي أدائها على الوجه الأوفى والأكمل ـ قولا وعملا ـ يعتبر واجباً قطعا، لأنه يؤديها على الوجه الذي أداها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون تقول، أو تزيد، أو تشويه، أو تحريف، أو ابتداع، ولذا بات من المتفق عليه عند جمهور الأصوليين، أن (الاجتهاد) في تفهم حقائق التشريع، وتحملها، وأدائها، والاستنباط والتطبيق على مقتضى تلك الحقائق كان واجبا كفائيا، وبه يرفع مقام المجتهد إلى مقام الجديرين بأن يخلفوا (النبوة في مهامها) لما تخفق بين جنبيه معانيها، وإن لم يكن نبيا ؛ لبلوغه في معراج الاجتهاد والتجديد ـ على النحو الذي فصلنا ـ أسمى مبالغة!!!.

وفي تقرير هذا المعنى العظيم، وتأكيده، يقول الامام الشاطبي، ما نصه: ـ

(إن العالم وارث النبي، فالبيان ـ في حقه ـ لابد منه، من حيث هو عالم لما ثبت من كون العلماء ورثة الأنبياء، وهذا معنى صحيح ثابت، ويلزم من كون العالم وارثا قيامه مقام مورثه في (البيان) وإذا كان (البيان فرضا) على الموروث لزم أن يكون فرضا على الوارث أيضاً، ولا فرق في (البيان) بين ما يفتقر إلى اجتهاد وبين ما هو بين في نفسه ) (16).

هذا المعنى الذي يقرره الامام الشاطبي هو: من معنى (التجديد) بالمفهوم الذي حددناه بسبب وثيق !!.

وأيضا (التبليغ الذي اضطلع به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمقتضى أمر الله تعالى إياه بذلك في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من بك وان لم تفعل فما بلغت رسالته) (17) مأمور به الوارث ـ كما بينا ـ لقيامه مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فثبت قطعا أن (المجتهد المستقل غير المقلد) يحمل (أمانات ووظائف النبوة عينها) إذ لا معنى لهذا الأصل عملا، إلاّ بما يستلزم من تكاليف تلك الأمانات: (وان لم تفعل فما بلغت رسالته) أي: فما بلغت أمانته، وإلا ما كان لوصفها بالأمانة معنى أو وجه معقول !!.

وعلى هذا، صح أن كل ما هو موجه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو بعينه موجه إلى (المجتهد الحق) في كل عصر، وبيئة، غير مقلد ولا متعصب لرأي إمامه، بل هو مأخوذ رأسا بوجوب التلقي عما بلغ النبي من رسالته، إذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إمامه، وموروثه، بيانا ومعاني، ومباني وكليات، ومقاصد لا يرم ذلك انحرافا أو تقولا أو تبديلا، وتزيدا قيد أنملة ! وإلا انخرمت الأمانة، وهذا محرم بإطلاقه !.

وأيضا فيما يتعلق بالحكم، جاء قوله تعالى صريحا: (انا انزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما اراك الله ) (18) ليفيد أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحكم باجتهاده فيما لم ينزل فيه وحي، ثم ينزل الوحي مخطئا أو مصوبا، فكذلك من يقوم مقامه إلاّ ما يتعلق بالوحي، ودليل ذلك من نص الآية الكريمة التي تلوناها، ووجه الاستدلال: ـ

إن (الإراءة) في الآية الكريمة من قوله تعالى (بما أراك الله ) لا يمكن أن يصرف معناها إلى (الإراءة) البصرية أو الحسية من الرؤية بالعين، ذلك لأن (الأحكام الشرعية) التي يراد بها أمور معنوية معقولة وذهنية مجردة، لا ترى بالعين حسا، بل تدرك تعقلا كما لا يسوغ أن تفسر (الرؤية) في الآية الكريمة بمعنى (العلم) اليقيني ؛ لأنه لا يوجد في الآية الكريمة إلاّ (مفعولان) بينما هي تحتاج إلى (ثلاثة مفاعيل) فلم يبق إلاّ أن تكون من (الاجتهاد).

هذا، وإذا كان في الآية الكريمة احتمالان:

أولهما: أن يفسر قوله تعالى: (بما أراك الله) أي: بما نص عليه في الكتاب العزيز.

ثانيهما: أن المراد من قوله تعالى: (بما أراك الله) من خلال اجتهادك ونظرك في أحكام الكتاب وأدلته، فإن في هذا ـ على الراجح ـ دليلا على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يجتهد فيما لا نص فيه حتى ينزل عليه الوحي في حكم الواقعة المعروضة مصوبا أو مخطئا، بل وقد وقع ذلك فعلا.

على أنا لسنا الآن بصدد إقامة الأدلة على وقوع الاجتهاد منه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما قصدنا هنا إلى إثبات وجوب اجتهاد ورثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتهادا واجبا على (الكفاية) وأن يقوموا بهذه المهمة التي تكافئ التبليغ والبيان والحكم كلما أعوز الأمر ذلك ؛ لقيامهم مقام النبوة، ولا سيما بعد انقطاع الوحي من باب أولى !! وهذا ما أشار اليه ابن العربي في تفسيره، إذ يقول (بما أراك الله) أي: بما أعلمك، وذلك بوحي أو نظر، أي بالاجتهاد !.

ولما كان (المجتهد الحق لا صلة له بالإيحاء الإلهي فتعين (النظر الاجتهادي) كما أعوز الأمر ذلك، لقيامه مقام النبوة في ذلك، ولأن (فطرة البيان القرآني) وطبيعته تقتضي ذلك ؛ لمكان النصوص العامة والمطلقة فيه، وكذات السنة. هذا ونتيجة ذلك أن: (الجمود الفقهي أو التعصب المذهبي) يناكر ذلك قطعا ؛ لأنه إطراح للنظر الاجتهادي المفروض، للأمرين الذين أشرنا إليهما.

الاجتهاد أمانة:

وأيضا: الاجتهاد هو (أمانة المجتهد الحق) وتأدية الأمانة العلمية والفكرية واجب شرعا، بل هي فرض تكافلي (كفائي) لا يجوز التخلي عنها، أو اغتيالها، بالتقليد أو الجمود، دون إعادة النظر في المنقولات الاجتهادية، لاختلاف الظروف، وتكاثر الوقائع، وإذا كان الاجتهاد (فريضة الدين) فهي أيضاً (أمانة العلم) ولا سيما إذا استدعى ذلك إقامة الدين على (اصوله الستفرة) على حد تعبير الامام الماوردي(19).

أضف إلى ذلك أن (الاجتهاد) ـ في جوهره ـ استجابة لواقع خصيصة (الإبداع الفكرية ) المغروسة في طبيعة القعل نفسه فطرة، وإلا ما كان (التطور في الحياة الإنسانية).

غير أن ذلك (الإبداع) مقيد بأن يكون في إطار الشريعة (لا يخرج عنها، ولا يناقض روحها، أو يصادم (القطعيات) فيها، فكانت فريضة الاجتهاد في الإسلام ـ كما ترى ـ مطابقة لفطرة العقل، ولمقتضيات سنة التطور الماضية في هذا الوجود الإنساني !!.

على أن الإمام الشاطبي قد أشار إلى هذا (القيد) المهم في التجديد والإبداع التشريعي والفكري بما فطر عليه العقل الإنساني في أصل خلقته إذا يقول ما معنا:

لا يمكن الاستجابة للحاجات المتنوعة في طبائعها والمتكاثرة، والمصالح المتجددة عبر العصور بحكم سنة التطور في الحياة الإنسانية والوجود البشري ـ ثمرة طبيعية للفكر الإنساني المبدع بحكم فطرته ـ إلاّ بالاجتهاد من أهله، وبذل الطاقة العلمية والفكرية إلى أقصى حدودها وإمكانياتها فكان (الاجتهاد) لابد منه ولا غنى عنه، فضلا عن أن (الاجتهاد) استجابة لواقع خصيصة الإبداع الفكري المغروسة في فطرة العقل نفسه، ولكن في (حدود الشرع) وإلا كان (التخلف) و(الانتكاس) وفقدان التوازن مما لا يتفق وأصول الإسلام قطعا، إذا قد اتجهت إرادة الخالق ـ جل وعلا ـ إلى إقامة مقاصد الشريعة وتنميتها، وحفظها، وهذه المقاصد العامة العليا الأساسية هي (مبنى المصالح العامة والفردية) للمجتمع الإنساني لا الإسلامي فحسب في كل عصر وبيئة، ولكن من حيث وضع الشارع لها، لا من حيث مطلق إدراك المكلف إياها (20).

لا مجال للأهواء:

وفي هذا المعنى يقول ما نصه: (المصالح المجتلبة شرعا، والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية) ويقيم بعض الأدلة على هذا المعنى بقوله: (إنما جاءت ـ الشريعة ـ لتخرج الناس عن دواعي أهوائهم، حتى يكونوا عبادا لله اختيارا كما أنهم عبيد لله اضطرارا (21).

على أن الاجتهاد في المصالح ـ نظرا وتحقيقا ـ إنما ينصب أساسا على تحديد خصائص الأفعال التي تناسب تحقيقها ؛ لأن (المصالح) من حيث هي غايات تستهدفها الأفعال التي تتسم بخصائص مناسبة معينة لذلك التحقيق. وأما الاجتهاد في الحكم الشرعي؛ فمنصب على بناء تلك الأفعال وتشريعه لها على نحو يغلب على الظن إفضاء هذا الحكم إلى تحقيق غايته من المصلحة المعتبرة، بحيث يفرعه عن كليه لا يريم عنه، ولا ينافيه، وإلا كان الاعتساف، وهذا لا يتم ـ عقلا وواقعا ـ إلاّ بأعمال الاجتهاد، فثبت أن (التقليد) الذي هو عري عن الدليل ـ جزئيا وكليا ـ أو (التعصب ) لرأي مجتهد كليهما ضرب من ضروب (الهوى المتبع) وذلك مناف قطعا لهذا الأصل العام، وفي هذا المعنى يقول الامام الشاطبي: (لذلك احتج إلى فتح باب الاجتهاد...) فلا يجوز إغلاقه بأي حال من الأحوال، ويعلل ذلك بقوله: (فإما أن يترك الناس مع أهوائهم، أو ينظر إليها بغير اجتهاد شرعي ـ أي تقليدا أو تعصبا ـ وهو أيضاً (اتباع للهوى) وذلك كله فساد فلا يكون بد من التوقف لا إلى غاية وهو معنى (تعطيل التكليف لزوما) (22).

والتعطيل: اطراح العمل بشرع الله بالكلية.

وتفسير ذلك: أن الامام الشاطبي يشير بقوله: (ترك الناس إلى أهوائهم) إلى أن افتقار الناس إلى أحكام شرعية تستجيب لما يستجد لديهم من الوقائع والمشاكل ـ قد تكون معقدة ـ وما ينزل بساحتهم تترى من الأحداث الطارئة: السياسية منها، والاقتصادية، والاجتماعية، ثم تقاعد المجتهدون عن إمدادهم بالحلول الملائمة المستمدة من روح الشرع، ومفاهيمه الكلية فإن هذا (التقاعد) يلجئهم قسرا إلى أن يشرعوا من عند أنفسهم، وأن يتبعوا ـ في هذا التشريع ـ أهواءهم أو أن يضطروا إلى الاستعانة بما عند الأجنبي من التشريعات التي لا تقوم على أصول الإسلام وشرعه بل تقوم على النظر العقلي المحض وهذا محرم قطعا وبالإجماع، لأنه تشريع مناف لشرع الله وأحكام من غير ما أنزل الله !!.

وهذا مفاد قول الامام الشاطبي: (أو نظر إليها بغير اجتهاد شرعي مما يرونه ملائما للطارئ من الأحداث ) ومعلوم أن (التحكم) ممنوع ومحرم شرعا، لأنه يتنافى مع (قاعدة اعتبار المصالح المعتبرة في الأحكام).

وعلى هذا كان (التحكم المذهبي ) بالتقليد، أو التعصب بالهوى منافيا رأسا (للتحكيم الشرعي) الذي نصت على وجوبه صراحة الآية الكريمة من قوله عز وجل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) (23)، أي لا يحكمون أهواءهم.

وأيضا أن التعصب مذهبيا يحول بالضرورة دون (التقريب بين المذاهب) بل يوسع من شقة الخلاف بينهما المؤدي بدوره إلى اختلاف المسلمين فيما بينهم على أمر تشريع ربهم، فضلا عن أن (المتعصب مذهبيا) إنما يبتغي دوما نصرة مذهبه، لا نصرة شرع الإسلام وكل ذلك فساد محرم، بل يجب الحيلولة دون وقوعه، مما يشكل بالتالي عاملا مؤثرا في الإخلال بتوازن المجتمع الإسلامي كله، إخلالا يتناول (مقوماته المادية والمعنوية ) على السواء، وهذا مما لا يجوز شرعا المصير إليه فما أدى إليه مثله !!.

أما الاختلاف اليسير فيما يتعلق بالنصوص الظنية، أو ما يشبهها من تقدير خصائص الأفعال، وما تقتضيه من أحكام يغلب عن الظن إفضاء تنفيذه إلى المصالح الحقيقية المعتبرة، فذلك ليس اختلافا جذريا، ولا تناقضا مستحكما يستحيل معه التوفيق ؛ لأنه مما تقتضيه فطرة البيان القرآني نفسه ـ على حد تعبير الامام الشافعي في كتابه (الرسالة) بحكم كونه من لوازم الاجتهاد ولا يحول دون التقريب بين آراء المجتهدين، ثم هو أخر الأمر لا يخل بتوازن المجتمع في أي كياناته مما يسعف بالتالي على (إنجاز التقريب) الذي يجعل السبيل إلى تحقيق (الوحدة الإسلاميّة ) ميسرا، بل يفضي إليها تلقائيا بحكم وحدة الأصول العامة والمفاهيم الكلية، والمقاصد الكلية الأساسية العليا التي هي مباني (المصالح) للامة والأفراد، وذلك هو مقصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء.


1 ـ الموافقات في أصول الشريعة 3: 266.
2 ـ النحل: 44.
3 ـ الموافقات 2: 63.
4 ـ الموافقات 3: 169 بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. دار الفكر ـ بيروت.
5 ـ المرجع السابق 2: 62 بتحقيق الشيخ دراز ـ دار المعرفة ـ بيروت.
6 ـ الأنعام: 104.
7 ـ آل عمران: 103.
8 ـ الأنبياء: 92.
9 ـ الانفال: 46.
10 ـ النساء: 82.
11 ـ الموافقات 2: 37.
12 ـ الموافقات 2: 138.
13 ـ الموافقات 4: 196 وما يليها.
14 ـ الموافقات 2: 64 بتحقيق الشيخ دراز.
15 ـ الموافقات: 4: 142 وما يليها.
16 ـ المرجع السابق.
17 ـ المائدة: 67.
18 ـ النساء: 105.
19 ـ الأحكام السلطانية: 5 وما يليها.
20 ـ الموافقات 2: 27 بتحقيق الشيخ دراز.
21 ـ المرجع السابق: 38 وما يليها.
22 ـ المرجع السابق 4: 104.
23 ـ النساء: 65.