بسم الله الرحمن الرحيم

نحمدك اللهم حمد الحامدين، ونصلي ونسلّم على صفوة خلقك، وسيّد رسلك، سيّدنا ونبيّنا وآله، وعلى أصحابه، ومن اتّبع هداه إلى يوم لقائك.

لقد بات من الواضح خطورة المرحلة التي تعيشها أمتنا الإسلاميّة في عصرنا الراهن، وهي تواجه ألواناً من التحديات الحضارية، وصنوفاً من محاولات الهيمنة على منابع القدرة، والسيطرة على مصادر القوة فيها. كما لم يعد خافيا أن العدو اللدود يعتمد في صراعه غير النبيل أدق الخطط وأحكم الأساليب، مستعيناً بما يمتلكه من إمكاناتٍ ماديةٍ وتقنيةٍ عاليةٍ، ومستفيداً من حالات الخدر، والغفلة، والجهل التي تسود طبقاتٍ واسعةٍ من المجتمع، بما مكنه من تحقيق أهدافه ومآربه في تقطيع جسد الأمة الواحدة إلى أشلاء متناثرةٍ لا تقوى على النهوض، ولا تقدر على مواكبة حركة التطور في العالم، ممّا جعل هذه الأمة الشاهدة تتراجع عن موقعها التاريخي كأمةٍ رائدةٍ، وتنحدر في حضيض التبعية.

وفي قلب هذا الواقع المر انطلقت صيحات مخلصة تدعو إلى لم شمل الأمة وجمع شتاتها تحت راية التوحيد، وفي ظل تعاليم الإسلام المحمدي الأصيل، وقد شهد عالمنا الإسلامي سيما في القرن الأخير ـ أعلاماً وأئمة مصلحين هتفوا بهذا الهدف السامي، وسعوا إلى تحقيق هذه الأمنية المقدسة، وجاهدوا من أجل ذلك، وقد تحملوا شتى الصعوبات والمشقات، وذاقوا الآلام، حتى أن بعضهم قد استشهد في هذا السبيل.

إن الأمة الإسلاميّة بجميع مذاهبها وشعوبها قومياتها، وبما لها من قواسم مشتركةٍ في حقل العقيدة والعبادات، والعادات والتقاليد، والثقافة العامة، هي أمة واحدة كما صدع القرآن بذلك:(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)(1) مشعراً بأن توحيد الربوبية والعبودية لن يتحققا إلاّ في ظل وحدة الأمة، كما أن هذه الوحدة لا تتم ولا تكتمل إلاّ بهما.

ثم إن الوحدة الإسلاميّة، والأخوة الإسلاميّة، والتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، كل هذه الشعارات المطروحة إنما هي تعبيرات عن مراحل وجود شيءٍ واحدٍ هو: (وحدة الأمة الإسلاميّة) ذات البعد الاجتماعي، والبعد السياسي، بمعنى: توحيد المواقف السياسية.

كما أن الأخوة الإسلاميّة تحكي البعدين: العاطفي والعملي للوحدة، والقريب بين المذاهب يحكي البعد الثقافي والفكري لها،فما لم يتحقق الود والألفة بين آحاد الأمة الإسلاميّة، وما لم يحصل الانسجام بينهم، بحيث يصبح همهم الرسالي هماً واحداً، وشعورهم مشتركاً بالمسؤولية أمام الإسلام والمسلمين، وحرضهم الكبير على المصلحة الإسلاميّة العامة،لا يكون لوحدة الأمة وجود خارجي ينطلق عملياً نحو الأهداف المقدسة، بل تبقى الوحدة حلما لا يتجاوز الواهمة، وشعارا يراوح في عالم الخيال.

بيد أن الأخوة الإسلاميّة بدورها تتوقف على حصول أمر آخر ألا وهو التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، وهنا لابد لنا أولا من بيان أن المذاهب الإسلاميّة كافة ما هي إلاّ طرق لفهم الإسلام وأحكامه، وليست هي كيانات قائمة في عرض الإسلام ومستقلة عنه. وبعبارة أخرى: يمكننا القول بأنها صور وأشكال نشأت عن الإسلام واليه تنتهي. وهذه التعددية المذهبية إن كان منشؤها الاجتهاد في فهم الإسلام فليس في ذلك ما يدعو إلى العداء والبغضاء، وحصول التنافر والتناحر مادامت المذاهب كلها تستهدف هدفاً واحداً هو الإسلام العظيم، إلاّ أن ما حدث وخلال فتراتٍ ليست بقصيرةٍ كان على عكس ما كان مترقباً ـ ويا للأسف ـ بسبب الغفلة والجهل، فطفحت الخلافات على المستوى العام، وأخذت النعرات العمياء تنخر في جسد الأمة، وصار لكل وجهة، والحديث ذو شجون.

وإذا أريد تلافي ذلك، وعدم الوقوع في الخطأ نفسه، فلابد أن يقوم علماء الإسلام بعرض هذه المذاهب الإسلاميّة، وتوضيح متبنيهاتها بموضوعية تامة وبأسلوب جديد، بعيدا عن حالات التطرف والانحياز، متجاوزين المسائل الجزئية؛ لكي يحمل كل مسلم صورة ناصعة عن أخيه المسلم خالية من التهم والتمحلات، وحينها ستكون الأرضية صالحة لنمو غرس الأخوة والمحبة بين المسلمين كافة.

ومن أجل الوصول إلى الغاية المنشودة هذه دعا ولي أمر المسلمين القائد السيد علي الخامنئي ـ حفظه الله ذخرا للإسلام والمسلمين ـ إلى تشكيل (المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة) محققا بذلك أمنية الامام الراحل مؤسس الجمهورية الإسلاميّة السيد الخميني(قدس سره).

ولم يكن هذا المشروع المقدس بدعا في تاريخنا الحديث، بل سبقته خطوات مباركة وقيمة من قبل الحريصين على الإسلام والمسلمين، خصوصا مشروع (دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة)، بل يمكن القول بأن (مجمع التقريب) ما هو إلاّ امتداد لـ(دار التقريب)، ومواصلة للدرب نفسه، ولتحقيق ذات الأهداف التي يسعى (المجمع) إليها بكل جهد، وبأية وسيلة ممكنة.

وكما أتحفت (دار التقريب) الأمة الإسلاميّة بالكثير من الإنجازات، وعلى رأسها إصدار مجلة (رسالة الإسلام) فإن (المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة) يقدم بين يدي المسلم في شتى أنحاء العالم إضافة إلى ما يصدره من الإنتاج الثقافي الواسع يقوم بنشر هذه المجلة مجلة (التقريب. نت) آملين أن تكون منبراً لكل المسلمين بمختلف طوائفهم، وحاملة للكلمة الهادفة التي تعبر عن هموم المسلمين وطموحاتهم، عسى أن تنال إعجاب القارئ الكريم، ورضا الرب الرحيم.

(ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)(2).

التحرير


‏1 ـ الأنبياء: 92.
2 ـ الحشر: 10.